
نهى ابتسمت بحزن.
— وعلشان بتحبيه، قررتي تحرميه من ولاده خمس سنين؟
سالي بصت لها بغضب.
— إنتِ السبب! إنتِ اللي كنتِ واخدة كل حاجة! الشركة، البيت، حبه، ومستقبله! أنا كنت مجرد سكرتيرة بالنسباله، مهما عملت!
ردت نهى بثبات:
— أنا ما أخدتش منك حاجة. إنتِ اللي قررتي تاخدي حياتي كلها بالكذب.
فارس كان حاسس إنه مش قادر يقف على رجليه.
لكن فجأة، افتكر حاجة مهمة.
الشخص اللي كان بيساعده في إدارة الشركة وقت الطلاق، وكان الوحيد اللي عنده صلاحية الاطلاع على المراسلات السرية، هو ماجد، ابن عمه وشريكه في العمل.
ماجد هو اللي أكد له وقتها إن نهى بتسرّب أسرار الشركة.
وهو اللي نصحه يطلقها بسرعة قبل ما تخرب مستقبله.
وهو نفسه اللي شهد قدامه إن الصور والرسائل حقيقية.
رفع فارس عينيه ناحية نهى.
— إنتِ قلتي إن فيه شخص تاني ساعد سالي. تقصدي ماجد؟
نهى ما ردتش بالكلام.
بدلًا من كده، طلعت ورقة أخيرة من الظرف، ومدتها له.
كانت صورة من مستند مالي قديم، عليه توقيع ماجد، وتحويلات مالية تمت لحساب شركة منافسة في نفس الفترة اللي اتهموا فيها نهى بتسريب المعلومات.
وفي أسفل المستند، كان فيه سطر مكتوب بخط اليد:
«بعد خروج نهى من الشركة، كل حاجة هتبقى أسهل.»
فارس حس إن قلبه وقع.
ماجد ما كانش مجرد ابن عمه.
كان الشخص اللي ائتمنه على أسرار شركته، وعلى أمواله، وعلى مستقبله.
قال فارس بصوت مخنوق:
— مستحيل… ماجد ما يعملش كده.
نهى ردت بهدوء:
— أنا قلت لنفسي نفس الكلام. لحد ما لقيت الدليل.
سالي كانت واقفة بتترعش، وبتبص للورقة وكأنها شايفة كابوس.
وفجأة، رن تليفون فارس.
كان اسم ماجد ظاهر على الشاشة.
رد فارس، وشغّل مكبر الصوت.
جاءه صوت ابن عمه مرحًا كعادته:
— صباح الخير يا فارس! أنا في الطريق للفندق. محتاجك تمضي على شوية أوراق قبل الاجتماع. بالمناسبة، سالي معاك؟ مش بترد عليّا من الصبح.
فارس بص لسالي، وبعدها قال بهدوء غريب:
— أيوه، سالي معايا. وعندي هنا ضيوف مهمين جدًا، في ناس بقالها خمس سنين مستنياك.
سكت ماجد للحظة.
— مين الناس دول؟
فارس قرب التليفون من الورقة اللي في إيده، وكأنه عايز صوته يوصل لكل كلمة.
— نهى… وياسين وآدم.
ساد الصمت على الطرف التاني.
صمت طويل، أطول من أي رد ممكن يتوقعه فارس.
وبعدين سمع صوت ماجد متوترًا:
— فارس، اسمعني كويس… ما تسمحش لنهى إنها تقرب من ملفات الشركة. الست دي خطيرة، وإنت مش عارف هي رجعت ليه!
فارس قبض على التليفون.
— غريبة إنك عرفت إنها رجعت قبل ما أحكيلك أي حاجة عن اللي حصل.
ماجد ما ردش.
وبعد ثوانٍ، قفل المكالمة فجأة.
فارس فضّل باصص للشاشة، وعقله بيجمع كل الخيوط اللي كانت متفرقة قدامه.
لكن نهى قالت له جملة خلته ينسى كل حاجة تانية:
— فارس، أنا ما رجعتش بس عشان تعرف إن ياسين وآدم ولادك. أنا رجعت لأن ماجد بيحاول يبيع الفندق بتاعك من وراك، وعندي دليل إن الصفقة دي مرتبطة بنفس الكذبة اللي دمّرت جوازنا.
اتسعت عينا فارس.
— إيه؟! يبيع الفندق إزاي؟ الفندق باسمي!
نهى بصت له مباشرة وقالت:
— لأن فيه توكيل قديم إنت وقّعته من خمس سنين، وماجد استخدمه عشان يعمل حاجات إنت ما تعرفش عنها أي حاجة.
وبعدين طلعت من شنطتها فلاشة صغيرة، وحطتها على الطاولة قدامه.
— كل حاجة مسجلة هنا. التحويلات، والمراسلات، وحتى تسجيل صوتي لسالي وهي بتتكلم مع ماجد عن اللي حصل ليلة طلاقنا.
فارس مد إيده ناحية الفلاشة.
لكن قبل ما يلمسها، قالت نهى:
— قبل ما تسمع التسجيل، لازم تعرف حاجة واحدة. الشخص اللي سالي وماجد كانوا بيحاولوا يبعدوك عنه مش أنا بس.
سكتت لحظة، وبصت للتوأم.
— كان فيه شخص تالت عارف الحقيقة من أول يوم، وشاف بعينه مين اللي زوّر الأدلة… والشخص ده موجود دلوقتي في الفندق.
في اللحظة دي، باب المصعد اتفتح.
وخرج منه رجل كبير في السن، كان فارس يعرفه كويس جدًا.
أول ما شاف نهى، وقف مكانه، ووشه اتغير.
وبصوت مرتعش، قال:
— إنتِ رجعتي فعلًا… يبقى خلاص، السر اللي خبّيناه خمس سنين قرب ينكشف!
يتبع في الجزء الثالث…
الجزء الثالث: الشاهد اللي اختفى خمس سنين!
فارس وقف مكانه وهو بيبص للرجل اللي خرج من المصعد.
كان راجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد، لكنه بالنسبة لفارس ما كانش شخص غريب.
ده كان عم رجب، مدير الحسابات السابق في الشركة، والراجل اللي اشتغل معاه أبوه أكتر من عشرين سنة، واللي فارس كان بيعتبره واحد من أفراد عيلته.
لكن عم رجب اختفى فجأة من الشركة بعد طلاق فارس ونهى بشهرين، وساعتها ماجد قال له إنه سافر يعيش عند ابنه في أسوان، وإنه مش ناوي يرجع للشغل تاني.
فارس ما حاولش يسأل عنه، لأنه كان غارق في مشاكله مع نهى، وبعدها انشغل بتوسيع أعماله وبعلاقته الجديدة مع سالي.
دلوقتي، عم رجب واقف قدامه، وبيقول إن السر اللي اتخبّى خمس سنين قرب ينكشف!
فارس قرب منه بسرعة.
— عم رجب؟ إنت كنت فين كل السنين دي؟ وإيه اللي إنت بتقوله ده؟
الرجل الكبير بص لنهى، وبعدين رجّع عينيه لفارس.
— أنا آسف يا ابني. والله العظيم أنا آسف. كنت فاكر إن سكوتي هيحميك، لكن سكوتي دمّر حياتك وحياة مراتك وولادك.
أول ما سمع كلمة «ولادك»، بص عم رجب ناحية التوأم.
كان ياسين واقف جنب أمه، وآدم لسه حاضن الدب القديم.
ابتسم لهم عم رجب بحزن وقال:
— كبرتوا يا حبايبي… كبرتوا من غير ما أبوكم يشوفكم.
فارس حس إن قلبه اتقبض.
— إنت كنت تعرف إنهم ولادي؟
عم رجب هز راسه.
— عرفت من يوم ما اتولدوا.
فارس رجع خطوة لورا، وكأن حد ضربه على صدره.
— من يوم ما اتولدوا؟! وإنت كمان كنت عارف وساكت؟!
عم رجب نزل عينيه في الأرض.




