
“لكن كل تلك التقارير كانت مجرد ادعاءات.”
وضعت إصبعي على جهاز التسجيل.
“أما الآن، فقد حصلنا على دليل مباشر.”
خفض الكيلاني رأسه للحظة.
ثم رفعه بسرعة.
“لن تثبتي شيئًا.”
ابتسمت.
“هل أنت متأكد؟”
أخرجت جهازًا صغيرًا من جيبي.
ضغطت على زر.
وفجأة انطلق صوت الكيلاني من مكبر الجهاز:
“أنت مجرد تراب تحت حذائي!”
ثم جاء صوته مرة أخرى:
“سأدمر مستقبلك العسكري!”
ثم:
“اخرج قبل أن أرميك في السجن العسكري!”
تغيرت ملامح الجميع.
رفع حسام عينيه أخيرًا.
وبدأ بعض الجنود يتهامسون.
أما أمينة، الطاهية المدنية، فوضعت يدها على صدرها.
“كنت أعلم أن شيئًا غير طبيعي يحدث هنا.”
التفت إليها.
قلت:
“هل لديكِ شيء تريدين قوله يا أمينة؟”
ترددت.
نظرت إلى الكيلاني.
ثم إلى الجنود.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
“نعم.”
بدأ صوتها يرتجف.
“هناك جنود كانوا يأتون إلى المطبخ بعد منتصف الليل لأنهم لم يكونوا يستطيعون النوم.”
“كانوا يخافون.”
“بعضهم كان يبكي.”
نظر الكيلاني إليها بغضب.
“أمينة، أنصحك أن تصمتي.”
رفعت رأسي نحوه.
“لا.”
ثم قلت:
“من هذه اللحظة، أنت من سيصمت.”
تجمد في مكانه.
ثم سمعنا صوت خطوات قادمة من الممر.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم فُتحت أبواب القاعة.
دخل ثلاثة ضباط كبار يرتدون الزي الرسمي.
وفي مقدمتهم كان اللواء فارس النجار، نائب المفتش العام للقوات المسلحة.
وقف الجميع فورًا.
أما الكيلاني فلم يتحرك.
كان وجهه قد فقد لونه.
تقدم اللواء فارس حتى وصل أمامي.
نظر إلى الجرح الموجود على جبهتي.
ثم نظر إلى الصينية الملطخة بالطعام.
ثم إلى الكيلاني.
لم يقل شيئًا لثوانٍ.
وأخيرًا قال بصوت هادئ لكنه حاد:
“رائد مازن الكيلاني.”
“نعم، سيدي.”
“ضع سلاحك وبطاقة هويتك على الطاولة.”
فتح الكيلاني فمه.
“سيدي، أستطيع أن أشرح…”
قاطعه اللواء:
“لم أطلب تفسيرًا.”
ثم أضاف:
“طلبت منك أن تضع سلاحك وبطاقتك على الطاولة.”
ببطء شديد، أخرج الكيلاني سلاحه وسلمه.
ثم أخرج بطاقة هويته.
ووضعهما فوق الطاولة.
كانت القاعة كلها تراقبه.
الرجل الذي أخاف عشرات الجنود لسنوات أصبح الآن واقفًا أمامهم دون أي سلطة.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن قد بدأت بعد.
التفت اللواء فارس إلى الجنود.
وقال:
“لن يُعاقب أي شخص هنا بسبب الإدلاء بشهادته.”
لم يتحدث أحد.
ثم أضاف:
“كل من لديه معلومات عن تجاوزات حدثت في هذا المعسكر، يمكنه التقدم الآن.”
ظل الصمت.
ثلاث ثوانٍ.
خمس.
عشر.
ثم رفع الجندي عمر يده.
ارتجفت أصابعه.
لكن يده بقيت مرفوعة.
نظر الكيلاني إليه بغضب.
لكن عمر هذه المرة لم يخفض عينيه.
قال:
“سيدي… لدي شيء أقوله.”
شجعته بنظرة هادئة.
فأكمل:
“الرائد الكيلاني أجبرني الشهر الماضي على دفع جزء من راتبي لأحد الأشخاص.”
“قال إنني إذا لم أدفع، فسيتأكد من أنني لن أحصل على إجازة لرؤية والدتي.”
ساد الصمت.
ثم رفع جندي آخر يده.
وبعده ثالث.
ثم رابع.
وفجأة، بدأت الحقيقة التي أخفاها الخوف لسنوات تظهر أمام الجميع.
لم يكن الكيلاني يتعامل مع جندي واحد بهذه الطريقة.
لقد كان يفعل ذلك مع عشرات الجنود.
والأسوأ من ذلك…
أن بعض الضباط كانوا يعرفون.
وكانوا يصمتون.
نظرت إلى الرقيب حسام.
كان وجهه شاحبًا.
قلت:
“رقيب حسام.”
رفع رأسه.
“نعم، سيدتي.”
“هل لديك شيء تريد إضافته؟”
ظل صامتًا للحظات.
ثم أخذ نفسًا عميقًا.
وقال:
“نعم.”
نظر إلى الكيلاني.
ثم قال:
“كنت أعرف.”
أغمض عينيه للحظة.
“كنت أعرف منذ أشهر.”
ثم فتحهما.
“وسكت.”
كانت تلك الجملة أثقل من كل ما قيل في القاعة.
تقدمت نحوه.
“لماذا؟”
خفض رأسه.
“كنت خائفًا.”
ثم نظر إلى الجنود.
“كنت أعتقد أن حماية مستقبلي أهم من الدفاع عنهم.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“لكنني كنت مخطئًا.”
اقترب اللواء فارس منه.
ووضع يده على كتفه.
“الشجاعة لا تعني ألا تخاف.”
ثم أضاف:
“الشجاعة أن تتوقف عن السماح للخوف بالتحكم فيك.”
في تلك اللحظة، أدرك الكيلاني أن كل شيء انتهى.
لكن قبل أن يتم اقتياده خارج القاعة، التفت إليّ.
نظر إلى الجرح في جبهتي.
ثم إلى الجنود.
وقال بصوت خافت:
“لماذا فعلتِ كل هذا؟”
أجبته:
“لأنني أردت أن أعرف الحقيقة.”
ثم نظرت إلى عمر.
“وأردت أن يعرف أمثاله أنهم ليسوا وحدهم.”
اقترب أحد الضباط مني وقال:
“سيدتي العقيد، يجب أن نذهب إلى العيادة لمعالجة جرحك.”
لمست جبهتي.
ثم نظرت إلى الدماء التي ما زالت على أصابعي.
قلت:
“بعد أن ننتهي من شيء آخر.”
“ما هو؟”
التفتُّ إلى الجنود.
وقلت:
“سنفتح أبواب الشكاوى الآن.”
وفي تلك الليلة…
ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن الجنود هم الذين يخافون من التحدث.
بل كان هناك شخص آخر في المعسكر بدأ يخاف مما سيحدث عندما تظهر الحقيقة كاملة.
لأن ما اكتشفناه في الملفات التالية كان أكبر بكثير من مجرد رائد يسيء استخدام سلطته…
في صباح اليوم التالي، لم يكن معسكر النخيل يشبه المكان الذي دخلته قبل ثلاثة أشهر.
كانت سيارات التفتيش العسكري تقف أمام المبنى الإداري، والضباط يدخلون ويخرجون حاملين صناديق مليئة بالملفات.
تم إغلاق مكتب الرائد مازن الكيلاني بالشمع الأحمر.
ووُضع حارس أمام الباب.
أما الكيلاني نفسه، فقد نُقل إلى مقر القيادة للتحقيق معه.
لكنني لم أكن مهتمة به وحده.
لأنني كنت قد بدأت أكتشف شيئًا أكثر خطورة.
جلست داخل غرفة الاجتماعات الصغيرة أمام مجموعة من الملفات.
كان اللواء فارس النجار يقف بجوار النافذة، بينما جلس الرقيب حسام منصور أمامي.
قلت:
“أريد كل شيء.”
نظر حسام إليّ.




