روايات وقصص

ابويا بقلم محمد عبده

صوت رجل هادي قال:
«مايا؟»
«أيوه.»
«أنا يوسف.»
سكت.
«يوسف فريد؟»
«أيوه.»
نظرت للمستشار كريم.
يوسف قال:
«أنا عارف إنك اكتشفتي كل حاجة.»
«إنت كنت عايش فين كل السنين دي؟»
«بعيد.»
«وليه رجعت دلوقتي؟»
سكت لحظة.
وبعدين قال:
«لأن أبوكي ارتكب غلطة كبيرة.»
«إيه هي؟»
قال:
«حاول يبيع البيت للمرة الأخيرة.»
«وإيه اللي حصل؟»
«المشتري عمل بحث قانوني.»
«وبعدين؟»
«اكتشف إن فيه ورقة تمنع البيع.»
«إيه الورقة؟»
يوسف ضحك ضحكة قصيرة.
«وصية جدنا الأصلية.»
«فينها؟»
قال:
«معايا.»
حسيت إن الدنيا وقفت.
«يعني إنت كنت محتفظ بيها كل السنين دي؟»
«أيوه.»
«وليه ما ظهرتش؟»
صوته اتغير.
«لأني كنت مستني اليوم اللي أبوكي يحاول فيه ياخد حقك.»
سكت.
«ولما حصل ده… قررت أرجع.»
قلت:
«إنت عايز إيه؟»
رد بهدوء:
«مش عايز فلوس.»
«أمال؟»
«عايز الحقيقة تتقال قدام كل الناس اللي أبوكي خدعهم.»
وقفل المكالمة.
بصيت للمستشار كريم.
هو قال:
«بكرة هتكون المواجهة.»
لكن قبل ما أتكلم، وصلتني رسالة من رقم يوسف.
فتحتها.
كان فيها صورة لوثيقة قديمة.
وفي أسفلها…
توقيع جدي.
وتحته مباشرة جملة واحدة:
«في حالة محاولة أي وريث بيع العقار دون موافقة جميع الأحفاد، تنتقل الملكية بالكامل إلى الوريث الذي رفض البيع.»
قرأت الجملة مرتين.
ثم فهمت.
أبويا لم يكن يحاول بيع البيت فقط.
كان يحاول إبعادي عن الملكية كلها.
لكن الغلطة الوحيدة اللي عملها…
إنه اختار اليوم الخطأ ليهين الشخص الوحيد اللي كان ماسك كل أسراره.
نكمّل الجزء الأخير ونقفل كل الخيوط بالمواجهة النهائية وكشف الحقيقة.
في اليوم التالي، رجعت للبيت قبل الظهر.
لكن المرة دي، ما كنتش راجعة كبنت خايفة من أبوها.
كنت راجعة وأنا عارفة إن معايا الحقيقة.
أول ما دخلت، لقيت أبويا وأمي وسارة قاعدين في الصالة.
وأبويا كان واقف جنب الشباك.
قال من غير ما يبصلي:
«إنتِ عملتي إيه؟»
قفلت الباب.
«أنا؟»
لف وبصلي.
«أيوه. المحامي اتصل بيا.»
«تمام.»
«إنتِ وصلتي لفريد؟»
«لأ.»
«ما تكدبيش عليا.»
بصيت له.
«أنا ما كذبتش.»
سارة قامت.
«ممكن نفهم إيه اللي بيحصل؟»
قبل ما أجاوب، جرس الباب رن.
أبويا اتجمد.
بص لأمي.
ثم مشى ناحية الباب.
فتحه.
كان فيه رجل واقف في الأربعينات، ماسك ملف أسود.
أول ما شافه أبويا، وشه اتغير.
الرجل قال:
«مساء الخير يا محمود.»
أبويا ما ردش.
الرجل دخل خطوة.
«واضح إنك كنت عارف إني جاي.»
أبويا قال بصوت منخفض:
«يوسف.»
أنا وقفت.
إذن ده هو.
يوسف فريد.
بصلي.
«إنتِ مايا؟»
هزيت راسي.
«أيوه.»
ابتسم ابتسامة هادئة.
«أبوكي كان بيحكي عنك زمان.»
بصيت لأبويا.
«كان بيحكي عني؟»
يوسف قال:
«قبل ما يقرر إنك ما تستحقيش تعرفي الحقيقة.»
أبويا انفجر:
«كفاية!»
يوسف ما اهتزش.
حط الملف على الترابيزة.
«أنا جاي أخلص الموضوع.»
أبويا قال:
«الموضوع انتهى من سنين.»
«لأ.»
فتح الملف.
«الموضوع بدأ من سنين… وينتهي النهارده.»
أمي بدأت تبكي.
«يوسف، إحنا كنا خايفين.»
بصلها.
«عارف.»
«إحنا ما كناش عايزين نضيع حق حد.»
«لكنكم ضيعتوا حقي.»
سارة قالت:
«وإحنا ذنبنا إيه؟»
يوسف بصلها.
«إنتِ مالكيش ذنب.»
ثم أشار لي.
«ولا مايا.»
«الذنب عند الكبار اللي قرروا يخفوا الحقيقة.»
أبويا فتح الملف.
«الورقة دي ملهاش قيمة.»
يوسف ابتسم.
«عشان كده جبت أصلها.»
طلع مستند قديم.
كان عليه ختم رسمي.
وحطه قدام أبي.
أبويا أخده.
قرأه.
إيده بدأت ترتعش.
«إنت جبت ده منين؟»
«من المكان اللي جدنا حطه فيه.»
«كان عندك؟»
«أيوه.»
«ليه؟»
يوسف قال:
«لأن أبويا سلّمهولي قبل ما يختفي.»
ساد الصمت.
أنا بصيت له.
«أبوك كان عايش لما سلّمهالك؟»
يوسف هز رأسه.
«أيوه.»
«إنت كنت عارف إنه عايش؟»
«لفترة.»
«وبعدين؟»
«مات بعد سنوات.»
سألت:
«وإحنا ليه اتقال لنا إنه مات قبل كده؟»
يوسف بص لأبويا.
«اسأليه.»
كل العيون اتجهت ناحية أبي.
فضل ساكت.
ثم قعد.
ولأول مرة، شفت أبويا من غير صوته العالي.
من غير الأوامر.
من غير التهديد.
مجرد رجل عارف إن كل اللي خبّاه سنين انتهى.
قال:
«أبوك يا يوسف كان عايز يبيع نصيب العيلة.»
يوسف رد:
«لأ.»
«كان عايز يهرب.»
«لأنه اكتشف إنكم حاولتوا تنقلوا الملكية من غير موافقته.»
أبويا سكت.
يوسف كمل:
«هو ما كانش خاين للعيلة.»
«كان بيحقي يحمي حقه.»
ثم حط ورقة أخرى على الترابيزة.
«ودي الورقة اللي تثبت إن التوقيع اللي استخدمتوه ما كانش صادر عنه وقت نقل الملكية.»
أمي غطت وشها.
سارة كانت واقفة مذهولة.
أنا بصيت لأبويا.
«كل السنين دي… وإنت كنت بتقول إن البيت بتاعك.»
قال بصوت ضعيف:
«أنا كنت بحاول أحافظ عليه.»
«على البيت؟»
سكت.
«ولا على ملكيتك ليه؟»
ما جاوبش.
يوسف قال:
«دلوقتي عندك اختيار.»
أبويا رفع عينه.
«إيه؟»
«إما نحل الموضوع بالتراضي ونثبت حقوق كل واحد.»
«أو نروح المحكمة.»
أبويا قال:
«لو دخلنا المحكمة، العيلة هتتفضح.»
يوسف رد بهدوء:
«العيلة ما اتفضحتش النهارده.»
ثم نظر لي.
«الحقيقة هي اللي ظهرت.»
فضلت ساكتة.
كنت متوقعة إني أحس بالانتصار.
لكن اللي حسيت بيه كان مختلف.
كنت حزينة.
لأن البيت اللي كنت فاكرة إنه أمان…
طلع مليان أسرار.
أمي قربت مني.
«مايا.»
بصيت لها.
«إحنا غلطنا.»
«آه.»
«سامحينا.»
سكت.
«ممكن؟»
بصيت لها طويلًا.
«مش دلوقتي.»
دموعها نزلت.
«فاهمة.»
أما سارة، فكانت واقفة بعيد.
قالت:
«أنا آسفة.»
بصيت لها.
«على إيه؟»
«على يوم التخرج.»
سكتت.
«وعلى كلامي.»
قلت:
«القلم مش هو اللي وجعني.»
نظرت لي.
«إيه اللي وجعك؟»
«إنكوا كلتوا قلبي في اليوم اللي كنت محتاجة أحس فيه إنكم فخورين بيا.»
ما لقتش رد.
يوسف قفل الملف.
«في حاجة أخيرة.»
بصيت له.
طلع ظرف صغير.
«ده ليكي.»
فتحته.
كان فيه خطاب قديم بخط جدي.
قرأته.
كان بيقول إن نجاحي في دراستي وعلمي هو الشيء اللي كان يتمنى يشوفه في أحفاده.
وفي آخر الخطاب:
«لو جاء يوم وشعر أحد أحفادي أن العائلة لا تراه، فليتذكر أن قيمته لا تتحدد بالطريقة التي يعامله بها الآخرون.»
وقفت عند الجملة دي فترة طويلة.
وبعدين طويت الخطاب.
بعد أسابيع، تم الاتفاق رسميًا على تثبيت الملكية لكل أصحاب الحق.
أبويا اضطر يتحمل الفواتير اللي كان طول عمره بيرميها عليّ.
وأمي بدأت تعتمد على نفسها في أوراقها ومواعيدها.
أما سارة…
فدفعت بنفسها رسوم تجديد رخصتها.
وقالت لي بعدها:
«طلعت مش صعبة.»
ضحكت.
«كنتِ محتاجة بس تجربي.»
أنا نقلت شغلي لدوام كامل.
وبعد عدة شهور، بدأت أجهز شقة صغيرة باسمي.
مش كبيرة.
مش فخمة.
لكن كل حاجة فيها كانت بتاعتي.
وأول حاجة علقتها على الحيطة كانت شهادة تخرجي.
نفس الشهادة اللي أمي رمتها على الكنبة.
وفي يوم افتتاح شقتي، جالي ظرف.
من أبويا.
فتحته.
كان فيه صورة قديمة ليا وأنا طفلة.
وورقة صغيرة.
كتب فيها:
«أنا غلطت في حقك. ومش مستني منك تنسي. بس أتمنى في يوم تسمحيلي أكون أبوكي من غير ما أكون صاحب أوامر.»
قريت الرسالة.
وطويتها.
ما اتصلتش بيه في نفس اليوم.
لكن بعد أسبوع…
اتصلت.
مش عشان أرجع كل حاجة زي زمان.
لكن عشان أبدأ أحط حدود جديدة.
حدود فيها احترام.
وفيها مسؤولية.
وفيها حاجة أهم من كل ده…
إن محدش في حياتي تاني يخليني أعتقد إن قيمتي مرتبطة بمدى فائدتي له.
لأن يوم تخرجي، أهلي كانوا فاكرين إنهم ضربوني وقللوا مني وخرجوا من القاعة من غير ما يخسروا حاجة.
لكنهم كانوا غلطانين.
أنا ما خسرتش عيلتي في اليوم ده.
أنا خسرت الوهم اللي كنت عايشة فيه.
وهم إن لازم أكون مفيدة عشان أستحق الحب.
ومن يومها…
لما حد يقول لي:
«إنتِ مين من غير ما تعملي لنا حاجة؟»
ببتسم.
لأني عرفت الإجابة أخيرًا.
أنا مايا.
بنت تعبت.
ودرست.
ونجحت.
وقامت من مكانها.
ومش محتاجة تثبت قيمتها لأي حد.
خصوصًا للناس اللي ما عرفوش قيمتها إلا بعد ما بطلت تخدمهم.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى