روايات وقصص

القصة كاملة

بعد شوية، بابا طلب من المحامي يسيبنا نتكلم لوحدنا.

أستاذ شريف جمع أوراقه، وسلّم علينا، وأكد إن أي قرار يخص الشقة هيتاخد بشكل قانوني وواضح.

قبل ما يمشي، بابا قال لأحمد:
— يا ابني، إحنا فتحنا لك بيتنا علشان بنتنا كانت بتحبك، وكنا فاكرين إنك هتصونها وتراعيها. عمرنا ما حسسناك إن الشقة دي مش بتاعتك، ولا طلبنا منك مقابل على إقامتك فيها. لكن اللي حصل النهارده خلانا نراجع حساباتنا.

أحمد نزل عينيه للأرض.

بابا كمل:
— إحنا مش بنقيس الناس بفلوسها، ولا بلبسها، ولا بالأماكن اللي بتروحها. إحنا بنقيسهم بأفعالهم، وبالطريقة اللي بيعاملوا بيها الناس اللي مالهمش مصلحة عندهم.

وبعدين مسك إيد ماما، وقال:
— يلا يا فاطمة، إحنا هنمشي دلوقتي.

أنا اتخضيت.

— تمشوا فين يا بابا؟! أنا جاية معاكم.

أحمد رفع رأسه بسرعة.

— إنتِ رايحة فين يا سارة؟ ده بيتك!

بصيت له، وقلت:
— بيتي هو المكان اللي أحس فيه بالأمان والاحترام، مش المكان اللي أُجبر فيه أختار بين كرامتي وبين إرضاء الناس.

حاول يقرب مني، لكني طلبت منه يسيبني أفكر بعيد عن أي ضغط.

أخدت شنطة صغيرة، وحطيت فيها هدومي وأوراقي المهمة، وبعدها خرجت مع بابا وماما.

ماكانش قرار سهل.

ست سنين جواز مش حاجة بسيطة، وفيه ذكريات كتير، منها الحلو ومنها الوحش.

لكن أصعب حاجة كانت إني أعترف لنفسي إنني قضيت وقت طويل بحاول أرضي إنسان كل ما أتنازل له عن حاجة، يطلب مني أتنازل عن حاجة أكبر.

—

في الأيام اللي بعدها، أحمد حاول يتصل بيا عشرات المرات.

بعت رسائل طويلة، مرة يعتذر، ومرة يقول إن أمه ضغطت عليه، ومرة يتهمني إني كبرت الموضوع قدام أهله.

وفي كل مرة، كنت بفتكر منظر ماما وهي واقفة قدام باب العمارة، ماسكة الورد اللي جابتهولي، وبتحاول تخبي دموعها.

المشهد ده كان كفاية علشان يخليني أراجع كل حاجة.

بعد أسبوع، وافقت أقابله في مكان عام، بحضور شخص من العيلة، علشان نتكلم بهدوء عن مستقبل علاقتنا.

أحمد جه ومعاه باقة ورد وعلبة شوكولاتة.

قعد قدامي، وقال بصوت مكسور:
— أنا غلطت يا سارة، وعارف إني جرحتك. بس صدقيني، ماكنتش متخيل إن الموضوع هيوصل لكده.

بصيت له وسألته:
— إنت ندمان علشان أهنت أبويا وأمي، ولا علشان عيلتك عرفت إن الشقة مش ملكك، وإن الفلوس اللي صرفتها ماكانتش هديتك ليا؟

سكت شوية، وبعدها قال:
— الاتنين.

هزيت رأسي وقلت:
— المشكلة يا أحمد إنك لحد دلوقتي مش فاهم أصل الغلط. إنت مش خسرتني بسبب 18 ألف جنيه، ولا بسبب سلسلة دهب. إنت خسرت ثقتي لما كذبت عليّ، ولما اعتبرت أهلي أقل منك، ولما استخدمت كرمهم كأنه حق مكتسب ليك.

حاول يمسك إيدي، لكني سحبتها بهدوء.

— أنا محتاجة وقت، ومش هقدر أرجع لحياتي القديمة لمجرد إنك اعتذرت.

قال بسرعة:
— وأنا مستعد أعمل أي حاجة علشان أصلح اللي حصل.

رديت:
— الإصلاح مش كلام. الإصلاح إنك تعترف بغلطك من غير ما تلوم أمك أو تلوم الظروف، وإنك تفهم إن الاحترام مش بيتجزأ. واللي حصل لازم تكون له عواقب واضحة.

اتفقنا إننا هنفصل فترة، وإن أي قرار نهائي بشأن الجواز هيتاخد بعد ما أكون فكرت بهدوء، ومن غير تدخل أو ضغط من أي حد.

أما موضوع الشقة، فبابا وماما قرروا إنهاء السماح لنا بالإقامة فيها، وبدأوا الإجراءات اللازمة لاستردادها وفقًا للقانون.

أحمد اضطر يدور على مكان تاني يقيم فيه، بعيدًا عن فكرة إنه يقدر يتصرف في ملك غيره كأنه صاحبه.

أما السلسلة الذهبية، فطلبت منه يرجّع قيمتها، أو يتفق معايا على تسوية واضحة للمبلغ اللي أخده من حسابي، بعيدًا عن أي وعود جديدة.

ولأول مرة، فهم إن فلوسي مش وسيلة يفرض بيها قراراته عليّ.

—

بعد مرور شهر، قررت أعمل احتفال بسيط بعيد ميلادي، حتى لو متأخر.

ماكانش فيه أكل مستورد، ولا ديكورات غالية، ولا ناس بتحاول تثبت إنها أحسن من غيرها.

كان فيه بابا وماما، وأختي الصغيرة، واثنين من أقرب صحابي.

ماما عملت الأكل اللي بحبه، وبابا جاب نفس نوع التورتة اللي كان شايلها يوم ما أحمد طرده من على الباب.

ولما حط التورتة قدامي، ابتسم وقال:
— المرة دي، محدش هيقدر يمنعنا نفرح بيكي.

حضنته، ودموعي نزلت، لكن المرة دي كانت دموع فرح.

بصيت حواليّ على الناس اللي بتحبني بجد، وفهمت إن الهدية الحقيقية ماكانتش سلسلة دهب، ولا حفلة تكلف آلاف الجنيهات.

الهدية الحقيقية كانت إني اكتشفت مين اللي بيحبني من غير شروط، ومين اللي كان بيحب وجودي علشان يستفيد منه.

أما أحمد، فبعد شهور، بدأ يبعث رسائل اعتذار أكثر هدوءًا، واعترف في واحدة منها إنه كان غلطان لما سمح لنفسه ولأمه يقللوا من قيمة أهلي.

قرأت الرسالة، لكني ما استعجلتش الرد.

لأن الاعتذار ممكن يكون بداية التغيير، لكنه مش ضمان إن الثقة هترجع زي الأول.

وبعد تفكير طويل، قررت إنني مش هرجع للعلاقة إلا لو شفت تغييرًا حقيقيًا ومستمرًا، مش مجرد وعود وقت الخوف من الخسارة.

وفي النهاية، سواء انتهى جوازنا بالانفصال أو بدأنا صفحة جديدة بشروط مختلفة، كان فيه شيء واحد اتغير للأبد:

أنا ما بقيتش البنت اللي بتتنازل عن كرامتها علشان تحافظ على شكل البيت من بره.

بقيت إنسانة عارفة إن البيت مش حيطان، وإن الجواز مش مجرد سنين بنقضيها مع بعض، وإن الحب من غير احترام ممكن يتحول إلى عبء بدل ما يكون أمانًا.

وفي عيد ميلادي اللي بعده، بابا وماما كانوا أول ناس حضروا، وأول ناس احتفلوا بيا.

ولما طفيت الشمع، تمنيت أمنية واحدة:

إن كل إنسان يعرف قيمة الناس اللي بتحبه قبل ما يخسرهم، وإن محدش يفتكر إن طيبة الآخرين ضعف، أو إن كرمهم معناه إن كرامتهم مباحة.

لأن بعض المفاجآت بتكشف لنا حقيقة الناس، وبعض الخسارات بتكون بداية حياة أفضل.

تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى