قصص وروايات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

نظرت إلى فارس.

لأول مرة منذ سنوات، لم أجد الكلمات.

قال فارس بهدوء:

«ليان… ما تصدقيهوش.»

لكن كمال ضحك.

«افتحي الملف.»

انحنيت والتقطت الملف.

فتحت الصفحة الأولى.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

كانت هناك توقيعات وأوامر وتحركات سرية.

وفي أسفل الصفحة الأخيرة…

كان هناك توقيع أعرفه جيدًا.

توقيعي.

اتسعت عيناي.

قال كمال:

«دلوقتي فهمتي ليه اختفيتي سبع سنين؟»

رفعت رأسي ببطء.

«مين زوّر توقيعي؟»

ابتسم.

«السؤال الصح مش مين زوّر توقيعك.»

اقترب خطوة.

«السؤال هو… ليه العقيد فارس كان محتاج يزوّره أصلًا؟»

ثم حدث شيء لم أتوقعه.

وضع فارس  على الأرض.

وقال:

«لأن لو الحقيقة خرجت، مش أنا اللي هتحاكم.»

توقفت أنفاسي.

«مين؟»

نظر إلى آدم.

ثم إليّ.

وقال:

«الشخص اللي كان فوقي مباشرة… كان وزير الدفاع وقتها.»

لكن كمال قاطعه:

«وده مش كل شيء.»

ثم أشار إلى آدم.

«أخوك هو السبب الحقيقي اللي خلى ليان تختفي.»

نظر آدم إليه بصدمة.

«أنا؟»

أجاب كمال:

«أيوه… لأنهم كانوا عارفين إنك الوحيد اللي ممكن تخليها ترجع.»

وفي تلك اللحظة، فهمت أن المهمة القديمة لم تنتهِ أبدًا.

لقد كانت تنتظرني أنا…

وأخي.

والآن، بعد سبع سنوات، عاد الجميع إلى نفس المكان الذي بدأت فيه الكارثة.

وقفت في منتصف ساحة العرض، وأنا أشعر أن السنوات السبع الماضية كلها كانت تنهار أمام عيني.

نظرت إلى آدم.

كان مرتبكًا، لكنه لم يتراجع.

قلت لكمال:

«إنت قلت إن أخويا هو السبب اللي خلاني أختفي. وضّح كلامك.»

ابتسم كمال، ثم أشار إلى الملف.

«قبل العملية بأيام، اكتشفت إن فيه تسريب معلومات من داخل القيادة. لكن قبل ما أبلغ، وصلتني أوامر جديدة.»

نظر إلى العقيد فارس.

«الأوامر كانت واضحة: الفريق يدخل المنطقة من غير دعم، ومن غير أي وسيلة إخلاء.»

قلت:

«وده كان سبب الكارثة.»

أومأ.

«بالضبط.»

ثم أخرج صورة قديمة ووضعها أمامي.

كانت صورة لآدم وهو طفل.

تجمدت.

«إيه ده؟»

قال كمال:

«قبل العملية بأسبوع، حد بعت الصورة دي لقيادة الوحدة. ومعاها رسالة قصيرة.»

قرأتها.

“لو ليان رفضت تنفيذ الأوامر… أخوها هو اللي هيدفع الثمن.”

شعرت بالغضب يغلي بداخلي.

«كانوا بيهددوني بأخويا.»

قال كمال:

«أيوه. وإنتِ نفذتي المهمة لأنك كنتِ فاكرة إنك بتحميه.»

نظرت إلى فارس.

«وإنت كنت تعرف؟»

لم يجب.

وهنا أدركت كل شيء.

سنوات من الصمت.

اختفائي.

الأسرار.

والخوف الذي كنت أحمله وحدي.

كل ذلك لم يكن بسبب فشل في المهمة.

كان بسبب خيانة من داخل المؤسسة.

تقدم فارس نحوي.

«ليان، اسمعيني.»

قاطعته:

«سبع سنين وأنا بسمع الصمت.»

خفض رأسه.

«كنت بحاول أحميك.»

ضحكت بمرارة.

«تحميني؟ إنت خليتني أعيش سبع سنين وأنا فاكرة إن كل اللي حصل كان بسببي.»

قال:

«لو كنتِ عرفتي الحقيقة وقتها، كانوا.»

رد كمال:

«وده بالضبط اللي حصل مع باقي الفريق.»

سادت لحظة صمت ثقيلة.

ثم دوّى صوت سيارات تقترب من البوابة.

وصلت مجموعة من الضباط الكبار.

كان بينهم مسؤول من القيادة المركزية.

تقدم نحو فارس وقال:

«العقيد فارس الدمنهوري، أنت موقوف عن الخدمة لحين انتهاء التحقيق.»

ثم التفت إليّ.

«والسيدة ليان منصور… عندنا أمر بإعادة فتح ملف العملية بالكامل.»

نظرت إلى كمال.

كان واقفًا بهدوء.

قلت له:

«إنت رجعت ليه دلوقتي؟»

أجاب:

«لأني كنت محتاجك تعرفي إنك مش السبب.»

ثم نظر إلى آدم.

«وكنت محتاج أخوك يعرف إن أخته ما كانتش جبانة لما اختفت.»

اقترب آدم مني.

لأول مرة منذ سنوات، لم يقل شيئًا.

فقط احتضنني.

وضممته بقوة.

ثم همس:

«كنت فاكر إنك سيبتيني.»

أغمضت عيني.

«أنا عمري ما سيبتك.»

بعد دقائق، اقتادت الشرطة العسكرية فارس للتحقيق.

أما رامي الشاذلي، فكان لا يزال تحت حراسة الضباط.

مررت بجواره.

توقف ونظر إليّ.

كان الغرور قد اختفى من وجهه تمامًا.

قال:

«أنا… ما كنتش أعرف.»

نظرت إليه.

«وده مش عذر.»

ثم أكملت طريقي.

قبل أن أغادر ساحة العرض، سمعت العقيد المسؤول يناديني.

«ليان.»

التفتُّ.

قال:

«القيادة محتاجة حد يقود التحقيق في الملف القديم.»

سألته:

«ومين المرشح؟»

ابتسم.

«إنتِ.»

نظرت إلى آدم.

ثم إلى كمال.

ثم إلى السماء.

سبع سنوات وأنا أحاول أن أختفي.

سبع سنوات وأنا أعيش وأنا أعتقد أن الماضي انتهى.

لكنني اكتشفت شيئًا واحدًا:

بعض المعارك لا تنتهي عندما تنسحب منها… بل تنتظر حتى تجد الشجاعة للعودة إليها.

عدت إلى ساحة العرض بعد أيام.

لكن هذه المرة لم أكن مجرد أخت جاءت لتودع أخاها.

كنت المرأة التي كشفت أكبر عملية تستر شهدتها الوحدة.

أما رامي، فقد خسر رتبته، وبدأ التحقيق معه بسبب اعتدائه عليّ واستغلال سلطته.

وكمال؟

اختفى مرة أخرى بعد أن أدلى بشهادته.

لكنه ترك لي رسالة واحدة:

«المرة دي… اختفي بإرادتك، مش بأمر حد.»

ابتسمت عندما قرأتها.

ثم أغلقت الهاتف.

كان آدم يستعد للسفر.

احتضنته وقلت له:

«ارجع لي سالم.»

ابتسم وقال:

«المرة دي أنا اللي هخليكي فخورة بيا.»

شاهدته يبتعد مع زملائه.

ثم وقفت وحدي في المكان الذي بدأت فيه كل الفوضى.

لم أعد أخاف من الماضي.

لأنني أخيرًا عرفت الحقيقة.

وعرفت أيضًا أن القوة الحقيقية ليست في أن تكون قادرًا على  خصمك…

بل في أن تملك الشجاعة لتقف من جديد بعد أن حاول الجميع إسقاطك.

تمت حكايات محمد عبده

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى