
الجزء الثاني والاخير
في صباح اليوم التالي، صحيت الساعة ستة الصبح.
الغريب إني ما كنتش حاسة بحزن.
كنت حاسة إني أخيرًا بدأت أتنفس.
فتحت اللابتوب، ودخلت على حساباتي البنكية، ثم راجعت المستندات الخاصة بالشقة مرة أخيرة.
كل حاجة كانت واضحة.
الملكية باسمي وحدي.
مفيش شريك.
مفيش حق لحد من العيلة.
ومفيش أي بند يسمح لأمي أو أبويا أو أختي ياخدوا الشقة لمجرد إنهم قرروا كده على سفرة العيد.
الساعة تسعة، جالي اتصال من المحامي ياسر.
“صباح الخير يا مريم.”
“صباح النور.”
“المشتري وافق على شرطك. هيتم توقيع العقود النهارده، والتحويل البنكي هيتم بمجرد تسجيل البيع.”
“تمام.”
سكت شوية وبعدين قال:
“بس لازم أسألك سؤال.”
“اتفضل.”
“متأكدة؟ دي مش مجرد شقة. دي ملكية كبيرة جدًا.”
بصيت من شباك مكتبي.
“أنا متأكدة.”
كنت متأكدة أكتر من أي وقت فات.
أنا ما كنتش ببيع الشقة علشان أهرب.
كنت ببيع آخر حاجة كانت بتربطني بعيلة شايفة إن حياتي ملك مشاع.
بعد ساعة، وأنا في الشغل، وصلتني رسالة من سارة.
“ماما قالت إنك ما جيتيش تاخدي أي حاجة من الشقة. إيه التأخير؟”
ما رديتش.
بعدها بدقيقتين:
“كريم عايز يبدأ التجهيزات بسرعة.”
ثم:
“مريم، ما تعقديش الموضوع.”
ابتسمت.
ثم قفلت الموبايل.
بعدها بدقائق، اتصلت أمي.
سيبت المكالمة ترن.
اتصلت تاني.
سيبتها.
اتصلت للمرة الثالثة.
رديت.
“أيوه يا ماما.”
صوتها كان متضايق.
“إنتِ فين؟”
“في الشغل.”
“ومش ناوية تيجي الشقة؟”
“ليه؟”
“علشان نبدأ ننقل حاجات سارة.”
قلت بهدوء:
“لسه بدري.”
صرخت:
“بدري إيه؟! إحنا اتفقنا إن الشقة هتكون ليهم قبل آخر السنة!”
ابتسمت.
“آه.”
“إنتِ وعدتينا.”
“وعدتكم بإيه؟”
سكتت.
واضح إنها ما كانتش متوقعة السؤال.
قالت:
“إنك هتسيبي الشقة.”
“صح.”
“يبقى سيبيها.”
“حاضر.”
ثم قفلت.
في نفس اللحظة، وصلتني رسالة من المحامي:
“تم توقيع العقد المبدئي.”
بعدها مباشرة:
“التحويل النهائي متوقع خلال 48 ساعة.”
حطيت الموبايل على المكتب.
وبدأت أشتغل.
كنت عارفة إنهم هيفهموا قريب.
لكنّي ما كنتش مستعجلة.
لأن المفاجأة الحقيقية…
كانت لسه ما بدأتش.
—
في المساء، رجعت البيت.
ولأول مرة من سنين، بدأت أحط حاجاتي في شنط.
مش كل حاجة.
بس الحاجات اللي فعلًا تخصني.
ملفات.
صور.
مجوهرات بسيطة.
لاب توب.
بعض الكتب.
وذكريات قليلة.
أما الأثاث؟
سيبته.
الأجهزة؟
سيبتها.
حتى اللوحات اللي أمي كانت عايزة تبيعها…
سيبتها.
كنت عارفة إنهم لما يدخلوا الشقة، هيلاقوا كل حاجة تقريبًا زي ما هي.
وده بالضبط اللي كنت عايزاه.
الساعة عشرة بالليل، سمعت صوت عربيتي أختي بتقف قدام العمارة.
بعدها صوت كريم.
وبعدين سارة.
فتحت الباب.
لقيتهم واقفين قدامي.
كريم كان ماسك متر قياس.
بصيت للمتر.
“إيه ده؟”
قال:
“بنقيس الحيطان.”
“ليه؟”
ضحك.
“علشان نبدأ التعديلات.”
دخل من غير ما يستأذن.
سارة دخلت وراه.
بدأت تبص حوالين الصالة.
“هنا نحط سرير الطفل.”
ثم أشارت للركن الآخر.
“وهنا مكتب كريم.”
كريم قال:
“الحائط ده هيتشال.”
بصيت له.
“مين قال؟”
ضحك.
“مريم، إحنا خلاص اتفقنا.”
قلت:
“اتفقنا على إيه بالضبط؟”
بص لسارة.
سارة قالت:
“مريم، بلاش تبدأي.”
قرب كريم مني.
“اسمعي، إحنا مقدرين إنك بتعملي حاجة كبيرة للعيلة. بس متخليش الموضوع يتحول لدراما.”
سكت.
ثم قال:
“وبعدين إنتِ أصلًا هتخرجي من هنا.”
رديت:
“صح.”
“يبقى إحنا بنرتب المكان من دلوقتي.”
بصيت له.
“رتبوا براحتكم.”
ابتسم.
“أهو كده.”
خرجوا.
وأول ما الباب اتقفل، وصلني إشعار على موبايلي.
تم إيداع المبلغ بالكامل.
بعت رسالة للمحامي:
“اتأكد إن التسجيل النهائي يتم بكرة.”
رد:
“تم.”
في اللحظة دي، كنت رسميًا خرجت من اللعبة القديمة.
لكن عيلتي؟
كانوا لسه بيلعبوا بقواعدهم القديمة.
—
تاني يوم الصبح، أمي بعتت لي صورة.
كانت صورة للصالة.
ومكتوب تحتها:
“بدأنا نجهز بيت سارة
ما رديتش.
بعدها صورة تانية.
“البيت أخيرًا هيبقى مليان أطفال.”
ثم رسالة:
“مريم، ابعتي مفتاح المخزن.”
ضحكت.
ما كانش عندي أي سبب أرد.
لكن بعد حوالي ساعة، اتصلت سارة وهي بتعيط.
“مريم!”
“في إيه؟”
“المحامي اتصل بماما.”
سكت.
“وقال إن الشقة اتباعت.”
ما رديتش.
صرخت:
“إنتِ بعتي الشقة؟!”
قلت:
“أيوه.”
سكتت تمامًا.
ثم سمعت صوت كريم في الخلفية:
“اديلي الموبايل!”
أخد منها التليفون.
“إنتِ عملتي إيه؟”
“بعت الشقة.”
“مين سمح لك؟”
ضحكت.
“أنا المالكة.”
صرخ:
“دي كانت هتكون بيتنا!”
قلت:
“كانت.”
“إنتِ وعدتينا!”
“أنا وعدتكم إني أسيب الشقة.”
سكت.
ثم قلت:
“وفعلًا… سيبتها.”
صرخ:
“إنتِ بعتِها؟!”
“أيوه.”
قفل الخط.
بعد ثواني، الموبايل بدأ يرن.
أمي.
ما رديتش.
أبويا.
ما رديتش.
سارة.
ما رديتش.
ثم جالي تسجيل صوتي من أبويا.
فتحت التسجيل.
صوته كان مليان غضب:
“مريم، إنتِ فقدتي عقلك؟! إحنا اتفقنا إن الشقة للعيلة! إزاي تبيعيها من غير ما ترجعي لنا؟!”
ضحكت.
ثم وصلتني رسالة من المحامي:
“تم تسجيل البيع نهائيًا.”
قفلت الموبايل.
لكن قبل ما أحطه على المكتب، وصلني إشعار تاني.
من البنك.
كان فيه تحويل إضافي.
مبلغ كبير جدًا.
والمرسل؟
شركة الاستثمار اللي اشترت الشقة.
وفي خانة الملاحظات كان مكتوب:
“الدفعة النهائية — العقار مسجل خاليًا من أي نزاع.”
ابتسمت.
لأن ده معناه حاجة واحدة:
هم حاولوا يضغطوا عليّ.
لكنهم ما فهموش إنّي كنت مجهزة كل خطوة قبل ما أقول لهم كلمة واحدة.
—
بعد ساعتين، وأنا في الشغل، لقيت أمي داخلة المكتب.
كانت غاضبة.
وراها أبويا.
أول ما شافتني قالت:
“إنتِ تبيعي بيت العيلة؟!”
الناس في المكتب بدأت تبص.
قلت:
“ده مش بيت العيلة.”
أبويا ضرب إيده على المكتب.
“ده بيت أختك!”
قلت:
“كان ملكي.”
أمي قالت:
“إنتِ أنانية.”
بصيت لها.
“ممكن.”
ثم فتحت درج المكتب وأخرجت ملف.
حطيته قدامها.
“لكن قانونيًا، أنا المالكة.”
أبويا مد إيده للملف.
فتح أول ورقة.
قرأ.
ثم الورقة التانية.
وشه بدأ يتغير.
أمي قالت:
“إيه ده؟”
بصيت لهم.
“المستند اللي وصلكم من المحامي.”
أبويا قال:
“إنتِ… نقلتي الملكية باسمك لوحدك قبل العزومة؟”
قلت:
“قبلها بأيام.”
سكت.
ثم قلت:
“لأنّي عرفت إنكم ناويين تعملوا حاجة.”
أمي بصت لي بصدمة.
“مين قالك؟”
ابتسمت.
“مش مهم.”
الحقيقة كانت إني شفت رسالة بالغلط على جهاز أمي قبل العزومة بأسبوع.
رسالة من مكتب عقارات.
كان عنوانها:
“تقييم عقار مريم تمهيدًا لنقل الملكية.”
وقتها فهمت.
هم كانوا مجهزين الخطة من غيري.
فأنا جهزت خطتي قبلهم.
أبويا بص لي وقال:
“إنتِ خذلتينا.”
قلت بهدوء:
“لا يا بابا.”
ثم قفلت الملف.
“أنا بس بطلت أخذلك نفسي.”
خرجوا من المكتب.
لكن قبل ما أرجع للشغل، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت.
“ألو؟”
صوت رجل كبير في السن قال:
“حضرتك مريم الشاذلي؟”
“أيوه.”
“أنا المستشار القانوني لشركة والدك.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“لازم نتكلم.”
“عن إيه؟”
قال جملة خلتني أقف من مكاني:
“عن الورق اللي والدك كان بيحاول يستخدمه لإثبات إن الشقة أصلًا ملك للعيلة.”
سكت.
“إيه الورق ده؟”
قال:
“في مستند قديم عليه توقيع والدك وتوقيع والدتك.”
“وبيثبت إيه؟”
قال:
“إن والدك كان ناوي يرفع دعوى ضدك.”
بلعت ريقي.
“إمتى؟”
قال:
“بعد رأس السنة.”
سكت لحظة.
ثم أضاف:
“لكن في حاجة أهم.”
“إيه؟”
قال:
“المستند اللي معاهم… فيه مشكلة كبيرة.”
سألته:
“إيه المشكلة؟”
رد بصوت منخفض:
“التوقيع الموجود عليه… مش توقيعك.”
تجمدت مكاني.
لأنّي فهمت إن الموضوع ما كانش مجرد محاولة ياخدوا شقتي.
كانوا مجهزين قضية كاملة ضدي.
فضلت ساكتة ثواني بعد ما سمعت كلام المستشار.
“يعني إيه التوقيع مش توقيعي؟”
قال:
“يعني المستند اللي معاهم، لو استخدموه رسميًا، ممكن يدخلهم في مشكلة كبيرة.”
“بس هو مستند إيه أصلًا؟”
“إقرار قديم بخصوص ملكية الشقة.”
حسيت إن الصورة بدأت تكتمل.
قلت:
“ومكتوب فيه إيه؟”
قال:
“إن والدك ساهم في شراء العقار، وإنك وافقتِ إن الشقة تعتبر أصلًا عائليًا مش ملك خاص.”
ضحكت من الصدمة.
“ده محصلش.”
“أنا عارف.”
“بابا عمره ما دفع جنيه واحد في الشقة.”
“علشان كده المستند محتاج فحص.”
سألته:
“والتوقيع؟”
قال:
“واضح جدًا إنه مش توقيعك. لكن لازم خبير خطوط يؤكد ده.”
قفلت المكالمة.
وقعدت قدام اللابتوب.
لأول مرة، حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد شقة.
هم كانوا عايزين ياخدوا ملكي.
ولما فشلوا…
كانوا بيجهزوا طريقة تانية.
—
بعد أقل من ساعة، وصلني إيميل من المحامي ياسر.
مرفق معاه صورة المستند.
فتحته.
وفي أول صفحة، شفت اسمي.
مريم حسن الشاذلي.
لكن تحت الاسم كان فيه توقيع.
بصيت له ثواني.
كنت عارفة توقيعي كويس.
ده مش توقيعي.
ولا قريب منه.
الغريب إن التزوير كان معمول بشكل ذكي.
مش نسخة واضحة من توقيعي.
كان شبهه بدرجة تخلي شخص عادي يفتكره حقيقي.
لكن أنا لاحظت تفصيلة صغيرة.
أنا كنت دايمًا بحط نقطة صغيرة بعد الحرف الأخير في توقيعي.
التوقيع ده مفيهوش النقطة.
قلت للمحامي:
“أنا عايزة نسخة أصلية من المستند.”
رد:
“هحاول أوصل لها.”
بعد دقائق اتصل بيا.
“مريم، في مشكلة.”
“إيه؟”
“المستند الأصلي موجود عند محامي والدك.”
سكت.
“يعني إيه؟”
“يعني لازم نتصرف بسرعة قبل ما يستخدمه.”
قلت:
“أنا مش هخاف.”
قال:
“مش مطلوب تخافي. المطلوب تجهزي.”
—
في نفس الليلة، كنت قاعدة في شقتي المؤقتة.
الشقة القديمة كانت خلاص اتباعت.
المفروض إني أحس إني خسرت بيت.
لكن الغريب…
إني لأول مرة حسيت إن البيت الحقيقي هو المكان اللي محدش يقدر يقرر بالنيابة عني أعيش فيه إزاي.
فتحت اللابتوب.
بدأت أراجع كل المستندات القديمة.
عقود.
إيصالات.
تحويلات بنكية.
فواتير.
رسائل.
كل حاجة.
وبعد حوالي ساعة، لقيت حاجة غريبة.
في عقد شراء الشقة الأول، كان مكتوب بوضوح:
المشتري: مريم حسن الشاذلي.
والمبلغ كاملًا اتحول من حسابي.
لكن في آخر الصفحة كان فيه شاهدان.
واحد منهم…
كان كريم.
جوز سارة.
اتجمدت.
ليه كريم كان شاهدًا على العقد؟
أنا افتكرت وقتها إنه حضر معايا يوم التوقيع.
لكن لو هو كان موجود…
فهو عارف كويس إن الشقة ملكي.
وعارف إن أبويا ما دفعش فيها.
وعارف إن أي ورقة بتقول غير كده…
كذب.
فتحت الموبايل واتصلت بالمحامي.
“ياسر.”
“أيوه.”
“كريم كان شاهد على عقد الشراء.”
سكت.
“متأكد؟”
“أيوه.”
قال:
“دي نقطة مهمة جدًا.”
“ليه؟”
“لأن شهادته ممكن تهدم الرواية اللي عيلتك بتحاول تبنيها.”
سكت.
ثم قال:
“بس في حاجة تانية.”
“إيه؟”
“فيه تحويل مالي من والدك لحسابك قبل شراء الشقة.”
قلبي دق أسرع.
“إيه؟”
“المبلغ حوالي 300 ألف جنيه.”
قلت بسرعة:
“أيوه. عارفاه.”
“هو كان بيقول إن ده جزء من المقدم؟”
“لا.”
“إذن إيه تفسيره؟”
سكت.
لأنّي افتكرت.
المبلغ ده كان والدي حوله لي قبل خمس سنين.
وقال وقتها:
“دي مساعدة علشان تكملي مقدم الشقة.”
لكن بعد أسبوع، أنا رجعت له المبلغ كاملًا.
فتحت كشف الحساب.
لقيت التحويل اللي بعده.
رد المبلغ بالكامل.
بعت صورة للمحامي.
قال:
“ممتاز.”
“ليه؟”
“لأن ده يثبت إن المبلغ كان قرضًا أو مساعدة مؤقتة، مش حصة ملكية.”
قلت:
“يبقى خلاص.”
قال:
“لسه.”
“ليه؟”
“لأن عندي خبر أسوأ.”
سكت.
“والدك قدم بالفعل طلبًا للاعتراض على البيع.”
اتنفست ببطء.
“باعترض على بيع عقار لم يعد ملكي؟”
“بيحاول يقول إن البيع تم بناءً على ملكية متنازع عليها.”
ضحكت.
“بس الشقة اتسجلت باسم المشتري.”
“عارف.”
“يبقى يعمل إيه؟”
قال:
“يحاول يجمّد جزء من المبلغ.”
هنا فهمت.
هم ما كانوش عايزين الشقة بس.
كانوا عايزين الفلوس اللي جت من بيعها.
—
في اليوم التالي، صحيت على عشرات الرسائل.
من أمي.
من سارة.
من كريم.
ومن أقارب ما كنتش بكلمهم من شهور.
أمي كتبت:
“إنتِ كسرتي قلب أبوكي.”
سارة:
“إنتِ بعتِ بيتنا.”
كريم:
“هندمك على اللي عملتيه.”
آخر رسالة من أمي كانت:
“ارجعي الفلوس وإحنا ننهي الموضوع بهدوء.”
بصيت للشاشة.
وبعدين كتبت ردًا واحدًا.
:::writing{variant=”chat_message” id=”90417″ title=”رد مريم”}
أنا مش هاخد قرار يخص ملكي تحت ضغط أو . أي مطالبة قانونية يتم توجيهها للمحامي، وأي تواصل آخر بخصوص العقار هيتم من خلاله.
وبعت الرسالة.
بعد أقل من دقيقة…
أمي شافت الرسالة.
لكنها ما ردتش.
بعد عشر دقائق، وصلني اتصال من المحامي.
“مريم، افتحي بريدك الإلكتروني.”
فتحت.
كان فيه ملف جديد.
عنوانه:
إخطار قانوني عاجل.
قلت:
“وصل.”
قال:
“والدك رفع دعوى.”
سكت.
“ضدي؟”
“ضدك وضد المشتري.”
“على أساس إيه؟”
قال:
“بيطالب بإثبات إن له حق في العقار.”
“والمستند المزور؟”
“لسه بنطلب فحصه.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“لكن عندي خبر ممكن يغيّر كل حاجة.”
“إيه؟”
“في المحكمة، والدك قدم شاهدًا.”
“مين؟”
قال اسمًا خلاني أحس إن الأرض اتحركت تحت رجلي.
كريم.
جوز سارة.
الشخص اللي كان قاعد على سفرتنا ليلة العيد.
الشخص اللي ضحك وهو بيرمي كرتونة على طبقي.
الشخص اللي قال لي إن الشقة هتكون بيتهم.
الشخص اللي كان يعرف الحقيقة كاملة.
قال المحامي:
“كريم بيقول إن والدك دفع جزءًا كبيرًا من ثمن الشقة.”
قفلت عيني.
كنت غاضبة.
لكنّي ما كنتش مصدومة.
لأنّي فهمت أخيرًا ليه كريم كان مستعجل يدخل الشقة.
وليه كان عايز يسجل عنوان شركته عليها.
وليه كان بيحاول يتصرف كأنه صاحب البيت.
كان عنده خطة.
لكن اللي ما كانش يعرفه…
إنّي كنت محتفظة بنسخة من كاميرا المراقبة القديمة في مدخل العمارة.
وكان فيها تسجيل…
ليوم شراء الشقة.
والشخص اللي ظهر في التسجيل وهو بيستلم مني ظرفًا ماليًا كبيرًا…
كان كريم نفسه.
لكن الظرف ده لم يكن ثمن الشقة.
كان شيئًا آخر تمامًا.
شيئًا لو ظهر أمام المحكمة…
ممكن يقلب القضية كلها.
فتحت الملف القديم.
وشغلت التسجيل.
ثم سمعت صوت كريم بوضوح وهو بيقول:
“ما تقلقيش يا مريم… أنا هخلصلك الموضوع ومحدش هيعرف.”
وقفت التسجيل.
وبصيت للشاشة.
كنت أخيرًا أملك الدليل الذي يمكن أن يكشف لماذا كانوا جميعًا يريدون الشقة.
:::
فضلت باصة للشاشة كام ثانية.
صوت كريم كان واضح.
لكن الجملة وحدها ما كانتش كفاية.
كان لازم أعرف بالضبط إيه اللي كان قصده.
رجعت التسجيل من أوله.
الفيديو كان من كاميرا مدخل العمارة القديمة.
التاريخ ظاهر على الشاشة.
قبل شراء الشقة بأيام.
ظهر كريم وهو واقف معايا جنب عربيتي.
كان لابس نفس الجاكيت اللي كان بيلبسه وقتها.
وفي إيده ظرف بني.
أنا في التسجيل كنت بقول له:
“ده آخر مبلغ ناقص.”
رد كريم:
“تمام. هسلمه للمكتب.”
قلت:
“والموضوع هيخلص إمتى؟”
قال:
“خلال يومين.”
ثم قرب مني وقال:
“بس خلي الموضوع بيني وبينك. ماما وبابا مش لازم يعرفوا.”
وقفت الفيديو.
إذن المبلغ اللي استلمه كريم لم يكن من والدي.
كان جزءًا من فلوس الشقة.
لكن لماذا كنت قد أعطيته له؟
افتكرت فجأة.
قبل شراء الشقة، كان كريم يعمل مع مكتب عقارات.
هو الذي ساعدني في الوصول إلى البائع.
وقال لي وقتها إنه يستطيع إنهاء الإجراءات بسرعة.
كنت أعتبره زوج أختي، وثقت فيه.
لكن بعد شراء الشقة، اختفى من الموضوع تمامًا.
وقتها ما فكرتش كتير.
دلوقتي فهمت.
هو كان يعرف تفاصيل الشراء من البداية.
وكان يعرف بالضبط إن الشقة ملكي.
ومع ذلك…
شهد ضدّي.
اتصلت بالمحامي فورًا.
“ياسر، لقيت التسجيل.”
“إيه اللي فيه؟”
شرحت له.
سكت ثواني.
ثم قال:
“احتفظي بالنسخة الأصلية. ما تبعتيهاش لحد.”
“ليه؟”
“لأننا هنقدمها بالطريقة القانونية الصحيحة.”
ثم سأل:
“فيه حاجة تانية؟”
بصيت للكمبيوتر.
“أيوه.”
قلت:
“هراجع كل تعاملاتي مع كريم.”
—
فتحت بريدي الإلكتروني القديم.
بدأت أبحث باسم كريم.
رسالة وراء رسالة.
وبعد حوالي عشرين دقيقة، لقيت حاجة أخطر من التسجيل.
إيميل قديم منه.
كان بتاريخ قبل شراء الشقة بأسبوع.
العنوان:
“مستندات المشتري.”
فتحته.
كان فيه مرفق.
صورة البطاقة بتاعتي.
وصورة إيصال تحويل المقدم.
وتحتهم رسالة قصيرة:
“كل المستندات وصلت. الشقة هتتسجل باسم مريم فقط حسب طلبها.”
وقتها فهمت إن كريم ما يقدرش يدعي إنه ما كانش عارف.
هو كان عنده نسخة من كل حاجة.
اتصلت بالمحامي.
“ياسر، عندي إيميل.”
“ابعتِه.”
“هبعته لك.”
بعد دقائق قال:
“ده مهم جدًا.”
ثم سكت.
“لكن عندي سؤال.”
“إيه؟”
“ليه كريم كان بيحاول يثبت إن والدك دفع ثمن الشقة، بينما هو بنفسه عنده مستندات تثبت إنها باسمك؟”
قلت:
“علشان الشقة مش الهدف.”
“إذن إيه الهدف؟”
سكت.
ثم قلت:
“الفلوس.”
—
في نفس اليوم، طلب المحامي من البنك كشفًا تفصيليًا لكل التحويلات المرتبطة بعملية الشراء.
بعد ساعات وصل الملف.
فتحناه معًا.
ظهر التحويل الأول.
المبلغ الأساسي للشقة.
ثم رسوم التسجيل.
ثم أتعاب المكتب.
وبعدين…
تحويل صغير من حساب كريم إلى حساب والدي.
تاريخ التحويل كان بعد شراء الشقة بثلاثة أيام.
قلت:
“ده إيه؟”
المحامي قال:
“دي نقطة لازم نفهمها.”
فتشت في رسائلي.
وبعد دقائق لقيت رسالة من كريم في نفس اليوم.
“اعتبري الموضوع خلص.”
ما كنتش فاهمة وقتها.
دلوقتي كل حاجة بدأت تركب.
كريم أخذ مني المال بحجة إنهاء إجراءات.
ثم حوّل جزءًا منه لأبي.
وبعدها، بعد سنوات، ظهر المستند اللي بيقول إن أبي ساهم في شراء الشقة.
لكن لو كان فعلاً دفع ثمن الشقة…
ليه الفلوس راحت من كريم لأبي بعد الشراء؟
المحامي قال:
“مريم، إحنا محتاجين نعرف بالضبط إيه اللي حصل في اليوم ده.”
—
في المساء، جالي اتصال من سارة.
رديت.
كانت بتبكي.
“مريم… أنا ما كنتش عارفة.”
سكت.
“عارفة إيه؟”
قالت:
“إن بابا وماما ناويين يعملوا كده.”
“إيه اللي ناويين يعملوه؟”
قالت:
“يقولوا إن الشقة كانت بتاعت العيلة.”
سكت.
ثم سألتها:
“وكريم؟”
صمتت.
“سارة، كريم كان عارف.”
قالت:
“هو قال لي إن الموضوع مجرد إجراء.”
ضحكت بمرارة.
“إجراء؟”
“قال إن بابا عنده حق في الشقة وإنك هتتنازلي عنها.”
“ومصدقاه؟”
قالت بصوت ضعيف:
“أنا… كنت مصدقاه.”
ثم بدأت تبكي.
“أنا آسفة.”
سكت.
ثم قلت:
“سارة، أنا مش محتاجة اعتذار دلوقتي.”
“أمال محتاجة إيه؟”
قلت:
“الحقيقة.”
سكتت.
قلت:
“إنتِ كنتِ عارفة إنهم بيجهزوا أوراق؟”
“لا.”
“كريم كان عارف؟”
صمت طويل.
ثم قالت:
“أيوه.”
قفلت عيني.
“من إمتى؟”
قالت:
“من شهور.”
—
في اليوم التالي، حصلت المواجهة.
مش في البيت.
ولا على السفرة.
لكن في مكتب المحامي.
أبويا وأمي حضروا.
وكريم كان معاهم.
أول ما دخلت، أمي قالت:
“مريم، إحنا مش جايين نحاربك.”
بصيت لها.
“أمال جايين ليه؟”
أبويا قال:
“علشان نصلح اللي حصل.”
وضعت الملف على الطاولة.
“قبل ما نصلح، لازم نعرف مين كذب.”
كريم بدأ يتوتر.
قلت:
“أنت قلت للمحكمة إن بابا دفع جزء من ثمن الشقة.”
ما ردش.
فتحت اللابتوب.
شغلت التسجيل.
ظهر كريم على الشاشة.
صوته ملأ الغرفة.
“أنا هسلمه للمكتب.”
أمي بصت له.
أبويا اتجمد.
كريم قال بسرعة:
“الفيديو ده مش كامل!”
قلت:
“صحيح.”
ثم فتحت الإيميل.
“لكن ده كامل.”
عرضت المستندات.
ثم كشف التحويل البنكي.
ثم رسالة كريم.
المحامي كان واقف بجانبي.
قال:
“لدينا الآن سلسلة مستندات مترابطة تحتاج إلى تفسير.”
أبويا بص لكريم.
“إنت قلت لي إن مريم كانت موافقة.”
كريم رد:
“أنا…”
أمي صرخت:
“إنت قلت لنا إن الورق كله سليم!”
كريم بدأ يبرر.
“أنا كنت بحاول أحل المشكلة.”




