روايات وقصص

ابويا بقلم محمد عبده

قلت:
«أيوه.»
«لو سمحتي، ما تروحيش لوحدك.»
«ليه؟»
قال:
«لأن والدك عارف إنك عرفتي.»
رجعت البيت قبل العصر.
أول ما دخلت، لقيت أمي قاعدة في الصالة.
وسارة كانت واقفة جنب الشباك.
وأبويا ماسك ظرف بني قديم.
قال:
«اقعدي.»
قعدت.
حط الظرف قدامي.
«إنتِ عايزة الحقيقة؟»
«أيوه.»
فتح الظرف.
طلع ورقة قديمة جدًا.
مدها لي.
بدأت أقرأ.
وفي أول سطر…
شفت اسم جدي.
وفي آخر الصفحة…
شفت توقيعًا جعل الدم ينسحب من وشي.
لأن التوقيع لم يكن توقيع أبي.
ولا توقيع أمي.
كان توقيع شخص…
أنا كنت متأكدة إنه مات من أكتر من عشرين سنة.
رفعت عيني ببطء.
«مين اللي مضى هنا؟»
أبويا ما ردش.
أمي بدأت تبكي.
وسارة لأول مرة فقدت ابتسامتها.
قلت:
«مين؟»
أبويا قفل الظرف.
وقال جملة قلبت كل حاجة:
«الشخص ده ما ماتش بالطريقة اللي إنتِ فاكرة.»
سكت البيت كله.
وأنا حسيت إن سر عيلتي الحقيقي…
لسه ما بدأش يظهر.
نكمّل قبل الأخير، ونكشف الجزء الأكبر من السر مع ترك المواجهة الأخيرة للنهاية.
فضلت باصة لأبويا وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
«يعني إيه ما ماتش بالطريقة اللي أنا فاكرة؟»
أبويا فضل ساكت.
أمي كانت بتمسح دموعها.
أما سارة، فكانت واقفة مكانها ووشها شاحب.
قلت بصوت أعلى:
«أنا بسألك يا بابا… مين الشخص اللي مضى على الورقة؟»
أبويا حط إيده على الظرف.
«عمك فريد.»
اتجمدت.
«عمي فريد؟»
هز راسه.
«أيوه.»
«بس عمي فريد مات من 20 سنة.»
«إحنا كنا فاكرين كده.»
ضحكت من شدة الصدمة.
«إحنا؟»
بصيت لأمي.
«إنتِ كنتِ عارفة؟»
أمي غطت وشها بإيديها.
«مايا… الموضوع معقد.»
«لأ. الموضوع بسيط جدًا.»
وقفت.
«يا إما عمي فريد مات… يا إما لأ.»
أبويا قال:
«هو اختفى.»
«اختفى؟»
«بعد وفاة جدك بشهور.»
«وليه؟»
سكت.
قلت:
«عشان البيت؟»
أبويا ما ردش.
عرفت الإجابة.
رجعت قعدت.
«قول لي كل حاجة.»
أبويا فتح الظرف.
«جدك كان عنده عقارات وأراضي كتير.»
«عارفة.»
«وقبل وفاته، كتب وصية.»
«والوصية قالت إيه؟»
«إن البيت الرئيسي ما يتباعش.»
قاطعته:
«ده أنا عرفت.»
«بس كان فيه شرط تاني.»
«إيه؟»
«إن الملكية تتوزع على أحفاده.»
«أنا وسارة.»
«أيوه.»
«وعمي فريد؟»
«هو كان الابن الوحيد اللي اعترض.»
سألته:
«ليه؟»
أبويا بص للأرض.
«لأنه كان شايف إن أبويا ظلمُه.»
«وبعدين؟»
«حصلت مشكلة كبيرة بينهما.»
«وإيه علاقة ده بالورقة؟»
أبويا أخذ نفسًا.
«بعد اختفاء فريد، والدتك وأبوكِ…»
وتوقف.
«أنا وأمك استخدمنا توكيل قديم كان مع فريد.»
رفعت عيني.
«استخدمتوه إزاي؟»
«لإتمام نقل جزء من الملكية.»
«من غيره؟»
«كان التوكيل بيسمح.»
ضحكت بمرارة.
«يعني أنتم نقلتوا ملكية البيت من وراه؟»
أبويا قال:
«كنا بنحاول نحافظ على البيت.»
«تحافظوا عليه لمين؟»
ما ردش.
«لنفسكم؟»
أمي بدأت تبكي.
«إحنا كنا خايفين.»
بصيت لها.
«خايفين من إيه؟»
«من فريد.»
«هو كان عايز إيه؟»
«كان عايز يبيع كل حاجة.»
سكت.
أبويا قال:
«لو كان باع، ما كانش هيبقى بيت أصلًا.»
«فزورتوا التوقيع؟»
أبويا انتفض.
«إحنا ما زورناش حاجة.»
طلعت الورقة من الظرف.
«ده توقيعه؟»
«أيوه.»
«وهو كان موجود وقتها؟»
الصمت كان هو الإجابة.
وقفت.
«يعني التوقيع اتعمل من غيره.»
أبويا قال:
«مايا، إنتِ مش فاهمة كل التفاصيل.»
«فاهمة كفاية.»
اتجهت ناحية الباب.
أبويا ناداني:
«استني.»
وقفت.
«إنتِ مش عارفة أخطر حاجة.»
لفيت له.
«إيه؟»
قال:
«فريد مش بس اختفى.»
«أمال؟»
«ساب طفل.»
سكت.
«طفل؟»
«أيوه.»
«ابنه؟»
هز راسه.
«اسمه يوسف.»
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
«فينه؟»
أبويا ما ردش.
«فين ابن عمي؟»
أمي قالت:
«مش عارفين.»
«من 20 سنة؟»
«أيوه.»
«طب إزاي متأكدين إنه عايش؟»
أبويا قال:
«لأننا وصلتنا رسالة منه من سنتين.»
اتسعت عيناي.
«إيه؟»
«رسالة قصيرة.»
«بتقول إيه؟»
أبويا سكت.
قلت:
«هاتها.»
«مش معايا.»
«فينها؟»
«عند أمك.»
بصيت لأمي.
أمي قامت ببطء، ودخلت أوضتها.
رجعت بعد دقائق وهي ماسكة علبة صغيرة.
فتحتها.
طلعت ورقة مطوية.
ناولتها لي.
فتحت الورقة.
كان فيها سطر واحد:
«أنا عارف مين خد حقي… وابني هيعرف كل حاجة لما ييجي الوقت.»
وتحت الجملة…
اسم:
يوسف فريد.
إيدي بدأت ترتعش.
«إنتوا خبيتوا الرسالة عني ليه؟»
أبويا قال:
«لأننا كنا بنحاول نحميك.»
صرخت:
«تحموني من إيه؟!»
«من الحقيقة.»
«الحقيقة إنكم خدعتوني سنين!»
سارة دخلت في الكلام لأول مرة.
«إنتِ مالك بكل ده أصلًا؟»
لفيت لها.
«عشان أنا واحدة من أصحاب الحق في البيت.»
قالت:
«وأنا كمان.»
«بالضبط.»
سكتت.
بصيت لأبويا.
«المستشار قال لي إنك قدمت طلب جديد لنقل الملكية.»
وشه اتغير.
«كذب.»
«عندي نسخة من الطلب.»
«مين اداكي؟»
«المحامي.»
أمي قالت بسرعة:
«محمود، خلاص.»
بصيت لها.
«خلاص إيه؟»
ما ردش.
أبويا قرب مني.
«اسمعيني كويس.»
«أنا سامعاك.»
«إنتِ لو فتحتي الموضوع رسميًا، البيت ممكن يدخل في قضية سنين.»
«وأنا مالي؟»
«إنتِ هتخسري.»
«أنا أصلًا معنديش حاجة أخسرها.»
أبويا ضحك.
«إنتِ فاكرة إنك قوية؟»
بصيت له.
«لأ.»
«أمال؟»
«أنا بس بقيت عارفة الحقيقة.»
خرجت من البيت.
المرة دي ما طلعتش أوضتي.
روحت مباشرة لمكتب المستشار كريم.
حكيت له كل حاجة.
حطيت الرسالة قدامه.
وقلت:
«عايزة أعرف مين يوسف فريد.»
قرأ الرسالة.
وبعدين بصلي.
«إنتِ متأكدة إن والدك قال لك إن يوسف اختفى؟»
«أيوه.»
«غريب.»
«ليه؟»
فتح اللابتوب.
كتب اسم يوسف.
وبعد ثواني، ظهرت نتيجة.
بص للشاشة.
ثم رفع عينيه لي.
«واضح إن ابن عمك ما اختفاش.»
قلبي دق بسرعة.
«فينه؟»
لف اللابتوب ناحيتي.
كان فيه اسم.
وصورة.
وعنوان شركة.
وتحت الاسم مباشرة…
يوسف فريد عبدالسلام — محامٍ.
فضلت باصة للشاشة.
«هو محامي؟»
«أيوه.»
«يعني عارف القانون.»
«وأكتر من كده.»
فتح ملفًا آخر.
«اشتغل على قضايا ملكية وعقارات لسنين.»
قلت:
«هل هو اللي بعت الرسالة؟»
المستشار كريم هز راسه.
«غالبًا.»
«إزاي نتواصل معاه؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«مش محتاجين.»
«ليه؟»
قبل ما يرد…
رن موبايلي.
رقم غريب.
رديت.
«ألو؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى