منوعات

يادكتوره الحقي زوجي

الجزء الثاني

وقفت أمام والدة محمود وأنا أحاول أن أسيطر على ارتجاف يدي.

— تشرحي لي إيه يا طنط نوال؟

تنهدت، ثم قالت بصوت منخفض:

— الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

ابتسمت بسخرية.

— طيب فهميني… لأن اللي شفته بعيني صعب جدًا يتفهم بطريقة تانية.

نظرت حولها، وكأنها تخشى أن يسمعنا أحد.

— محمود كان ناوي يقولك كل حاجة.

— إمتى؟ بعد ما الطفل يتولد؟ ولا بعد ما الست دي تبقى عايشة معاه رسمي؟

خفضت رأسها.

— هو ما كانش عايز يخسرك.

ضحكت بمرارة.

— هو بالفعل خسرني. هو بس لسه ما يعرفش.

سكتت للحظات، ثم قالت:

— سارة مش مجرد واحدة قابلها محمود من فترة.

توقفت أنفاسي.

— يعني إيه؟

رفعت عينيها نحوي.

— ابعدي عن محمود يا مريم.

حدقت فيها غير مصدقة.

— إنتِ بتطلبي مني أسيب جوزي بعد حادث وهو بين الحياة والموت؟

— أنا بطلب منك تحمي نفسك.

وقبل أن أتمكن من الرد، خرجت ممرضة من غرفة العناية المركزة.

— دكتورة مريم، حالته مستقرة حاليًا، لكن محتاج مراقبة دقيقة.

أومأت برأسي، ثم عدت بنظري إلى نوال.

— أنا هعرف الحقيقة كلها، سواء قلتِها لي أو لأ.

استدارت وغادرت دون كلمة.

في صباح اليوم التالي، جلست وحدي في غرفة الأطباء.

فتحت هاتفي وبدأت أراجع كل شيء.

رسائل محمود.

مواعيد خروجه.

المكالمات.

الإيصالات.

كنت أبحث عن أي تناقض.

وفجأة لاحظت شيئًا غريبًا.

خلال الأشهر الستة الماضية، كان محمود يخبرني أنه يعمل ساعات إضافية في شركة مقاولات في القاهرة.

لكن بعض الإيصالات الموجودة في هاتفه كانت من أماكن بعيدة تمامًا عن مقر عمله.

ثم وجدت صورة لم يرها من قبل.

كانت لسارة.

لكن المفاجأة لم تكن وجود صورتها.

المفاجأة كانت التاريخ.

الصورة التُقطت قبل أكثر من عام.

أي قبل أن يخبرني محمود أصلًا بأنه يعرفها.

شعرت بأن معدتي انقبضت.

بدأت أفتش أكثر.

وبين الملفات القديمة، وجدت نسخة من عقد إيجار لشقة باسم محمود.

العنوان كان في المنصورة.

والتاريخ يعود إلى عام كامل.

أنا لم أكن أعرف أن زوجي يمتلك شقة هناك.

اتصلت بصديقتي المقربة، داليا، وطلبت منها أن تتحقق لي من العنوان.

بعد ساعات اتصلت بي.

— مريم، إنتِ متأكدة إنك عايزة تعرفي؟

— أيوه.

سكتت قليلًا.

— الشقة موجودة فعلًا. والأغرب إن الجيران قالوا إن محمود كان بييجي هناك باستمرار.

أغمضت عيني.

— وسارة؟

— آه… كانوا شايفينها معاه.

وضعت الهاتف على الطاولة.

كل شيء أصبح واضحًا.

لكن شيئًا واحدًا لم أفهمه.

إذا كان محمود يعيش حياة أخرى منذ أكثر من عام…

فلماذا استمر في العودة إلى بيتي كل ليلة؟

ولماذا كان يرسل لي رسائل الحب؟

ولماذا كانت والدته تعرف؟

قررت أن أواجهها مرة أخرى.

ذهبت إلى منزلها مساءً.

فتحت لي الباب، وما إن رأت وجهي حتى أدركت أنني عرفت شيئًا.

قلت لها:

— أنا عرفت موضوع الشقة.

تغير وجهها.

— مريم…

— وعرفت إن سارة كانت موجودة في حياة محمود من قبل ما أعرفها أنا بكتير.

جلست على أقرب كرسي.

وبدأت تبكي.

— أنا كنت خايفة عليكِ.

— الخوف عليّ كان يخليكي تقولي الحقيقة، مش تخبيها.

رفعت رأسها وقالت:

— في حاجة أهم من سارة والحمل.

تجمدت مكاني.

— إيه؟

اقتربت مني وهمست:

— محمود لم يكن هو صاحب فكرة إنك ما تعرفيش.

— يعني مين؟

نظرت إلى باب الغرفة.

ثم قالت جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي:

— أبوكِ كان يعرف كل حاجة.

رفعت رأسي بسرعة.

— أبويا؟!

أومأت.

— وكان هو اللي طلب من محمود يخبي الحقيقة عنك.

شعرت أن الأرض تهتز من تحتي.

أبي كان متوفيًا منذ ثلاث سنوات.

فكيف يمكن أن يكون قد طلب من محمود إخفاء شيء حدث بعد وفاته؟

نظرت إلى نوال بذهول.

— إنتِ بتقولي إيه؟

فتحت درجًا قديمًا، وأخرجت ظرفًا بنيًا سميكًا.

ثم وضعته أمامي.

— أبوكِ ترك الظرف ده عندي قبل وفاته… وقال لي ما أفتحهش إلا لما يحصل شيء معين.

— وإيه هو؟

نظرت إلى عيني مباشرة.

— قال لي: “لو محمود دخل المستشفى يومًا بسبب حادث، سلّمي الظرف لمريم… لأنها وقتها هتكون مستعدة تعرف الحقيقة.”

مددت يدي نحو الظرف.

لكن قبل أن أفتحه، رن هاتفي.

كانت مكالمة من المستشفى.

محمود استعاد وعيه.

ولأول مرة منذ بداية هذه الكارثة، لم أشعر بالخوف عليه.

كنت خائفة فقط من الشيء الموجود داخل ذلك الظرف.

لأنني بدأت أشك أن قصة سارة والحمل لم تكن سوى جزء صغير جدًا من سر أكبر بكثير.
الجزء الثالث

عدت إلى المستشفى وأنا أحمل الظرف في حقيبتي.

طوال الطريق، لم أستطع إخراج كلمات حماتي من رأسي:

“أبوكِ كان يعرف كل حاجة.”

كيف يمكن لأبي أن يعرف شيئًا عن امرأة حامل من زوجي، بينما كان قد توفي قبل ثلاث سنوات؟

دخلت إلى المستشفى، وقبل أن أتوجه إلى غرفة محمود، أوقفني رئيس القسم.

— مريم، محمود طلب يشوفك.

ترددت للحظة.

— هو واعي؟

— أيوه، لكن حالته لسه ضعيفة.

دخلت الغرفة.

كان محمود مستلقيًا على السرير، وجهه شاحب، وذراعه مثبتة، وأجهزة المراقبة تحيط به.

بمجرد أن رآني، حاول أن يرفع رأسه.

— مريم…

لم أقترب.

وقفت عند الباب.

نظر إلى يدي.

لاحظ أن خاتم الزواج اختفى.

تغير وجهه.

— إنتِ شلتي الخاتم؟

قلت بهدوء:

— أيوه.

أغمض عينيه.

— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

— إنت كنت عارف؟

لم يجب.

اقتربت خطوة واحدة.

— مين سارة؟

صمت.

— والطفل اللي في بطنها ابنك؟

بدأت دموعه تنزل.

— أيوه.

كانت تلك الكلمة كافية.

لكنني لم أصرخ.

لم أضربه.

فقط قلت:

— من إمتى؟

— من حوالي سنة.

ضحكت بمرارة.

— سنة كاملة؟ وإنت عايش معايا كأن مفيش حاجة حصلت؟

— أنا غلطت.

— الغلط إنك تنسى مناسبة. إنك تخون ثقتي سنة كاملة ده قرار.

خفض عينيه.

ثم قال:

— أنا ما كنتش ناوي أتجوزها.

— وأنا المفروض أفرح بالكلام ده؟

— مريم، اسمعيني للآخر.

— اتفضل.

تنفس بصعوبة.

— سارة كانت مرتبطة بيا قبل ما أتجوزك.

توقفت.

— قبل ما تتجوزني؟

— أيوه.

— يبقى ليه فضلت معاها؟

لم يجب.

اقتربت منه.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى