قصص وروايات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

بصيت له.

“أي مشكلة؟”

سكت.

ثم قال:

“أبوكي كان شايف إنك أنانية.”

ضحكت.

“يعني قررتوا تسرقوا ملكي علشان شايفيني أنانية؟”

أبويا ضرب إيده على الطاولة.

“اختاري كلامك!”

المحامي تدخل فورًا.

“لو سمحت.”

سكت الجميع.

ثم قال:

“في نقطة أخيرة.”

فتح ملفًا جديدًا.

“المستند اللي قُدم لإثبات ملكية والد مريم…”

قلب الصفحة.

“تقرير الفحص الأولي بيشير إلى إن التوقيع الموجود عليه غير مطابق لتوقيع مريم.”

أمي شهقت.

كريم بص للأرض.

أما أبويا…

فما اتكلمش.

سألته:

“مين عمل المستند ده؟”

قال:

“أنا ما أعرفش.”

المحامي قال:

“إذن المحكمة ستقرر ذلك.”

خرجنا من المكتب.

لكن قبل ما أركب عربيتي، سمعت صوت سارة.

“مريم.”

لفيت.

كانت واقفة لوحدها.

قالت:

“كريم عايز يطلقني.”

سكت.

ثم قالت:

“ولما واجهته… اعترف بحاجة.”

بصيت لها.

“إيه؟”

قالت:

“إن الشقة ما كانتش الهدف الوحيد.”

قلبي اتقبض.

“أمال إيه؟”

قربت مني وقالت بصوت منخفض:

“كان فيه مشروع تجاري كبير… وكريم كان محتاج عنوان الشقة واسمك علشان يقدر يدخل مستثمرين كبار.”

سكت.

“ولو فشل…”

قالت:

“كان ناوي يستخدم ملكيتك كضمان لقرض.”

اتجمدت مكاني.

يعني الشقة لم تكن مجرد بيت يريدون أخذه.

كانوا يريدون استخدامها في صفقة مالية أكبر بكثير.

وفجأة، فهمت ليه كريم كان مستعجل.

وليه كان مصر على عنوان الشقة.

وليه كانوا عايزين ينهوا كل شيء قبل نهاية السنة.

لكن سارة أمسكت إيدي وقالت:

“مريم… لسه فيه حاجة ما قلتهاش.”

بصيت لها.

قالت:

“كريم مش هو اللي بدأ الخطة.”

“مين؟”

نظرت خلفها.

ثم قالت:

“ماما.”

وسكتت لحظة.

“وأنا شفت بعيني أول ورقة كانت ماما كاتباها قبل ما تكلم كريم.”

ثم أضافت:

“والورقة دي فيها اسم شخص تاني من العيلة… كان بيساعدها من البداية.”
بصيت لسارة ومش مصدقة.

“اسم مين؟”

سارة كانت مترددة، وكأنها خايفة من الإجابة نفسها.

قالت بصوت واطي:

“خالنا سامح.”

سكت.

سامح.

أخو أمي.

الرجل اللي طول عمره بيتكلم عن العيلة وكأنه كبيرها.

واللي كان دائمًا بيظهر في كل مشكلة ويقول:

“أنا مش بتدخل… أنا بس بحاول أصلح.”

ضحكت بسخرية.

“إنتِ متأكدة؟”

هزت راسها.

“أنا شفت الورقة بنفسي.”

“إيه اللي كان مكتوب فيها؟”

قالت:

“ماما كانت كاتبة أسماء الممتلكات اللي باسمك، وقيمة كل حاجة تقريبًا.”

اتسعت عيني.

“كل الممتلكات؟”

“أيوه.”

“ليه؟”

سارة بلعت ريقها.

“علشان كانوا بيدوروا على طريقة يطلعوا بيها فلوس من غير ما حد يعرف.”

سكت.

ثم سألت:

“وإنتِ عرفتي الكلام ده إمتى؟”

قالت:

“من حوالي شهرين.”

بصيت لها بغضب.

“وسكتّي؟”

بدأت تبكي.

“كنت خايفة.”

“خايفة من مين؟”

“من كريم… ومن ماما.”

سكتنا.

ثم قلت:

“فين الورقة؟”

قالت:

“في بيت ماما.”

—

رجعت شقتي وأنا مش قادرة أركز.

فتحت الكمبيوتر وبدأت أراجع كل حاجة.

شغلي علمني حاجة مهمة:

الفلوس دايمًا بتسيب أثر.

الناس ممكن تكذب.

لكن الحسابات البنكية صعب تكذب.

بدأت أراجع أي تحويلات غريبة حصلت في العيلة.

واكتشفت إن كريم كان محول مبالغ صغيرة على مدار شهور لشركة باسم مختلف.

الشركة دي ما كانتش باسم كريم.

لكن لما بحثت في السجل التجاري، اكتشفت إن أحد الشركاء فيها…

خالنا سامح.

قلبي دق بسرعة.

اتصلت بالمحامي.

“ياسر، محتاجة أضيف اسم جديد للقضية.”

“مين؟”

“سامح الشاذلي.”

سكت.

“عندك دليل؟”

“لسه.”

“إذن ما نتحركش قبل ما نتأكد.”

قلت:

“هتأكد.”

—

في اليوم التالي، وصلتني رسالة من رقم مجهول.

“لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي لوحدك على القهوة اللي جنب محطة سيدي جابر الساعة 6.”

ما كانش مكتوب اسم.

كنت عارفة إن ده ممكن يكون فخ.

لكن الفضول غلبني.

روحت.

قعدت في مكان قريب من الباب.

بعد حوالي عشر دقائق، دخل رجل في الخمسينيات.

عرفته فورًا.

كان عم صابر، موظف سابق في مكتب العقارات اللي اشترينا عن طريقه الشقة.

قعد قدامي.

وقال:

“أنا آسف إني اتأخرت.”

“اتأخرت في إيه؟”

حط ظرف بني على الطاولة.

“في إنّي أقول لك الحقيقة.”

فتحت الظرف.

لقيت صورًا لمستندات.

واحدة منها كانت صورة من عقد الشقة.

والتانية…

ورقة عليها توقيع أمي.

قلت:

“دي إيه؟”

قال:

“قبل ما تشتري الشقة بأسبوع، والدتك وأخوها جم المكتب.”

رفعت عيني.

“ليه؟”

قال:

“كانوا بيسألوا عن طريقة نقل ملكية الشقة باسمك، مع الاحتفاظ بحق مالي فيها.”

“يعني؟”

“كانوا عايزين يعرفوا هل ممكن بعد تسجيلها باسمك يقدروا يستخدموها كضمان لقرض.”

سكت.

“وإنت قلت لهم إيه؟”

قال:

“قلت لهم لا، إلا بموافقتك وتوقيعك.”

فتحت الصورة الثانية.

“إيه الورقة دي؟”

قال:

“دي مذكرة داخلية.”

قريتها.

وكان مكتوب فيها إن والدتي طلبت معرفة تفاصيل العقار وقيمته السوقية، وإنها سألت تحديدًا عن إمكانية استخدام العقار كضمان لتمويل تجاري.

بصيت له.

“ليه ما قلتليش وقتها؟”

خفض عينيه.

“لأن والدتك قالت لي إنك عارفة.”

ضحكت.

“طبعًا.”

ثم سألته:

“بس إيه علاقة خالي سامح؟”

قال:

“هو اللي كان بيدير الموضوع.”

سكت.

ثم أضاف:

“وكمان فيه حاجة لازم تعرفيها.”

“إيه؟”

قال:

“المبلغ اللي كريم حوله لوالدك بعد شراء الشقة…”

توقفت.

“أيوه؟”

قال:

“ما كانش فلوسه.”

“أمال فلوس مين؟”

بص حواليه.

ثم قال:

“فلوس شركة سامح.”

—

رجعت للمحامي بكل المستندات.

قعد يراجعها ورقة ورقة.

بعد حوالي نصف ساعة، قال:

“مريم، الموضوع بقى أخطر من نزاع عائلي.”

“عارفة.”

“فيه احتمال إنهم كانوا بيخططوا لاستخدام اسمك وعقارك في تمويل.”

“من غير علمي؟”

“لو المستندات دي صحيحة، آه.”

قلت:

“طيب نعمل إيه؟”

قال:

“نقدم كل شيء للجهات المختصة، ونطلب فحص التوقيعات والمعاملات.”

هزيت راسي.

“اعمل كده.”

—

في المساء، رجعت البيت.

لقيت أمي مستنياني قدام الباب.

قالت:

“إنتِ بتكبري الموضوع ليه؟”

قلت:

“أنا؟”

“أيوه.”

“إنتِ اللي عملتي ورق مزور.”

صرخت:

“إنتِ ما عندكيش دليل!”

بصيت لها.

“متأكدة؟”

سكتت.

ثم قالت:

“إحنا عيلة.”

قلت:

“العيلة مش معناها إنكم تاخدوا حقي.”

قالت:

“إحنا كنا بنحمي سارة وأولادها.”

“باستخدام شقتي؟”

“إنتِ مش محتاجاها!”

ضحكت.

“وده بيديكم الحق؟”

سكتت.

ثم قالت:

“لو كنتِ وافقتي من البداية، ما كانش حصل كل ده.”

قلت:

“ولو أنتم طلبتوا مني، كنت ممكن أساعد.”

ثم قربت منها.

“لكنكم قررتوا تاخدوا من غير ما تسألوا.”

وشها اتغير.

قالت:

“إنتِ هتندمي.”

قلت:

“يمكن.”

ثم فتحت باب عربيتي.

“بس على الأقل الندم هيكون على قراراتي أنا.”

ركبت.

لكن قبل ما أشغل المحرك، سمعت صوتها:

“مريم!”

بصيت لها.

قالت:

“إنتِ مش عارفة مين اللي هتخسريه.”

ابتسمت.

“أنا خسرتكم من زمان.”

ومشيت.

—

بعد يومين، المحامي اتصل بيا.

“مريم.”

“أيوه.”

“تقرير الخبير وصل.”

قلبي دق.

“والتوقيع؟”

قال:

“مزور.”

سكت.

“متأكد؟”

“الخبير أكد إن التوقيع الموجود على المستند ليس توقيعك.”

أغمضت عيني.

ثم سألته:

“ومين قدم المستند؟”

قال:

“والدك.”

ثم سكت لحظة.

“لكن ده مش أهم خبر.”

“إيه الأهم؟”

قال:

“التحقيق اكتشف إن الورقة اتجهزت قبل حفلة العيد بأسبوعين.”

“يعني قبل ما أمي تعلن إنهم هياخدوا الشقة؟”

“بالضبط.”

ثم قال:

“وفيه اسم موجود على ملف إنشاء المستند.”

سألته:

“مين؟”

قال:

“خالِك سامح.”

لكن قبل ما أستوعب، أضاف:

“وفيه مفاجأة أكبر.”

“إيه؟”

قال:

“سامح مش مجرد شخص ساعدهم.”

سكت.

“إحنا اكتشفنا إن الشركة اللي كانت ناوية تستخدم الشقة كضمان… مرتبطة مباشرة بوالدك.”

اتجمدت.

“بابا؟”

“أيوه.”

ثم قال:

“والأغرب إن فيه مستند يثبت إنهم كانوا بيخططوا لتحويل ملكية الشقة إلى شركة قبل نهاية السنة.”

سألته:

“باسمي؟”

قال:

“لا.”

“باسم مين؟”

جاء صوته هادئًا:

“باسم شركة لا تملكينها أصلًا… لكن والدك كان أحد مؤسسيها.”

سكت.

وفي اللحظة دي، فهمت إن العيلة ما كانتش بتحاول تدي شقتي لسارة.

كانوا بيستخدموا سارة كواجهة لخطة أكبر بكثير.

والآن…

كان لازم أعرف:

إيه المشروع اللي كانوا محتاجين شقتي علشانه؟
المحامي كان لسه على الخط لما سألته:

“يعني إيه شركة بابا أحد مؤسسيها؟”

قال:

“يعني والدك وخالك سامح وشخص ثالث أسسوا شركة من حوالي سنة ونصف.”

“وشخص ثالث مين؟”

سكت لحظة.

“كريم.”

حسيت إني مش قادرة أتكلم.

كريم؟

جوز أختي؟

الرجل اللي كان قاعد على سفرة العيلة وبيمثل إنه مجرد واحد بيحاول يوفر بيت لأولاده؟

قال المحامي:

“والشركة كانت محتاجة تمويل كبير.”

“قد إيه؟”

ذكر الرقم.

حسيت إن الدم اتسحب من وشي.

المبلغ كان ضخمًا جدًا.

قلت:

“وإيه علاقة شقتي؟”

قال:

“العقار كان هيستخدم كضمان للحصول على التمويل.”

سكت.

ثم قلت:

“من غير توقيعي؟”

“علشان كده عملوا المستند.”

فهمت أخيرًا.

الاحتفال.

إعلان أمي.

ضغطهم عليّ.

الكرتونة اللي رماها كريم قدامي.

كل حاجة كانت جزءًا من مسرحية واحدة.

هم ما كانوش محتاجين الشقة علشان سارة وأولادها.

كانوا محتاجين ملكيتي علشان ينقذوا مشروعهم.

—

لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر يخرج من دماغي.

“طيب ليه كانوا عايزين يخلوني أخرج من الشقة قبل نهاية السنة؟”

المحامي رد:

“علشان الشركة كانت محتاجة تسجيل الضمان قبل موعد معين.”

سكت.

“ولو فشلوا؟”

قال:

“التمويل ممكن يضيع.”

هنا فهمت ليه أمي كانت مستعجلة.

ليه قالت “قبل رأس السنة”.

ليه كانوا عايزين كل حاجة تحصل في كام يوم.

وليه كريم كان بيتصرف كأن الشقة بقت ملكه بالفعل.

—

في نفس الليلة، اتصلت بسارة.

ردت بعد وقت طويل.

“ألو؟”

“سارة، محتاجة أسألك سؤال.”

“اتفضلي.”

“إنتِ كنتِ عارفة إن كريم شريك في الشركة؟”

سكتت.

“سارة.”

قالت بصوت مكسور:

“عرفت من شهر.”

“وليه ما قولتيليش؟”

“كنت فاكرة إنهم هيحلوا الموضوع.”

“أي موضوع؟”

بدأت تبكي.

“الشركة عليها ديون.”

سكت.

“كريم كان بيقول إن لو التمويل ما تمش، كل حاجة هتضيع.”

قلت:

“فقرروا ياخدوا شقتي.”

“هو قال إنك هتوافقي.”

ضحكت بمرارة.

“طبعًا.”

قالت:

“كان بيقول إن ماما هتقنعك.”

“وماما كانت عارفة.”

“أيوه.”

“وبابا؟”

“كان هو اللي بيتابع مع سامح.”

سكتنا.

ثم قالت:

“أنا آسفة.”

قلت:

“مش وقت الاعتذار.”

“أمال إمتى؟”

قلت:

“وقت الحقيقة.”

ثم سألتها:

“فين أوراق الشركة؟”

قالت:

“عند كريم.”

“وفيه نسخة عند بابا.”

“متأكدة؟”

“أيوه.”

قفلت المكالمة.

—

في اليوم التالي، ذهبت مع المحامي إلى الجهة المختصة لتقديم المستندات.

قدمت:

– عقد شراء الشقة.
– التحويلات البنكية.
– الإيميلات.
– تسجيل الكاميرا.
– تقرير فحص التوقيع.
– المستند الذي يثبت وجود الشركة.
– ما يربط الشركة بوالدي وخالي وكريم.

لكن كان فيه مستند واحد ناقص.

الأصل الذي يثبت خطة استخدام الشقة كضمان.

المحامي قال:

“لو حصلنا عليه، الصورة هتكتمل.”

قلت:

“هجيبه.”

—

في المساء، اتصل بي خالي سامح.

صوته كان هادئًا بشكل غريب.

“مريم، لازم نتكلم.”

“اتفضل.”

“اللي حصل كبر أكتر من اللازم.”

“إنت شايف كده؟”

“إحنا عيلة.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى