روايات وقصص

ابويا بقلم محمد عبده

«هي فقط أوقفت خدمة الدفع التلقائي من حسابها. لازم حضرتكم تسددوا الفاتورة بنفسكم.»
ومشي.
أبويا فضل واقف مكانه.
سارة قالت:
«يعني إنتِ كنتِ بتدفعي الكهرباء كمان؟»
ضحكت.
«آه.»
أمي قعدت على الكنبة.
«طب وإحنا هنعيش إزاي؟»
لأول مرة، ما كانش عندي إجابة.
لأن الإجابة كانت بسيطة جدًا.
زي أي عيلة تانية.
هتعيشوا لما تدفعوا فواتيركم بنفسكم.
طلعت أوضتي.
لكن قبل ما أقفل الباب، سمعت أبويا بيقول:
«دي مش هتكمل أسبوع.»
كنت هقفل الباب.
لكن موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
«ألو؟»
صوت راجل قال:
«مساء الخير. هل أنا بكلم الآنسة مايا حسن؟»
«أيوه.»
«أنا المستشار كريم عبدالسلام، من مكتب الأستاذ فؤاد الشناوي.»
سكت لحظة.
«والدك يعرف الأستاذ فؤاد؟»
«لأ.»
«غريبة.»
«ليه؟»
قال جملة خلتني أقف مكاني.
«لأن عندنا مستند قديم جدًا باسم والدك… وفيه اسمك إنتِ كمان.»
قلبي دق بسرعة.
«مستند إيه؟»
«ده اللي محتاج أقابلك عشانه.»
«ممكن تقول لي على التليفون؟»
«الأفضل لأ.»
«إمتى؟»
«بكرة الساعة 10 صباحًا.»
سكت.
وبعدين قال:
«وفي حاجة تانية.»
«إيه؟»
«المستند ده متعلق بملكية عقار.»
تجمدت.
«عقار مين؟»
قال:
«العقار اللي عايشين فيه دلوقتي.»
وقبل ما أقدر أتكلم، قفل الخط.
فضلت واقفة في نص الأوضة.
بصيت ناحية الباب.
أول مرة بدأت أشك إن كل اللي حصل يوم تخرجي…
ما كانش مجرد إهانة.
يمكن عيلتي كانت مخبية عني حاجة أكبر بكتير.
وحاجة كان واضح إنهم كانوا ناويين تفضل مستخبية للأبد.
نكمل من لحظة المكالمة، وندخل في سر البيت والوثيقة القديمة، مع تصعيد الأحداث.
فضلت واقفة قدام باب أوضتي، والموبايل في إيدي.
«العقار اللي عايشين فيه دلوقتي.»
الجملة دي كانت بتتكرر في دماغي.
بصيت للبيت من حواليا.
البيت اللي عشت فيه من وأنا صغيرة.
البيت اللي كنت دايمًا بسمع أبويا يقول عنه:
«ده بيتي.»
لكن عمري ما سألت نفسي…
هو فعلًا بيته؟
ولا فيه حاجة أنا معرفهاش؟
نزلت تاني للصالة.
أبويا كان بيتكلم في الموبايل بعصبية.
أول ما شافني، سكت.
أمي بصت له.
وسارة كانت قاعدة على الكنبة بتقلب في موبايلها.
قلت:
«بابا.»
«نعم؟»
«مين الأستاذ فؤاد الشناوي؟»
إيده نزلت ببطء.
«مين؟»
«الأستاذ فؤاد الشناوي.»
أمي قامت من مكانها.
سارة رفعت عينيها.
أبويا قال:
«معرفوش.»
«غريبة.»
«ليه؟»
«عشان مكتبه كلمني بخصوص البيت.»
وش أبويا اتغير.
تغير بسيط.
لكن أنا شفته.
«مين كلمك؟»
«مستشار اسمه كريم عبدالسلام.»
«وقال إيه؟»
«قال إن فيه مستند قديم باسمك.»
سكت.
«ومتعلق بالعقار اللي إحنا عايشين فيه.»
أبويا بص لأمي.
نظرة سريعة جدًا.
لكنها كانت كفاية.
سألته:
«إنت تعرف حاجة؟»
«لأ.»
«متأكد؟»
«أكيد.»
سارة تدخلت:
«ممكن يكون نصب.»
بصيت لها.
«ممكن.»
لكن صوتي كان هادي.
«وعشان كده هروح أقابله بكرة.»
أبويا وقف.
«لأ.»
«ليه؟»
«عشان أنا قلت لأ.»
«وده سبب كافي؟»
«أيوه.»
«بالنسبة لي لأ.»
وشه احمر.
«مايا، أنا أبوكي.»
«وأنا بنتك.»
«يبقى تسمعي كلامي.»
«كنت بسمع.»
سكت لحظة.
«لفترة طويلة.»
أمي قربت مني.
«مايا، بلاش تدخلي نفسك في حاجات إحنا مش فاهمينها.»
بصيت لها.
«أنا مش اللي دخلت نفسي.»
«إنتِ اللي بتدوري ورا الموضوع.»
«لأ. الموضوع هو اللي جه لحد عندي.»
سارة قالت:
«إنتِ مكبرة الموضوع.»
بصيت لها.
«يمكن.»
وبعدين طلعت أوضتي.
نمت ساعتين بس.
الساعة 9 الصبح كنت واقفة قدام مكتب المحامي.
المكتب كان في مبنى قديم في وسط القاهرة.
دخلت.
السكرتيرة سألتني:
«الآنسة مايا حسن؟»
«أيوه.»
«الأستاذ كريم مستنيكي.»
دخلت المكتب.
كان فيه راجل في الأربعينات، لابس بدلة بسيطة، وقدامه ملف بني كبير.
وقف وسلم عليّ.
«أهلًا يا آنسة مايا.»
«أهلًا.»
قعدت.
هو قعد قدامي.
لكن ما فتحش الملف فورًا.
قال:
«قبل ما أبدأ، لازم تعرفي إن اللي هقوله لك مبني على مستندات رسمية.»
«تمام.»
فتح الملف.
طلع صورة لعقد قديم.
وحطه قدامي.
بصيت للاسم.
محمود حسن.
اسم أبويا.
قلت:
«ده عقد ملكية؟»
«أيوه.»
قلب الصفحة.
«لكن العقد مش باسم والدك وحده.»
قلبي دق.
«باسم مين؟»
حط إصبعه على السطر.
«والدك… ووالدتك.»
«يعني البيت ملكهم هما الاتنين؟»
هز راسه.
«في الأصل، كان فيه طرف ثالث.»
«مين؟»
قلب صفحة تانية.
الاسم كان:
أحمد عبدالسلام.
ما فهمتش.
«مين ده؟»
المستشار كريم قال:
«جدك من ناحية والدتك.»
رفعت عيني له.
«جدي؟»
«أيوه.»
سكت.
«جدك كان مالك العقار قبل والدك.»
بصيت للعقد.
«طيب إزاي بقى باسم أبويا؟»
«هنا المشكلة.»
طلع ورقة تانية.
«التحويل حصل من حوالي 18 سنة.»
«وبعدين؟»
«جدك توفى بعد التحويل بسنتين.»
«يعني البيت اتنقل لأبويا وهو كان عايش؟»
«صحيح.»
«يبقى فين المشكلة؟»
بصلي مباشرة.
«المشكلة إن التحويل كان مشروطًا.»
«بإيه؟»
فتح ورقة ثالثة.
«إن العقار يفضل ملكًا للعائلة، ويتم تسجيل حصة محددة لأحفاد الجد بعد بلوغهم سن الرشد.»
سكت.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
«أحفاد؟»
«أيوه.»
«يعني… أنا؟»
«إنتِ واحدة منهم.»
«وسارة؟»
«هي كمان.»
سكتنا.
قلت:
«طب ليه أنا أول مرة أسمع الكلام ده؟»
المستشار كريم ما جاوبش فورًا.
بدل ما يرد، سألني:
«والدك قال لك قبل كده إن البيت ملكه بالكامل؟»
ضحكت بمرارة.
«طول عمري.»
«هل شوفتي عقد الملكية قبل كده؟»
«لأ.»
«هل تعرفي إن والدك حاول يبيع البيت من حوالي ست شهور؟»
رفعت رأسي بسرعة.
«إيه؟»
«حاول.»
«وباعه؟»
«لأ.»
«ليه؟»
حط الورقة قدامي.
«لأن توقيعك كان مطلوبًا.»
فضلت باصة للورقة.
«توقيعي؟»
«أيوه.»
«بس أنا ما مضيتش على أي حاجة.»
«بالضبط.»
حسيت بقشعريرة.
«طب ليه محتاجين توقيعي؟»
قال:
«لأن لك حصة قانونية في العقار.»
سكت.
ثم سألته:
«وقد إيه الحصة؟»
قال رقمًا.
تجمدت.
لأن الرقم كان أكبر بكتير مما كنت أتخيل.
«دي قيمة حصتي؟»
«تقريبًا، حسب التقييم الحالي.»
بصيت للملف.
ثم رفعت عيني له.
«بس ليه بتقول لي الكلام ده دلوقتي؟»
المستشار كريم أخذ نفسًا طويلًا.
«لأننا تلقينا طلبًا جديدًا الأسبوع الماضي.»
«من مين؟»
«والدك.»
«عايز يبيع البيت؟»
«مش بالضبط.»
«أمال؟»
حط قدامي ورقة جديدة.
«عايز ينقل ملكيته لشخص آخر.»
«مين؟»
وققبل ما يقول الاسم، موبايلي رن.
أبويا.
بصيت للشاشة.
ما رديتش.
المستشار كريم قال:
«أنصحك تردي.»
«ليه؟»
«لأن غالبًا هو عرف إنك جيتي هنا.»
رديت.
«ألو.»
صوت أبويا كان هادي بشكل مخيف.
«إنتِ فين؟»
«في الشغل.»
«لأ.»
سكت.
«إنتِ عند الأستاذ فؤاد.»
قلبي وقع.
«مين قالك؟»
«أنا أبوكي. بعرف.»
«وإيه المشكلة؟»
«المشكلة إنك بتلعبي في حاجات أكبر منك.»
«زي إيه؟»
سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
«إنتِ عايزة تعرفي الحقيقة؟»
«أيوه.»
«تعالي البيت.»
«ليه؟»
«عشان أوريكي الورقة الأصلية.»
بصيت للمستشار كريم.
هو فهم من نظراتي.
أبويا كمل:
«ولو فضلتي مصرة تكملي في الطريق ده… هتندمي.»
قفلت المكالمة.
المستشار كريم سألني:
«هترجعي البيت؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى