منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

«آخر مرة كلمته فيها، قلت له إني مش عايز أشوفه تاني. ومن يومها ما حاولتش أتصل بيه».

مسكت إيده وقلت:

«يبقى لازم نكلمه. مش عشان العلاج بس، لكن عشان ما تفضلش عايش بالندم».

محمود تدخل وقال:

«أنا عندي رقم يوسف، وكنت محتفظ بيه من سنين. حاولت أتواصل معاه قبل كده، لكنه ماكانش بيرد».

طلبت منه الرقم، واتصلت بنفسي.

رن التليفون مرتين، وبعدها رد صوت راجل هادي:

«ألو؟»

قلت بتردد:

«السلام عليكم… حضرتك يوسف المنشاوي؟»

رد:

«أيوه، مين معايا؟»

«أنا نورا، مرات آدم».

ساد صمت طويل.

وبعدها قال بصوت اتغير فجأة:

«آدم كويس؟»

السؤال ده لوحده خلاني أعرف إن أخوه، رغم كل السنين، لسه بيحبه.

قلت له:

«آدم في المستشفى، وحالته محتاجة متابعة وعلاج مهم. أنا مش هطلب منك أي حاجة غير إنك تيجي تشوفه لو تقدر».

ما سألنيش عن تفاصيل كتير.

قال بس:

«ابعتيلي عنوان المستشفى، أنا جاي».

بعد حوالي ساعتين، كنت واقفة في ممر المستشفى، وشفت راجل داخل من الباب الرئيسي، ملامحه شبه آدم بشكل واضح.

كان يوسف.

وقف قدامي وسألني:

«هو فين؟»

أشرت له ناحية غرفة الاستشارات.

دخل، وأول ما شاف آدم، الاتنين فضلوا باصين لبعض من غير كلام.

آدم قام من مكانه بصعوبة وقال:

«يوسف…»

لكن يوسف رفع إيده وقال:

«استنى. أنا مش عارف أقولك إيه».

آدم نزل عينيه.

«أنا عارف إني غلطت في حقك، وعارف إنك مش مضطر تيجي. بس أنا حبيت أشوفك قبل ما…»

يوسف قاطعه:

«قبل ما إيه؟ قبل ما تفتكر إنك ممكن تخسر أخوك؟»

وبعدها قرب منه واحتضنه.

الاتنين عيطوا زي أطفال، وأنا وقفت بعيد ودموعي بتنزل.

يوسف قال له:

«أنا زعلان منك، ومش ناسي اللي حصل، لكن ده ما يغيرش إنك أخويا. كان نفسي تيجي تصالحني من زمان، بدل ما نستنى لحد ما نوصل للحظة دي».

آدم رد:

«سامحني يا يوسف».

قال يوسف:

«ربنا يسامحنا إحنا الاتنين».

في الأيام اللي بعدها، بدأ يوسف يعمل الفحوصات المطلوبة.

كنا مستنيين النتيجة بقلق شديد، لكن الدكتور شريف وضح لنا إن التوافق مش مضمون، وإن فيه اختيارات علاجية تانية ممكن تتناقش حسب حالة آدم.

وبعد فترة، ظهرت النتائج.

يوسف ماكانش مناسب للتبرع في الإجراء المطلوب.

لكن المفاجأة إن الأطباء وجدوا خطة علاجية مناسبة لآدم، وبدأوا يجهزوه ليها تحت إشراف فريق متخصص.

كانت فترة صعبة جدًا.

فيه أيام كان آدم فيها متفائل، وأيام تانية كان الخوف بيغلب عليه.

لكن المرة دي ماكانش لوحده.

كنت جنبه، ويوسف بقى يزوره كل يوم تقريبًا، وليلى كانت بتبعت له رسومات صغيرة تفرحه.

وفي يوم دخول آدم للإجراء العلاجي، وقفت قدام باب الغرفة وأنا ماسكة صورة ليلى.

قبل ما يدخل، بص لي وقال:

«فاكرة الغدا اللي جبتيهولي أول يوم؟»

ابتسمت وسط دموعي:

«أيوه، اللي ما لحقتش تاكله».

ضحك وقال:

«أنا كنت نفسي أرجع البيت وآكله معاكي».

مسكت إيده وقلت:

«هترجع، وهتاكله، وهتسمع بنتك وهي بتحكيلك كل حاجة حصلت في المدرسة».

دخل آدم، وفضلنا مستنيين.

مرت الساعات ببطء شديد.

كل شوية كنت أبص للساعة، وأدعي ربنا من قلبي.

وأخيرًا، خرج الدكتور شريف.

ابتسم وقال:

«الإجراء عدى بشكل مطمئن، والحالة مستقرة، لكن لسه محتاجين نتابعه خلال الفترة الجاية».

حسيت إن رجلي مش شايلاني من الفرحة.

يوسف حضني وقال:

«الحمد لله يا نورا».

وبعد أسابيع من المتابعة والعلاج، بدأ آدم يستعيد قوته تدريجيًا، ورجع البيت.

أول يوم دخل فيه، كانت ليلى مستنياه برسمة كبيرة رسمت فيها نفسها وماما وبابا، وكلنا ماسكين إيد بعض.

جريت عليه وحضنته وقالت:

«بابا، إنت مش هتتأخر تاني؟»

آدم نزل لمستواها وحضنها وقال:

«هحاول ما أبعدش عنكوا تاني يا حبيبتي».

وفي المساء، قعدنا كلنا على السفرة.

أنا جهزت له نفس وجبة الغدا اللي كنت جايباها المستشفى يومها.

ساندوتشات الروست بيف، والشيبسي، وقطعة فطيرة الخوخ.

طلع الورقة القديمة من جيبه، وكان محتفظ بيها طول الفترة دي.

قرأها بصوت واطي:

«مش لازم تشيل هم الدنيا كلها لوحدك. خليني أنا كمان آخد دوري وأهتم بيك شوية».

بص لي وقال:

«أنا فهمت متأخر إنك مش محتاجة مني أكون بطل طول الوقت. إنتِ كنتِ محتاجة زوج يشاركك خوفه وتعبه، مش مجرد راجل بيرجع البيت لما يخلص شغله».

قلت له:

«وأنا كمان فهمت إن الحب مش إننا نستحمل في صمت. الحب إننا نتكلم ونطلب المساعدة ونسمح للي بنحبهم يقفوا جنبنا».

يوسف كان قاعد معانا، ولأول مرة من سنين، العيلة رجعت تتجمع على سفرة واحدة.

بعدها بفترة، آدم بدأ يقلل ساعات شغله، والتزم بتعليمات الأطباء، وبقى يخصص وقت ثابت لليلى ولبيتنا.

أما يوسف، فرجع جزء أساسي من حياتنا.

وفي النهاية، عرفت إن أخطر حاجة ممكن تحصل بين اتنين بيحبوا بعض مش إن واحد منهم يتعب أو يضعف، لكن إن الخوف يخليه يخبي الحقيقة عن الشخص اللي المفروض يكون أقرب إنسان ليه.

لأننا مش مطالبين نكون أقوياء طول الوقت، ومش عيب نحتاج حد يسندنا.

أحيانًا، كلمة صريحة في وقتها ممكن تنقذ علاقة كاملة، وتفتح باب اتقفل بقاله سنين.

النهاية ❤️

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى