قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير هنا بقلم محمد عبده

كريم قعد قدامي، وبص لإيديه لفترة طويلة قبل ما يتكلم.

«أنا عارف إنك زعلانة مني.»

ما رديتش.

كمل بصوت أهدى:

«يمكن كنت بهزر معاكي زيادة عن اللزوم. بس إحنا اتعودنا في البيت إنك دايمًا مختلفة عننا، وإنك بتاخدي شغلك بجدية أكتر من اللازم.»

بصيت له باستغراب.

«وده كان مبرر إنك تقلل مني تلاتين سنة؟»

هز رأسه.

«لأ.»

كانت أول مرة أسمع منه الكلمة دي من غير ما يتبعها بتبرير أو اتهام.

وبعدين رفع عينيه وقال:

«أنا آسف.»

الكلمة كانت بسيطة، لكني كنت مستنياها من سنين طويلة.

ومع ذلك، ما قدرتش أتصرف وكأنها هتمسح كل حاجة حصلت.

قلت له بهدوء:

«أنا مش محتاجة منك تصدقني عشان أنا بقيت لواء. كنت محتاجة منك تحترمني حتى لما ما كنتش فاهم طبيعة شغلي. كنت محتاجة أخويا اللي يسمعني، مش الشخص اللي يستنى أي فرصة عشان يضحك عليا.»

كريم غمض عينيه للحظة، وبعدها قال:

«فاهم.»

لكن قبل ما أقدر أرد، خبط أحد الضباط على الباب ودخل، وفي إيده ملف رسمي.

قال باحترام:

«سيادة اللواء، فيه موضوع مهم محتاجين نعرضه على حضرتك قبل نهاية اليوم. متعلق بالتقرير اللي اتكتب عن واقعة البوابة، وفيه تفصيلة لازم حضرتك تعرفيها.»

مد إيده بالملف ووضعه على المكتب.

فتحته، وبدأت أقرأ الصفحات الأولى.

وبعد دقائق، توقفت عند سطر معين، ورفعت عيني للضابط.

«إنت متأكد من المعلومة دي؟»

رد بثبات:

«أيوه يا فندم. تمت مراجعتها من خلال السجلات المتاحة.»

بصيت ناحية كريم، اللي كان بدأ يشعر إن الموضوع أكبر من مجرد خطأ في التحقق من الهوية.

قفلت الملف ببطء وقلت:

«تمام. هنراجع الموضوع رسميًا، ونتأكد من كل التفاصيل قبل ما ناخد أي قرار.»

الضابط أدى التحية وخرج.

أما كريم، ففضل باصص للملف، وبعدين سألني بتردد:

«هو فيه إيه؟»

حطيت الملف قدامي وقلت:

«لسه مش هقدر أحكم قبل ما أراجع كل حاجة.»

وبعدين أضفت وأنا ببص له مباشرة:

«لكن فيه فرق كبير يا كريم بين إنك تشك في شخص وتطلب التحقق من هويته، وبين إنك تقرر من البداية إنه كداب لمجرد إنك مش مصدق إنه ممكن ينجح.»

المرة دي، كريم ما حاولش يدافع عن نفسه.

فضل ساكت، وأنا رجعت أبص للملف.

كنت أعرف إن استلام القيادة هيكون بداية مرحلة جديدة في حياتي العسكرية، لكني ما كنتش أعرف إن اليوم ده هيكشف لي كمان حقيقة مهمة عن عيلتي.

لأن أصعب حاجة ما كانتش إني اضطررت أثبت رتبتي قدام أخويا… أصعب حاجة كانت إني اكتشفت إن بعض الناس ممكن يقضوا عمرهم كله جنبك، ومع ذلك يرفضوا يشوفوا حقيقتك، حتى لو كانت واقفة قدامهم مباشرة.

واللي حصل بعد مراجعة الملف في اليوم التالي، كان كفيل إنه يغيّر نظرة كريم لكل حاجة كان فاكر إنه عارفها عني… لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستنياه.

في صباح اليوم التالي، وصلت القاعدة قبل ميعاد بداية العمل بوقت طويل.

ما كنتش عايزة أبدأ أول يوم ليا في القيادة وأنا مش فاهمة كل التفاصيل اللي حصلت عند البوابة. طلبت من مكتب الشؤون الإدارية تجهيز تقرير كامل، وراجعت أوامر التكليف، وسجلات الدخول، والإجراءات اللي اتبعتت وقت احتجازي.

لكن كان فيه شيء في الملف اللي استلمته بالأمس شاغل تفكيري.

التقرير ما كانش بيتكلم عن خطأ العريف محمود الشناوي وبس، لكنه أشار إلى وجود مشكلة في تحديث بيانات بعض الضباط اللي صدرت لهم قرارات ترقية أو نقل حديثة.

وده معناه إن اللي حصل معايا كان ممكن يحصل مع أي ضابط تاني.

استدعيت المسؤول عن نظام تسجيل الدخول، وطلبت منه يشرح لي سبب الخلل.

قال بتوتر:

«يا فندم، حصل تأخير في نقل بعض البيانات بين النظام المركزي ونظام البوابة. كان المفروض يتم إخطار أفراد الحراسة بالقائمة المحدثة، لكن ده ما حصلش بالشكل المطلوب.»

سألته:

«هل فيه إجراء بديل للتحقق من هوية الضباط في الحالات دي؟»

رد:

«أيوه يا فندم، فيه تعليمات واضحة بالاتصال بمكتب القيادة أو الضابط المناوب قبل اتخاذ أي قرار نهائي.»

حطيت القلم على المكتب وقلت:

«إذن المشكلة مش في البطاقة وحدها. المشكلة إن الإجراء البديل كان موجود، لكنه ما اتنفذش.»

هز رأسه موافقًا.

أصدرت تعليماتي بمراجعة إجراءات التحقق من الهوية، وتحديث القوائم، والتأكد من إن كل أفراد الحراسة عارفين يتصرفوا إزاي في المواقف المشابهة.

ما كانش هدفي الانتقام من العريف اللي احتجزني، ولا كنت عايزة أستغل منصبي عشان أحرجه.

كنت عايزة أصلح الخطأ اللي كشفه الموقف.

لكن قبل نهاية الاجتماع، دخل مساعدي وقال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى