روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

الجزء الثاني: «إنتِ عملتي إيه؟!»

في صباح اليوم التالي، صحيت على صوت بنتي ليلى وهي بتعيط بهدوء، فمديت إيدي وشيلتها من سريرها الصغير اللي أختي دينا جهزته لها جنب سريري.

كنت لسه تعبانة من الولادة، وجسمي محتاج راحة، لكن اللي حصل امبارح كان أكبر من إني أقدر أنساه أو أتعامل معاه كأنه موقف عابر.

جوزي قفل باب بيتي في وشي، وأنا لسه والدة من تلات أيام!

والأسوأ إنه عمل كده وهو عارف إني مش هقدر أتحرك بسهولة، وإن وجود بنتي الصغيرة معايا هيخليني في موقف صعب.

لكن مازن كان فاهمني غلط.

هو افتكر إن تعبي هيخليني أستسلم، وإن خوفي على بنتي هيخليني أتنازل عن حقي عشان أحافظ على هدوء حياتي.

ما كانش يعرف إن اللحظة اللي وقفني فيها بره بيتي كانت هي نفسها اللحظة اللي خلتني أشوفه على حقيقته لأول مرة.

رن تليفوني.

كانت المحامية نهى.

رديت فورًا:
— صباح الخير يا نهى.

قالت من غير مقدمات:
— صباح الخير يا تالا. أنا راجعت أوراق القصر كلها، وعايزة أطمنك إن موقفك القانوني قوي جدًا.

اتعدلت في مكاني، وسألتها:
— يعني أقدر أرجع بيتي؟

— من حيث الملكية، القصر باسمك وحدك، ومازن ملوش أي حق ينقل الملكية لنفسه لمجرد إنكم متجوزين. لكن موضوع تغيير الأقفال ومنعك من الدخول محتاج نتعامل معاه بالطريقة القانونية المناسبة، عشان ما نديهوش فرصة يقلب الموقف ضدك.

سكتت لحظة، ثم أضافت:
— والأهم من ده كله، أنا راجعت اتفاق ما قبل الزواج، ولقيت بند لازم نتكلم عنه.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

— بند إيه؟

— البند اللي بيوضح إن الممتلكات اللي كانت مملوكة لأي طرف قبل الزواج بتفضل ملكه وحده، وإن أي محاولة لتقديم معلومات غير صحيحة عن الملكية أو التصرف في الممتلكات المشتركة تخضع للمراجعة القانونية وفقًا للعقد والقانون.

غمضت عيني وأنا بأستوعب كلامها.

قلت:
— يعني كل اللي كان بيقوله عن إن القصر بقى من حقه كان مجرد كلام؟

ردت بحزم:
— بالضبط. لكن عندي سؤال أهم: هل مازن كان بيحاول يبيع القصر أو ينقل ملكيته لحد تاني؟

افتكرت تصرفاته في الشهور الأخيرة.

إصراره الغريب على معرفة قيمة العقارات اللي أملكها، وأسئلته المتكررة عن المستندات، ومحاولاته إنه يقنعني أضيف اسمه في بعض الأوراق بحجة إننا عيلة واحدة.

وقتها كنت فاكرة إنه بيفكر في مستقبلنا.

لكن بعد اللي حصل، بدأت أشك إن الموضوع كان أكبر من مجرد رغبة في المشاركة.

قلت لها:
— مش عارفة إذا كان حاول يبيعه فعلًا، لكن من فترة كان بيسألني كتير عن أوراق الملكية، وكان مصر إني أعمل توكيل عام ليه عشان يقدر يتصرف في بعض الأمور بدلًا مني.

نهى سكتت لثوانٍ.

ثم سألت:
— وإنتِ وافقتِ؟

— لأ. قلت له إن أي حاجة تخص ممتلكاتي هفضل أتابعها بنفسي، ولو احتجنا توكيل في موضوع معين، هنعمله بشكل محدد.

سمعتها بتتنفس براحة.

— كويس جدًا. احتفظي بكل الرسائل اللي بينكم، وما تمسحيش أي حاجة. وأنا هطلب مراجعة أي معاملات تخص القصر تمت من غير علمك، وهنشوف إذا كان فيه أي إجراء اتاخد بالفعل.

بعد ما قفلت المكالمة، فضلت أفكر في كلامها.

لأول مرة، بدأت أربط بين تصرفات مازن القديمة واللي حصل امبارح.

ليه كان مستعجل يعرف كل تفاصيل أملاكي؟

وليه كان بيتضايق كل مرة أرفض أضيف اسمه في الأوراق؟

وليه أمه كانت بتتكلم عن القصر كأنها صاحبة الحق في تقرير مين يعيش فيه ومين يمشي؟

أسئلة كتير بدأت تظهر في دماغي، لكن ما كانش عندي دليل يخليني أتهمه بحاجة أكبر من اللي عمله بالفعل.

قررت إني مش هقفز لأي استنتاج.

هسيب المستندات تتكلم.

في نفس الوقت، كان مازن قاعد في جناح فندقي فاخر في شرم الشيخ، وأمه سعاد جنبه، بتشرب قهوتها وبتراجع صور الرحلة على موبايلها.

كانت مبسوطة جدًا بالسفر، وبتتكلم عن القصر كأنها خلاص رتبت مستقبل العيلة كله.

قالت وهي بتقلب في الصور:
— بصراحة يا مازن، أنا مش عارفة إنت استحملت كل ده إزاي. مراتك لازم تفهم إن الجواز معناه إن فيه حاجات بتتغير، وإنها مش هتفضل عايشة كأنها لوحدها طول العمر.

مازن ابتسم وقال:
— ما تقلقيش يا أمي. أنا بدأت أحط الأمور في نصابها.

سألته:
— يعني إيه؟

رد بثقة:
— غيّرت كود الباب، ومش هقدر أسمح إن كل حاجة تفضل ماشية على مزاج تالا. القصر ده لازم يبقى بيت العيلة فعلًا، مش مجرد مكان هي اللي بتقرر فيه كل حاجة.

سعاد هزت راسها بإعجاب.

— أخيرًا بدأت تتصرف كرجل البيت.

ضحك مازن، ورفع فنجان القهوة.

لكن قبل ما يكمل كلامه، موبايله رن.

كان اسم تالا ظاهر على الشاشة.

بص للاسم، وبعدين ابتسم بسخرية.

— أهو، شكلها بدأت تفهم إنها محتاجاني.

رد على المكالمة، وقال بنبرة متعالية:
— أيوه يا تالا، خير؟ أخيرًا قررتِ نتكلم بعقل؟

لكن الصوت اللي سمعه ما كانش صوت تالا.

كانت المحامية نهى.

قالت بهدوء:
— صباح الخير يا أستاذ مازن. أنا الأستاذة نهى، المحامية المسؤولة عن الشؤون القانونية الخاصة بالأستاذة تالا.

ملامح مازن اتغيرت.

— خير؟ فيه إيه؟

— بتواصل مع حضرتك بخصوص العقار المملوك لموكلتي، واللي حصل عند مدخله امبارح.

ضحك باستخفاف.

— القصر بيتي أنا كمان، وأنا حر أغيّر الكود زي ما أنا عايز.

ردت نهى من غير ما ترفع صوتها:
— للتوضيح، العقار مسجل باسم موكلتي وحدها، ومستندات الملكية واتفاق ما قبل الزواج بتؤكد ده. تغيير كود الدخول لا يمنحك أي حق في الملكية، ومنعها من الدخول قد يترتب عليه إجراءات قانونية بحسب تفاصيل الواقعة.

اختفت الابتسامة من وشه.

بص لأمه، اللي كانت بتحاول تفهم هو بيسمع إيه.

قال بعصبية:
— إنتِ بتهدديني؟

ردت:
— أنا بوضح لحضرتك الوضع القانوني، وبطلب منك عدم اتخاذ أي إجراء يخص العقار أو ممتلكات موكلتي من غير موافقتها. وأي تواصل بخصوص المسألة دي يفضل يكون من خلال المكاتب القانونية.

مازن ضغط على أسنانه.

— تالا هي اللي طلبت منك تكلميني؟

— نعم، وأنا بتواصل مع حضرتك بصفتي محاميتها.

— تمام. خليها تعرف إني مش هسمح لها تبيع البيت أو تتصرف فيه من ورايا!

نهى ردت بهدوء:
— إذا كان العقار مملوكًا لها وحدها، فالتصرف فيه يخضع للقانون والمستندات المنظمة لملكيته. وأي اعتراض من حضرتك لازم يكون له أساس قانوني واضح.

ثم أنهت المكالمة.

مازن فضل باصص للموبايل كأنه مش مصدق اللي سمعه.

أمه قربت منه وسألته:
— مين دي؟ وإيه حكاية إن القصر باسم تالا وحدها؟

رد بعصبية:
— محاميتها. فاكرة نفسها تقدر تخوفني بكلمتين قانون!

لكن سعاد ما كانتش مطمنة.

قالت:
— استنى يا مازن. إنت قلت لي إن القصر بتاعكم، وإنك هتقدر تتصرف فيه لو احتجت.

لف وشه ناحيتها بسرعة.

السابق1 من 8
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى