قصص وروايات

الجزء الاول

المكتب ما كانش فخم بشكل مبالغ فيه، لكنه كان مليان صور قديمة لمشروعات العيلة، وشهادات تقدير، وصورة لجدها الراحل وهو واقف قدام أول فندق أسسه قبل أكتر من أربعين سنة.

مريم كانت بتحب الصورة دي تحديدًا.

جدها كان دايمًا يقول لها:

«الفلوس ممكن تفتح أبواب كتير يا مريم، لكن اللي يحافظ على مكانك هو ضميرك».

فضلت فاكرة الجملة دي طول عمرها، وعلشان كده ما كانتش بتستخدم سلطتها علشان تنتقم من حد.

حتى كريم، رغم كل اللي عمله، ما كانتش عايزة تدمّر حياته لمجرد إنه جرحها.

كانت عايزة الحقيقة تظهر، وكل شخص يتحمل نتيجة قراراته.

دخلت نهى المكتب، ومعاها ملف جديد.

— مريم، وصلنا تقرير أولي عن الصفقة.

مريم رفعت عينيها.

— قولِي.

نهى قعدت قدامها وفتحت الملف.

— فيه عقد تمويل بين شركة كريم وجهة استثمارية خاصة. التمويل اتوافق عليه بناءً على مجموعة مستندات تخص حقوق استخدام عقارات معينة. لحد دلوقتي، مفيش حكم أو قرار نهائي بوجود مخالفة، لكن فيه تناقضات لازم تتراجع.

مريم سألت بقلق:

— التناقضات دي ممكن تكون بسبب خطأ إداري؟

— ممكن. وممكن تكون بسبب إن حد قدّم معلومات ناقصة أو غير دقيقة. علشان كده طلبنا مراجعة مستقلة، بعيدًا عن أي خلاف شخصي.

مريم فضلت ساكتة للحظات.

وبعدين سألت:

— هل فيه أي مستند يحمل توقيعي؟

نهى قلبت الصفحات.

— فيه خطابات صادرة من شركات تابعة للمجموعة، لكن لحد دلوقتي ما لقيناش ما يثبت إنك وقّعتي على ضمان مباشر للتمويل.

مريم ارتاحت شوية.

— كويس. يبقى نركز على الحقيقة، مش على الافتراضات.

نهى كانت هتقفل الملف، لكنها توقفت عند ورقة في آخره.

— فيه حاجة تانية.

— إيه؟

— الشركة اللي منحت التمويل طلبت نسخة من محضر اجتماع قديم، اتعقد قبل ستة شهور. الاجتماع ده كان بخصوص مشروع تطوير عقاري، وكان فيه بند متعلق ببيع حصة استثمارية من شركة تابعة لمجموعة الشافعي.

مريم اعتدلت في جلستها.

— بيع حصة؟ أنا ما وافقتش على بيع أي حصة في الفترة دي.

نهى بصت لها بتركيز.

— وده بالضبط سبب إننا محتاجين نراجع المحضر.

مريم مدت إيدها للورقة.

كان مكتوب فيها إن الاجتماع ناقش عرضًا للاستحواذ على حصة أقلية في إحدى الشركات التابعة للمجموعة، وإن العرض اتأجل لحين الحصول على موافقات إضافية.

لكن فيه توقيع في آخر الصفحة.

توقيع منسوب إلى مريم.

فضلت تبص له عدة ثوانٍ.

وبعدين قالت:

— ده مش توقيعي.

نهى قربت الورقة منها.

— متأكدة؟

مريم رفعت عينيها.

— أنا ما حضرتش الاجتماع ده أصلًا. كنت وقتها مع ليلى في المستشفى، وكل الأوراق اللي تخص المجموعة كانت بتتراجع عن طريقي أو عن طريق مجلس الأمناء.

نهى قفلت الملف ببطء.

— يبقى لازم نعرف مين أعدّ المحضر، ومين اعتمده، وإزاي وصل للجهة اللي موّلت شركة كريم.

مريم حسّت ببرودة في أطراف إيديها.

لو المستند مجرد خطأ، فالموضوع ممكن يتصلح.

لكن لو حد استخدم اسمها أو توقيعًا منسوبًا لها علشان يسهّل صفقة مالية، فالمسألة بقت أخطر بكتير.

سألت نهى:

— مين كان عنده صلاحية الوصول للأوراق وقتها؟

نهى ردت:

— عدد محدود من المسؤولين، بالإضافة إلى المستشارين القانونيين اللي كانوا بيتابعوا المشروع.

مريم رجعت بظهرها للكرسي.

للحظة، فكرت في كريم.

هل كان يعرف حاجة عن الورقة دي؟

هل كان عارف إن فيه مستندًا منسوبًا إليها؟

ولا هو نفسه كان ضحية لمعلومات قدمها له شخص تاني؟

ما كانتش عايزة تحكم قبل ما تعرف الحقيقة.

قالت بحزم:

— عايزة نسخة كاملة من الملف، وأسماء كل اللي تعاملوا مع المستند. ومحدش يتواصل مع كريم باتهام قبل ما المراجعة تخلص.

نهى أومأت.

— حاضر.

لكن قبل ما تخرج، رن تليفون المكتب.

كانت المكالمة من مسؤول الأمن الإداري.

قال بصوت متردد:

— أستاذة مريم، فيه شخص موجود في الاستقبال، وبيقول إنه لازم يقابلك شخصيًا بخصوص مستندات تخص الأستاذ كريم المنشاوي.

مريم سألت:

— اسمه إيه؟

— حسام الديب، المستشار القانوني السابق لشركة كريم.

مريم بصت لنهى.

حسام الديب؟

نفس الشخص اللي اسمه موجود في أوراق الصفقة.

قالت:

— خليه يدخل.

—

بعد دقائق، دخل حسام الديب المكتب، وهو شايل حقيبة جلدية صغيرة.

كان في أواخر الأربعينيات، وملامحه بتوحي إنه ما نامش كويس من كذا ليلة.

سلّم على مريم، وبعدها قعد من غير ما يستنى منها أسئلة كتير.

قال مباشرة:

— أنا جاي علشان أوضح حاجة قبل ما الأمور تتعقد أكتر.

مريم بصت له بهدوء.

— اتفضل.

حسام فتح حقيبته، وطلع منها ملفًا ورقيًا قديمًا.

— من ستة شهور، شركة كريم كانت بتحاول تحصل على تمويل لمشروع عقاري. وقتها، اتطلب مني أراجع مستندات الضمانات اللي قدمتها الشركة.

مريم سألته:

— وإيه اللي اكتشفته؟

حسام اتردد للحظة.

— اكتشفت إن بعض المستندات بتوصف حقوق استخدام عقارات على إنها ضمانات قابلة للتقديم، لكن صياغتها كانت محتاجة موافقات إضافية. اعترضت، وقلت إننا لازم نحصل على موافقة صريحة من أصحاب الحقوق قبل تقديمها بالشكل ده.

مريم فضلت ساكتة.

حسام كمل:

— بعدها بأيام، وصلتني نسخة من محضر اجتماع منسوب لمجلس أمناء مجموعة الشافعي. المحضر كان بيقول إن فيه موافقة مبدئية على استخدام بعض الأصول ضمن ترتيبات التمويل.

مريم رفعت الورقة اللي كانت قدامها.

— المحضر ده؟

حسام بص له، ووشه اتغير.

— أيوه. ده هو.

— التوقيع اللي عليه مش توقيعي، وأنا ما حضرتش الاجتماع.

حسام حط إيده على جبهته.

— أنا اكتشفت بعد كده إن فيه مشكلة في المحضر، لكن وقتها كنت فاكر إن المستند اتراجع من الجهة المختصة.

مريم سألته بنبرة ثابتة:

— وإنت عملت إيه لما اكتشفت المشكلة؟

حسام فتح حقيبته مرة تانية، وطلع منها مجموعة إيميلات مطبوعة.

— بعت اعتراضًا رسميًا للشركة، وطلبت وقف استخدام المستند لحين التأكد من صحته. وبعدها، قدمت استقالتي من متابعة الملف.

مريم أخدت الأوراق وبدأت تقراها.

كانت الرسائل بتوضح إن حسام طلب بالفعل مراجعة المستند، وإنه حذّر من الاعتماد عليه قبل استكمال الموافقات.

لكن فيه رسالة تانية، صادرة من عنوان تابع لشركة كريم، بتطلب منه الاستمرار في إجراءات التمويل، مع وعد بتقديم المستندات النهائية لاحقًا.

مريم رفعت عينيها.

— مين اللي بعت الرسالة دي؟

حسام قال:

— الرسالة صادرة من حساب الشركة، لكن لازم قسم تقنية المعلومات يحدد الشخص اللي استخدم الحساب وقتها.

مريم قلبت الصفحة الأخيرة.

كان فيه توقيع إلكتروني باسم كريم المنشاوي أسفل رسالة متابعة لاحقة.

لكن حسام سارع بالتوضيح:

— وجود اسمه على الرسالة مش دليل كافي لوحده إنه كان عارف إن المحضر غير صحيح. لازم نراجع سلسلة المراسلات كاملة، ونتأكد مين كان عنده صلاحية الدخول للحساب.

مريم أومأت ببطء.

— كويس إنك وضحت النقطة دي.

حسام بص لها وقال:

— أنا عارف إن بينك وبين كريم خلاف شخصي، لكن اللي حصل لازم يتراجع بعيدًا عن الخلاف ده. أنا مش جاي أتهمه، أنا جاي أقدم المستندات اللي عندي.

مريم قفلت الملف.

— وده اللي هيحصل. كل ورقة هتتراجع، وكل شخص هيتسأل عن دوره، واللي يثبت إنه أخطأ هيتحمل مسؤوليته.

حسام قام من مكانه.

وقبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال:

— فيه حاجة لازم تعرفيها يا أستاذة مريم. قبل ما أسيب الملف، كريم طلب مني أقابله لوحدنا. قال لي إنه عايز يتكلم في موضوع المحضر بعيدًا عن الشركة.

مريم سألته:

— وإنت قابلته؟

حسام هز راسه.

— لأ. أنا رفضت، وطلبت إن أي تواصل يكون مكتوبًا ورسميًا. لكن بعد رفضي، وصلني اتصال من شخص تاني كان عايز يعرف إذا كنت محتفظًا بنسخ من المراسلات.

مريم اعتدلت في جلستها.

— مين الشخص ده؟

حسام بص لها مباشرة.

— شريف المنشاوي، أخو كريم.

ساد الصمت داخل المكتب.

مريم ما كانتش تعرف إذا كان شريف متورطًا في أي حاجة، لكنها عرفت إن الموضوع ما بقاش مقتصرًا على خلاف بينها وبين جوزها السابق.

فيه سر قديم، وأوراق مش واضحة، وأشخاص كتير ممكن تكون عندها أجزاء مختلفة من الحقيقة.

لكنها ما كانتش هتسمح لأي حد يدفن الحقيقة تحت نفوذ أو فلوس أو اسم عيلة.

—

في المساء، رجع كريم للفيلا.

دخل غرفة المكتب، وبدأ يفتح الأدراج بعصبية، بيدور على نسخة من ملف الصفقة القديمة.

كان عارف إن النسخة الأصلية مش عنده، لكنه كان محتفظًا ببعض المراسلات المطبوعة.

بعد دقائق من البحث، لقى ظرفًا بنيًا مدسوسًا خلف مجموعة ملفات مالية.

فتح الظرف.

جواه كانت صورة من المحضر القديم، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط إيده:

«لازم نتأكد إن الموافقة النهائية وصلت قبل صرف الدفعة التانية».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى