
— إيه ده؟
قلت:
— إقرار تنازل عن حقوق في العقار، وعليه توقيع باسمي. وأنا ما مضيتش عليه.
سعاد حاولت تضحك وقالت:
— أكيد إنتِ نسيتي يا منى، يمكن كنتِ مضياه من زمان.
بصيت لها وقلت:
— غريبة! أنا فاكرة كل حاجة في حياتي، وعمري ما وقعت على الورقة دي.
رنا بدأت تتوتر، وبصت لأمها.
أمي قالت بسرعة:
— إحنا عيلة واحدة، ومش محتاجين ندخل محامين في كل حاجة.
رديت عليها:
— اللي بيحصل ده مش موضوع عائلي. ده مستند عليه توقيع مش توقيعي.
سعاد قامت من مكانها وقالت بعصبية:
— إنتِ جاية تتهمينا بالتزوير؟
قلت:
— أنا جاية أسأل سؤال، واللي معندوش حاجة يخاف منها مش هيزعله السؤال.
فجأة رنا قالت:
— ماما، إنتِ قولتي لي إن طنط منى عارفة كل حاجة!
ساد الصمت.
بصيت لرنا وسألتها:
— عارفة إيه يا رنا؟
اتلخبطت، وسعاد قاطعتها بسرعة:
— اسكتي، إنتِ مالكيش دعوة!
لكن رنا كانت بدأت تتكلم.
— إنتِ قولتي لي إن جدتي معاها ورق من زمان، وإن البيت ده كان المفروض يبقى بتاعي من بعد وفاة خالي أحمد.
بصيت لأمي.
كانت ملامحها اتغيرت تمامًا.
قلت لها:
— إيه علاقة أحمد بالبيت اللي أنا اشتريته بعد وفاته؟
أمي سكتت.
وسعاد بدأت تجمع حاجتها من على الترابيزة.
لكن قبل ما تمشي، قلت لها:
— استني، لسه ما خلصناش.
طلعت صورة التحويل البنكي وحطيتها قدامهم.
— طيب، ممكن حد يشرح لي إزاي مبلغ من تأمين أحمد اتحول لحساب باسم رنا؟
رنا شهقت، وأمي حطت إيدها على صدرها.
أما سعاد، فوشها اتغير بشكل واضح.
قالت بصوت مرتعش:
— إنتِ جبتي الورقة دي منين؟
بصيت لها وقلت:
— السؤال مش أنا جبتها منين. السؤال الحقيقي هو: الفلوس دي راحت فين؟
أمي بدأت تعيط وقالت:
— يا منى، إنتِ مش فاهمة اللي حصل.
رديت:
— يبقى فهميني.
سكتت للحظات، وبعدها قالت جملة خلتني أحس إن فيه سر أكبر بكتير من اللي اكتشفته.
— أبوكي كان عليه ديون، وأحمد وافق يساعدنا قبل ما يموت.
بصيت لها باستغراب.
— أبويا؟ ديون إيه؟ وأحمد وافق يساعدكم إزاي من غير ما يقولي؟
أمي بدأت تتجنب عيني.
لكن سعاد فجأة انفجرت في الكلام:
— كفاية بقى يا ماما! إحنا مش هنفضل نخبي عنها للأبد!
وبصت لي مباشرة وقالت:
— أحمد ماكانش بس بيساعدنا يا منى… أحمد كان عارف إن فيه فلوس اختفت من حساب والدك قبل وفاته، وكان بيحاول يعرف مين أخدها.
اتجمدت مكاني.
لأن والدي كان متوفي من سنين طويلة، وقبل وفاة أحمد بوقت كبير.
سألتها بصوت منخفض:
— مين اللي أخد الفلوس؟
سعاد فتحت بقها علشان ترد، لكن أمي قامت بسرعة وصرخت:
— محدش يجيب سيرة الموضوع ده تاني!
وفي اللحظة دي، فهمت إن أمي مش بس عارفة الحقيقة…
دي كانت بتحاول تدفنها من سنين.
يتبع…
فضلت باصة لأمي وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
فلوس والدي اختفت قبل وفاته، وأحمد كان بيحاول يعرف مين المسؤول عنها، وبعد وفاته ظهرت تحويلات من حسابه وحساب التأمين بتاعي لحساب باسم رنا!
كل قطعة في اللغز بدأت تقرب من التانية.
قلت لأمي بهدوء:
— أنا مش همشي من هنا غير لما أعرف الحقيقة كلها.
أمي قعدت على الكنبة وبدأت تمسح دموعها، أما سعاد فكانت واقفة وبتبص في الأرض.
رنا كانت أول واحدة تتكلم.
— أنا ماليش دعوة بكل ده يا طنط منى. أنا كنت فاكرة إن الفلوس دي من حقنا، وإن ماما وجدتي بيتصرفوا فيها بموافقتك.
بصيت لها وسألتها:
— طيب، إنتِ تعرفي إن فيه حساب بنكي باسمك؟
هزت رأسها وقالت:
— أيوه، بس من وأنا صغيرة ماما كانت بتقول لي إن جدتي فاتحة لي حساب علشان مستقبلي.
سألتها:
— عمرك سحبتي منه فلوس؟
قالت:
— لا، أنا ماكنتش أعرف حتى إن فيه مبلغ كبير فيه.
سعاد اتدخلت بسرعة:
— خلاص يا رنا، مش لازم تدخلي في الكلام ده.
لكن رنا لأول مرة ما سمعتش كلام أمها.
قالت وهي بتعيط:
— لا يا ماما، أنا عايزة أعرف. إنتِ طول عمرك بتقولي لي إن طنط منى مش بتحب تساعدنا، وإنها بتخبي عننا فلوس جوزها.
الكلام وجعني، لكني فضلت ساكتة.
أمي أخيرًا بدأت تتكلم.
قالت إن والدي، قبل وفاته بسنوات، كان عنده محل تجاري وقطعة أرض صغيرة، وكان بيحتفظ بجزء كبير من مدخراته في حساب بنكي.
وبعد وفاته، اكتشفت العيلة إن فيه مبالغ كبيرة خرجت من الحساب قبل الوفاة بفترة قصيرة.
سعاد وقتها كانت بتساعد أمي في بعض الأمور المالية، وكانت معاها أوراق وتوكيلات قديمة.
سألت أمي:
— يعني سعاد كانت بتتصرف في فلوس بابا؟
أمي ردت بسرعة:
— مش بالضبط. هي كانت بتساعدني، وأنا كنت محتاجة الفلوس.
قلت لها:
— محتاجة الفلوس في إيه؟
ما ردتش.
ساعتها سعاد قالت بعصبية:
— خلاص يا منى، كلنا غلطنا. بس إنتِ كمان مش ملاك. إنتِ طول عمرك عندك فلوس وشغل وبيت، وإحنا كنا محتاجين نعيش.
بصيت لها بصدمة.
— يعني علشان أنا اشتغلت وتعبت، يبقى من حقكم تاخدوا فلوسي؟
ردت:
— إحنا ماكناش بنسرقك، إحنا كنا بنستلف.
قلت لها:
— الاستلاف بيكون بعلمي وموافقتي، مش بتزوير توقيعي وفتح حسابات من ورايا.
أمي بدأت تعيط بصوت أعلى.
— يا بنتي، إحنا خفنا نقولك. أحمد كان ناوي يفتح الموضوع، وإحنا كنا خايفين من المشاكل.
سألتها:
— وإيه اللي حصل بعد وفاته؟
سعاد اتوترت، وبعد لحظة قالت:
— بعد وفاة أحمد، كان فيه مبلغ تأمين نازل ليكي، وإحنا كنا شايفين إن ليلى لسه صغيرة، وإن الفلوس ممكن تتصرف في حاجات مش ضرورية.
ضحكت من شدة الصدمة.
— يعني قررتوا تتصرفوا في فلوسي بدل مني علشان شايفين نفسكم أحق بإدارتها؟
ما ردتش.
قلت لها:
— والحساب اللي باسم رنا؟
قالت:
— أنا اللي فتحته بمساعدة ماما، وكان الهدف إننا نحوش لها فلوس لمستقبلها.
سألتها:
— طيب ليه الفلوس جاية من حساب أحمد ومن مبلغ التأمين بتاعي؟
سعاد نزلت عينيها.
— لأننا كنا محتاجين نغطي مصاريف كتير، وبعدها كنا هنرجع كل حاجة.
في اللحظة دي، فهمت إنهم مش بس استغلوا حزني بعد وفاة أحمد، لكن كمان استغلوا انشغالي بتربية ليلى علشان يتحكموا في فلوسي.
قمت من مكاني وقلت:
— الكلام ده انتهى. من النهارده مفيش أي حد هيتصرف في فلوسي أو ممتلكاتي من غير موافقتي.
أمي مسكت إيدي وقالت:
— أرجوكي يا منى، إحنا في الآخر أمك وأختك.
سحبت إيدي بهدوء.
— وأنا بنتك وأختك، مش ماكينة فلوس.
خرجت من البيت، واتصلت بالمحامي وحكيت له كل اللي حصل.
طلب مني ما أواجهش حد تاني، وبدأنا إجراءات مراجعة المستندات والحسابات بشكل رسمي.
وفي الأيام التالية، اتضح إن الموضوع أكبر مما كنت أتخيل.
المستند اللي عليه توقيعي ماكانش مجرد ورقة عادية، لكنه كان جزءًا من محاولة لإثبات إن سعاد عندها حق في التصرف في البيت.
أما الحساب البنكي باسم رنا، فكان فيه تحويلات مالية على مدار سنوات، وبعضها تم بعد وفاة أحمد بفترة قصيرة.
والأهم إن البنك أكد وجود مستندات محتاجة مراجعة قانونية لمعرفة مين اللي قدمها ومين صاحب التعليمات الخاصة بالتصرف في الأموال.
بعد أسبوع، المحامي اتصل بيا وقال:
— منى، فيه مستند جديد وصل لنا من جهة رسمية، ولازم تشوفيه بنفسك.
رحت مكتبه في نفس اليوم.
طلع ملف قدامي وقال:
— ده خطاب بخط زوجك أحمد، كان محفوظ ضمن مستندات المحاسب عادل.
فتحت الخطاب وبدأت أقرأ.
«لو الخطاب ده وصل لمراتي منى، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أكمل اللي كنت ناوي أعمله.
أنا اكتشفت إن فيه تحويلات مالية اتعملت من غير علمي، وإن فيه حد بيستخدم ثقة منى وأهلها علشان يستولي على حقوق مش من حقه.
حاولت أواجه الموضوع بهدوء، لكن كل مرة كنت بلاقي معلومات جديدة.
أنا مش عايز منى تدخل في مشاكل مع أهلها، لكن لازم تعرف الحقيقة لو الموضوع استمر بعد وفاتي.
أهم حاجة عندي إن ليلى ماتتحرمش من حقها، وإن منى ما تسمحش لأي حد يستغل طيبتها».
فضلت أقرأ الخطاب أكتر من مرة.
أحمد كان شايل الهم ده لوحده، وكان عايز يحميني من المشاكل.
لكن للأسف، بعد وفاته، المشاكل كبرت بدل ما تنتهي.
المحامي قاطع تفكيري وقال:
— فيه جزء تاني في الملف، وده تحديدًا اللي ممكن يغير كل حاجة.
فتح صفحة تانية ووراني صورة عقد قديم.
كان عقد بيع قطعة الأرض اللي والدي كان يمتلكها.
لكن المفاجأة إن اسم المشتري كان اسم أمي!
وتحت العقد كان فيه توقيع منسوب لوالدي بتاريخ قريب من وفاته.
سألت المحامي:
— يعني أمي اشترت الأرض من أبويا؟
قال:
— ده اللي ظاهر في العقد، لكن فيه مشكلة كبيرة. تاريخ التوقيع مش متوافق مع بعض المستندات الطبية اللي عندنا، ولازم نتحقق من صحة التوقيع وتاريخ تحرير العقد.
حسيت إن قلبي بيتقطع.
يعني ممكن يكون فيه حد استغل مرض والدي علشان ينقل ملكية الأرض؟
المحامي كمل:
— أحمد كان بدأ يجمع الأدلة قبل وفاته، لكن ماقدرش يكمل. وإحنا دلوقتي هنراجع كل حاجة عن طريق الجهات المختصة.




