
رئيسٌ أول في قوات البحرية أمام ستمائة جندي، وصاح في وجهي:
«اعرفي مقامك!»
وبعد ثلاث ثوانٍ فقط، كان راكعًا على الأرض، ومعصماه بالغة… لكن ما فعله العقيد بعد ذلك جعل ساحة العرض بأكملها تلتزم الصمت.
كان حرّ مدينة الإسكندرية خانقًا فوق ساحة التدريب، بينما وقف ستمائة جندي في صفوف منتظمة، تراقبهم عائلاتهم من خلف الحاجز المخصص للزوار.
لم أكن هناك لأثير مشكلة.
كنت هناك لسبب واحد فقط: أن أرى أخي الأصغر قبل سفره في مهمته العسكرية، ثم أغادر بهدوء.
اسمي ليان منصور، وعلى مدار ثماني سنوات، كان الاختفاء عن الأنظار جزءًا أساسيًا من حياتي.
كان أخي آدم يقف وسط المجندين، محاولًا ألا يُظهر مدى توتره. لم نلتقِ منذ ما يقرب من عامين، لأن عملي كان يرسلني إلى أماكن لا يُسمح لأحد بالحديث عنها.
كان العقيد فارس الدمنهوري قد سمح لي بالدخول.
قال لي قبل بدء العرض:
«خليكِ خلف الحاجز، ونخلي الموضوع بسيط.»
لكن البساطة لم تستمر طويلًا.
فقد لاحظني رئيس أول يُدعى رامي الشاذلي.
تقدم نحو صف الزوار، وسألني بلهجة آمرة عن سبب وجودي هنا.
أخبرته أن العقيد فارس هو من سمح لي بالدخول.
فضحك بصوت عالٍ أمام الجنود.
وقال بسخرية:
«أنتِ مش شبه الناس اللي العقيد فارس بيحب يكونوا حواليه.»
التزمت الصمت.
كنت قد تعاملت من قبل مع رجال يبحثون عن أي رد فعل ليستفزوني به.
لكن صمتي أغضبه أكثر.
قال وهو يقترب مني:
«حبيبة عسكري؟ ولا مجرد سائحة جديدة في القاعدة وعايزة تلفتي الانتباه؟»
أجبته بهدوء:
«أنا هنا علشان أخويا.»
نظر إليّ باحتقار، ثم قال:
«يبقى قفي بهدوء… واعرفي مقامك.»
كان بإمكاني أن أرحل.
بل إنني فكرت فعلًا في أن أبتعد عن المكان.
لكنني لم أتوقع ما سيحدث بعد ذلك.
دفع كتفي بعنف.
ثم أمسك بياقة ملابسي وجذبني نحوه.
وقال:
«فاكرة إن لبس الزي العسكري بيخليكي قوية؟»
ثم صفعني.
دوّى صوت الصفعة في أرجاء ساحة العرض بأكملها.
رآني آدم.
رآها مئات الجنود.
الجميع رأى ما حدث.
كان رامي يعتقد أنني تجمدت في مكاني لأنني خائفة.
لكنه كان مخطئًا.
تمامًا.
بعد ثلاث ثوانٍ فقط، كان على الأرض.
كان معصماه مصابين، ولم يكن قادرًا على تحريكهما بشكل طبيعي، بينما وقف الجميع في حالة ذهول، يحاولون فهم ما حدث أمام أعينهم.
وفي تلك اللحظة، اندفع العقيد فارس إلى ساحة العرض، وخلفه أفراد الشرطة العسكرية.
كان الجميع يتوقع أن يتم تقييد رامي بالأصفاد.
الجميع توقع اعتقاله فورًا.
لكن العقيد فارس توقف أمامي أولًا.
ثم رفع يده وأدى لي التحية العسكرية.
ساد الصمت.
حتى الجنود لم يفهموا ما الذي يحدث.
بعدها استدار العقيد نحو رامي وقال:
«رئيس أول رامي الشاذلي… هل عندك أي فكرة عن الشخص اللي مدّيت إيدك عليه؟»
رفع رامي رأسه بصعوبة عن الأرض.
لكن نبرة العقيد تغيرت فجأة.
وقال بصوت حازم:
«هي درّبت الوحدة التي درّبتك أنت.»
ثم التفت العقيد فارس نحوي.
نظر إليّ للحظات.
وقال جملة واحدة جعلت وجه آدم يشحب تمامًا…
«ليان، حان الوقت يعرفوا مين أنتِ فعلًا.»
نظر آدم إليّ وكأنه يراني للمرة الأولى في حياته.
قال العقيد فارس بصوت هادئ، لكنه كان مسموعًا للجميع:
«ليان منصور مش مجرد قريبة لأحد الجنود… ومش مجرد زائرة حصلت على تصريح دخول.»
توقف لحظة، ثم أضاف:
«هي كانت واحدة من أخطر المدربين اللي اشتغلوا مع قواتنا الخاصة.»
انتشرت همهمات بين الجنود.
أما رامي، فظل يحدق في وجهي غير مصدق.
قال بصوت متقطع:
«إيه… إيه اللي بتقوله يا سيادة العقيد؟»
اقترب فارس منه خطوة.
«أنا بقول لك إن المرأة اللي ضربتها منذ أقل من دقيقة، كانت مسؤولة عن تدريب الوحدة اللي كنت أنت نفسك تحلم تدخلها.»
ثم أشار إلى معصمي رامي المصابين.
«واللي حصل لك دلوقتي مش اعتداء عشوائي. هي أوقفتك بأقل قوة ممكنة، رغم إنك اعتديت عليها أمام ستمائة جندي.»
ساد الصمت من جديد.
كنت أستطيع رؤية نظرات الجنود تتغير.
قبل دقائق، كانوا ينظرون إليّ باعتباري امرأة غريبة تقف خلف الحاجز.
الآن، كانوا ينظرون إليّ باحترام… وربما بشيء من الخوف.
اقترب مني آدم أخيرًا.
قال بصوت منخفض:
«إنتِ كنتِ بتشتغلي فين بالضبط كل السنين دي؟»
نظرت إليه.
كنت أتمنى لو أستطيع أن أجيبه ببساطة.
لكن بعض الأشياء في حياتي لم يكن مسموحًا لي بالحديث عنها.
قلت:
«في أماكن مش هينفع أقولك عنها.»
هز رأسه، لكنه لم يقتنع.
ثم قال:
«بس… ليه ما قولتيليش؟»
ابتسمت بحزن.
«علشان كنت عايزة تفضل أخويا… مش حد بيحاول يعرف أنا بعمل إيه.»
وقبل أن أقول شيئًا آخر، تقدم أحد الضباط بسرعة نحو العقيد فارس وهمس في أذنه.
تغير وجه العقيد فورًا.
ثم نظر إليّ.
«ليان… عندنا مشكلة أكبر.»
سألته:
«إيه هي؟»
أجاب:
«في حد صوّر اللي حصل كله.»
نظرت إلى الجنود.
فهمت فورًا ما يقصده.
كان هناك مئات الهواتف بين أيدي الحاضرين.
والخبر سينتشر خلال دقائق.
لكن العقيد لم يكن قلقًا بسبب الفيديو.
قال:
«المشكلة مش في الفيديو.»
سألته:
«أمال في إيه؟»
نظر إلى رامي.
ثم قال:
«الشخص اللي صوّر الفيديو بعته لجهة خارج القاعدة.»
شعرت بشيء بارد يسري في عروقي.
قلت:
«مين؟»
لم يجب العقيد مباشرة.
بدلًا من ذلك، طلب من الشرطة العسكرية إخلاء ساحة العرض.
ثم اقترب مني وقال بصوت منخفض:
«الاسم اللي ظهر على الجهاز… هو نفس الاسم اللي حاولنا نوصل له من سبع سنين.»
توقفت أنفاسي.
سبع سنوات.
كنت أعرف هذا الاسم.
اسم الشخص الذي اعتقدت أنني لن أسمعه مرة أخرى.
قلت:
«أنت متأكد؟»
أخرج العقيد هاتفه، وأراني الشاشة.
تجمدت في مكاني.
لم يكن هناك أي شك.
كان الاسم أمام عيني.
كمال الراوي.
الرجل الذي اختفى بعد آخر مهمة شاركت فيها.
الرجل الذي ظن الجميع أنه مات.
الرجل الذي كان يعرف كل أسراري.
قال العقيد:
«لو هو فعلًا رجع… يبقى ضربك قدام ستمائة جندي مش أهم حاجة حصلت النهارده.»
نظرت إلى أخي.
ثم إلى رامي.
ثم إلى العقيد.
وفهمت أن اليوم الذي كنت أحاول الهروب منه طوال سبع سنوات…
قد بدأ للتو.
لم أستطع أن أبعد عيني عن شاشة هاتف العقيد فارس.
كمال الراوي.
الاسم وحده كان كافيًا ليعيد إلى ذاكرتي كل شيء حاولت دفنه طوال السنوات الماضية.
قلت بصوت منخفض:
«هو مش المفروض يكون مات.»
رد العقيد:
«إحنا كمان كنا فاكرين كده.»
ثم نظر حوله، وأشار للشرطة العسكرية بأن تُخرج جميع المدنيين من ساحة العرض.
اقترب مني آدم.
«ليان… مين كمال؟»
لم أجب.
قال مرة أخرى:
«إنتِ تعرفيه؟»
نظرت إليه.
«أيوه.»
«وكان بيشتغل معاكي؟»
صمتُّ لثوانٍ.
ثم قلت:
«كان أكتر من مجرد زميل.»
رفع آدم حاجبيه.
«يعني إيه؟»
تنهدت.
«كان واحد من الفريق اللي كنت مسؤولة عنه.»
تدخل العقيد فارس:
«وكمال كان آخر شخص خرج من المهمة اللي غيرت حياة أختك بالكامل.»
نظر آدم إليه ثم إليّ.
«إيه اللي حصل؟»
قلت:
«كان فيه عملية سرية من سبع سنين. المهمة خرجت عن السيطرة، وفريق كامل اختفى. كمال كان من ضمنهم.»
«وإنتِ؟»
«كنت أنا المسؤولة عن إخراجهم.»
ساد الصمت.
قال آدم:
«يعني إنتِ السبب إنك اختفيتي كل السنين دي؟»
أومأت.
«بعد العملية، تم إغلاق الملف بالكامل. وطلبوا مني أختفي عن الأنظار.»
قبل أن يكمل آدم كلامه، سمعنا صوت أحد أفراد الشرطة العسكرية:
«سيادة العقيد!»
التفتنا إليه.
كان يحمل جهاز اتصال.
«في عربية دخلت محيط القاعدة من البوابة الخلفية من غير تصريح.»
تغير وجه العقيد.
«رقمها؟»
أعطاه الضابط الرقم.
نظر فارس إلى الشاشة.
ثم قال:
«دي مش عربية مدنية.»
سألته:
«كمال؟»
هز رأسه.
«ممكن.»
ثم التفت إليّ.
«لازم تخرجي من هنا فورًا.»
رفضت.
«مش .»
قال بحزم:
«دي مش مسألة شجاعة يا ليان.»
أجبته:
«وأنا مش بهرب للمرة التانية.»
نظر إليّ طويلًا.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
«كنت عارف إنك هتقولي كده.»
وفجأة، انطفأت أنوار الساحة.
غرق المكان في الظلام.
سمعنا صوت ارتباك الجنود.
ثم دوّى صوت مكبرات الصوت.
جاء صوت رجل من بعيد:
«مساء الخير يا ليان.»
تجمدت في مكاني.
كنت أعرف الصوت.
كمال.
ظهر ضوء واحد في نهاية الساحة.
كان واقفًا هناك.
بملابس مدنية، ووجهه مختلف قليلًا عما أتذكره، لكنه كان هو.
حيًا.
قال:
«سبع سنين وأنا مستني اللحظة دي.»
رفع العقيد
«كمال الراوي! استسلم فورًا.»
ضحك كمال.
«لسه زي ما أنت يا فارس… بتفكر إن الأوامر بتخوفني.»
ثم نظر إليّ.
«لكنها مش هتقدر تنقذك المرة دي.»
تقدمت خطوة.
«إنت عايز إيه؟»
ابتسم.
«عايز الحقيقة تظهر.»
قلت:
«أي حقيقة؟»
أجاب:
«الحقيقة اللي دفنتيها مع الفريق.»
شعرت بقلبي يضرب بعنف.
قال:
«إنتِ قلتي لهم إن الفريق مات بسبب خطأ مني.»
صمت.
«لكن الحقيقة إن الأوامر اللي وصلتنا كانت أوامرك.»
صرخ آدم:
«إنتِ عملتي كده؟»
التفتُّ إليه.
«لا.»
ثم نظرت إلى كمال.
«الأوامر ما كانتش مني.»
ابتسم.
«عارفة مين اللي أصدرها؟»
لم أجب.
أخرج ملفًا أسود من حقيبته، وأسقطه على الأرض.
قال:
«الشخص اللي أصدرها كان موجود هنا النهارده.»
نظر الجميع إلى بعضهم.
ثم قال كمال:
«العقيد فارس.»
ساد الصمت.




