عام

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

رجعت البيت، ولقيت ليلى مستنياني.

أول ما شافت وشي، سألتني:

— ماما، إنتِ كويسة؟

قعدت جنبها وقلت:

— عايزة أسألك سؤال يا حبيبتي. لو اكتشفتي إن ناس قريبة منك كذبت عليكي سنين، هتعملي إيه؟

فكرت شوية وقالت:

— هزعل طبعًا، بس مش هسمح لهم يكملوا كذبهم. القرب مش معناه إننا نقبل الأذى.

ابتسمت رغم دموعي.

كانت بتتكلم بنفس الطريقة اللي كان أبوها بيتكلم بيها.

وبعدها قالت:

— ماما، أنا عايزة أقولك حاجة.

بصيت لها.

قالت:

— رنا بعتت لي رسالة النهارده، وطلبت تقابلني لوحدنا.

سألتها:

— قالت لك عايزة إيه؟

طلعت موبايلها وورّتني الرسالة.

كانت رنا كاتبة:

«ليلى، أنا عارفة إنك زعلانة مني بسبب موضوع العربية، بس فيه حاجة لازم تعرفيها. ماما قالت لي إن فيه ورق قديم يخص أبوكي، وإنها مخبياه عن طنط منى من سنين. وأنا لقيت صورة منه في درج مكتبها».

حسيت إن فيه سر جديد على وشك الظهور.

سألت ليلى:

— وإنتِ رديتي عليها بإيه؟

قالت:

— قولتلها إني مش هقابلها لوحدي، وإنها لو عندها حاجة تخص بابا لازم تقولها قدامك.

وبعد أقل من ساعة، وصلتنا رسالة تانية من رنا.

كانت مرفقة بصورة لمستند قديم.

كبرت الصورة وبدأت أقرأ البيانات.

كان المستند عبارة عن إقرار مكتوب بخط اليد، وممضي باسم والدي قبل وفاته بفترة قصيرة.

لكن السطر الأخير كان هو اللي خلاني أحس إن كل اللي عرفته لحد اللحظة دي مجرد بداية.

كان مكتوب فيه:

«المبلغ المتبقي من بيع الأرض أمانة عند أمينة عبد الرحمن، ولا يجوز التصرف فيه إلا بعد تسليمه لابنتي منى وابنتها ليلى».

بصيت لليلى، وبعدها رجعت بصيت للمستند.

لأن معنى الكلام ده إن أمي كانت محتفظة بمبلغ مالي مخصص ليا ولبنتي من سنين طويلة.

والأخطر إن المبلغ ده ممكن يكون أكبر بكتير من كل الفلوس اللي اختفت من حساب أحمد.

لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان واحد:

إيه اللي حصل للمبلغ ده؟ وليه أمي فضلت مخبياه عني كل السنين دي؟

وفي اللحظة نفسها، رن تليفوني.

كان المحامي.

قال بصوت جاد:

— منى، لازم تيجي المكتب بكرة الصبح. إحنا وصلنا لمعلومة عن الشخص اللي استلم فلوس بيع الأرض، والاسم اللي ظهر في المستندات مش اسم والدتك ولا أختك.

سألته بقلق:

— مين الاسم؟

سكت ثواني، وبعدها قال:

— الاسم هو اسم شخص من عيلة أحمد… شخص إنتِ كنتِ فاكرة إنه مات من سنين!

يتبع…
في صباح اليوم التالي، صحيت بدري ولبست بسرعة، وخدت المستندات اللي بعتها لي رنا، وتوجهت لمكتب المحامي.

من أول ما دخلت، لاحظت إن ملامحه مختلفة.

كان قدامه ملف كبير، وأول ما شافني قال:

— منى، الحقيقة اللي هتعرفيها النهارده هتفسر حاجات كتير حصلت في حياتك، لكن لازم تكوني مستعدة.

قعدت قدامه وقلت:

— أنا تعبت من الأسرار. قول لي كل حاجة.

فتح الملف وطلع صورة مستند قديم.

كان اسم الشخص اللي استلم مبلغ بيع أرض والدي هو محمود عبد الرحمن، شقيق والدي الأصغر، وعمي اللي كنت فاكرة إنه توفى من أكتر من عشر سنين!

صرخت من الصدمة:

— عمي محمود؟ ده مات من زمان!

المحامي رد بهدوء:

— ده اللي العيلة كانت بتقوله، لكن الحقيقة إنه سافر خارج مصر من سنين، ولسه على قيد الحياة.

حسيت إن رأسي بيلف.

سألته:

— يعني أمي كانت عارفة إنه عايش؟

قال:

— فيه مستندات بتشير إنها كانت على تواصل معاه، وإنه استلم جزءًا من المبلغ الناتج عن بيع الأرض.

سألته:

— وليه يعملوا كده؟ وإيه علاقة أحمد بالموضوع؟

المحامي طلع خطاب تاني وقال:

— جوزك اكتشف إن فيه مبلغ من حقك ومن حق ليلى، وإن بعض أفراد العيلة تصرفوا فيه من غير موافقتك. وكان بيحاول يوصل للحقيقة قبل وفاته.

مسكت الخطاب وبدأت أقرأ.

كان مكتوب فيه:

«يا منى، لو وصل لك الكلام ده، أتمنى تكوني عرفتي إن فيه حق قديم ليكي عند العيلة.

أبوكي كان عايز يضمن مستقبلك ومستقبل ليلى، وطلب من أمك تحتفظ بالمبلغ لحد ما تحتاجوه.

أنا اكتشفت إن فيه تصرفات مالية مش واضحة، وحاولت أصلح الموضوع من غير ما أسبب مشاكل.

سامحيني لو ماقدرتش أحميكم من كل حاجة.

أحمد».

دموعي نزلت وأنا بقرأ آخر سطر.

أحمد حتى بعد وفاته كان بيحاول يحميني.

لكن المحامي قاطع تفكيري وقال:

— فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. رنا اتصلت بينا، وطلبت تقابلنا علشان تسلم مستندات إضافية.

بعد ساعة، وصلت رنا.

كانت مختلفة تمامًا عن البنت اللي خطفت مفاتيح العربية يوم التخرج.

وشها كان شاحب وعينيها مليانة دموع.

قعدت قدامي وقالت:

— أنا آسفة يا طنط منى.

ما رديتش.

كملت كلامها:

— أنا عارفة إني غلطت في حق ليلى، وإن تصرفي يوم التخرج كان أناني جدًا. بس أنا طول عمري كنت بسمع من ماما وجدتي إن كل حاجة بتملكيها المفروض تكون لينا، وإن ليلى محظوظة لأنها عندها أم بتصرف عليها.

سألتها:

— وإنتِ صدقتي الكلام ده؟

هزت رأسها وقالت:

— أيوه. لكن لما عرفت إن فيه حساب باسمي، وإن الفلوس اللي فيه مش بتاعتي، بدأت أشك في كل حاجة.

طلعت من شنطتها فلاشة صغيرة وملف ورقي.

قالت:

— دي صور مستندات لقيتها في مكتب ماما. وفيه تسجيلات صوتية لمكالمات كانت بتتكلم فيها مع جدتي عن البيت والفلوس.

المحامي طلب منها تسلم كل حاجة بشكل رسمي، وبدأنا نراجع المستندات.

وبعد أيام من الفحص، ظهرت الحقيقة كاملة.

أمي كانت احتفظت بجزء من مبلغ بيع أرض والدي، لكنها سمحت لعمي محمود بالتصرف في جزء آخر.

وسعاد كانت عارفة بموضوع الفلوس، وبدأت تستفيد من تحويلات مالية تمت من حساب أحمد بعد وفاته، مستغلة وجود مستندات قديمة كانت معاها.

أما حساب رنا، فكانوا بيستخدموه لاستقبال وتحويل بعض المبالغ، من غير ما تكون رنا عارفة مصدرها الحقيقي.

والأخطر إنهم حاولوا استخدام مستند غير صحيح لإثبات حق لسعاد في البيت اللي اشتريته باسمي.

لكنهم ماكانوش متوقعين إن أحمد احتفظ بنسخ من التحويلات والمراسلات، وإن المحاسب عادل كان محتفظًا بجزء كبير من الأدلة.

بدأ المحامي الإجراءات القانونية، وتم فحص التوقيعات والمستندات، وطلبنا مراجعة كل التحويلات البنكية.

وبعد فترة، صدر تقرير فني أكد إن التوقيع الموجود على مستند التنازل مش توقيعي.

أما بالنسبة للبيت، فالسجلات الرسمية أكدت إن الملكية باسمي، وإن مفيش أي تنازل صحيح صادر مني.

وقتها طلبت من سعاد تسليم البيت وفق الإجراءات القانونية، خصوصًا إنها كانت رافضة تعترف بملكيتي وبتحاول تتصرف فيه كأنه ملكها.

ولأول مرة في حياتي، ما تراجعتش قدام دموعها ولا كلام أمي.

أما رنا، فبدأت تتعاون في توضيح مصدر الأموال، وأكدت إنها مستعدة تتحمل مسؤولية تصرفاتها وتصلح اللي تقدر عليه.

بعد مرور عدة شهور، اتوصلنا لتسوية قانونية أعادت جزءًا من الأموال المستحقة ليا، واستمرت الإجراءات المتعلقة بباقي المبالغ والأطراف المسؤولة.

ورجعت أرتب حياتي من جديد.

لكن أصعب مواجهة كانت لسه مستنياني.

كانت مع أمي.

في يوم، اتصلت بيا وطلبت تشوفني.

قابلتها في البيت.

دخلت وهي باين عليها التعب، وقعدت قدامي وقالت:

— سامحيني يا منى.

فضلت ساكتة.

كملت:

— أنا عارفة إني ظلمتك، وإنك كنتِ بتساعدينا طول السنين دي، لكن إحنا اتعودنا إنك دايمًا بتسامحي، وافتكرنا إنك مش هتقدري تقفي في وشنا مهما عملنا.

سألتها بهدوء:

— يعني كنتِ عارفة إنك بتوجعيني، ومع ذلك كملتي؟

بدأت تعيط وقالت:

— كنت خايفة أخسر سعاد، وخايفة من الفضيحة، وكل مرة كنت بقول لنفسي إننا هنرجع الفلوس بعدين.

قلت لها:

— وإنتِ فكرتي مرة في ليلى؟ فكرتي إن الفلوس دي كانت أمانها بعد ما أبوها مات؟

نزلت عينيها وماقدرتش ترد.

قلت لها:

— أنا مش همنعك تكوني أمي، لكن مش هقدر أرجع أثق فيكي زي زمان. الثقة مش كلمة بنقولها لما نندم، الثقة بتتبني من جديد بالأفعال.

خرجت أمي من البيت وهي بتعيط.

أما سعاد، ففضلت فترة طويلة تبعت لي رسائل تطلب مني أتنازل عن حقي.

لكن المرة دي ما استجبتش للضغط.

كنت أخيرًا فاهمة إن التسامح مش معناه إنك تسمح للناس تكرر نفس الأذى.

بعد حوالي ست شهور، كان يوم عيد ميلاد ليلى.

عملت لها حفلة صغيرة في البيت، ودعيت أصحابها ونهى وبعض الناس اللي وقفوا جنبنا في أصعب أيامنا.

كانت ليلى واقفة في الجراج قدام عربيتها الفضية، وبتلمعها بنفسها.

قربت منها وقلت:

— لسه بتحبي العربية؟

ضحكت وقالت:

— دي مش مجرد عربية يا ماما. دي أول حاجة حسيت إنها بتاعتي فعلًا، وإن فيه حد تعب علشاني من غير ما يستنى مني مقابل.

حضنتها وقلت:

— أبوكي كان هيبقى فخور بيكي جدًا.

ابتسمت وقالت:

— عارفة يا ماما. وأنا كمان فخورة بيكي.

وبعدها فتحت شنطتها وطلعت صورة قديمة لأبوها.

كانت صورة ليه وهو قاعد معاها على ترابيزة المطبخ، وبيساعدها تعمل مجسم القلب البشري.

قالت:

— فاكرة اليوم ده؟

قلت وأنا ببتسم وسط دموعي:

— عمري ما هنساه.

قالت:

— أنا فاكرة إنه كان دايمًا يقول لي إن الإنسان لازم يحافظ على كرامته، حتى لو اللي قدامه أقرب الناس ليه.

بصيت لها وقلت:

— وده أهم درس اتعلمناه.

في نفس الليلة، قعدت لوحدي في الجراج، وبصيت للعربية اللي كانت سبب بداية كل الحكاية.

افتكرت اللحظة اللي رنا خطفت فيها المفاتيح وصرخت إنها بقت بتاعتها.

وقتها كنت فاكرة إن المشكلة في عربية.

لكن الحقيقة إن المشكلة كانت في سنين طويلة من السكوت، والتنازلات، والخوف من زعل الناس.

كنت بشتري رضا أهلي على حساب راحتي، وبسمح لهم يتجاوزوا حدودهم علشان ما أخسرهمش.

لكن في النهاية، اكتشفت إن اللي بيحبك بجد مش هيطلب منك تتنازل عن حقك علشان يرضى عنك.

وإن العيلة مش مجرد أسماء بتجمعنا، ولا صلة دم بتدينا الحق نأذي بعض.

العيلة الحقيقية هي اللي تحترم تعبك، وتحافظ على أمانتك، وتفرح بنجاح أولادك بدل ما تحاول تاخد منهم فرحتهم.

أما رنا، فبعد فترة اعتذرت لليلى بنفسها، واعترفت إن تصرفها يوم التخرج كان غلط، وإنها ماكانش من حقها تمد إيدها على حاجة مش ملكها.

ليلى قبلت اعتذارها، لكنها ما رجعتش العلاقة زي الأول.

وقالت لها:

— أنا مش بكرهك، لكن الثقة محتاجة وقت، ومش كل حاجة بترجع زي ما كانت.

وأنا كمان اتعلمت الدرس ده.

ومن يومها، بقيت مؤمنة إن أخطر سرقة مش سرقة الفلوس أو الممتلكات… أخطر سرقة هي لما حد يسرق منك إحساسك بالأمان، ويخليك تشك في نفسك علشان يفضل هو مستفيد من سكوتك.

النهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى