روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

— أنا ما كنتش ساكت بإرادتي. ماجد أجبرني، وقال لي إنه لو اتكلمت، هيتهمني بسرقة أموال الشركة، وكان مجهز مستندات مزورة باسمي. أنا راجل كبير، وكنت خايف أدخل السجن وأسيب عيلتي من غير أي سند.

فارس صرخ فيه:

— وإنت شايف إن ده يبرر إنك تسيبني خمس سنين من غير ما أعرف إن عندي طفلين؟!

عم رجب ما حاولش يدافع عن نفسه.

قال بصوت مكسور:

— لأ. مفيش أي مبرر. وأنا مستعد أتحمل نتيجة اللي عملته.

سالي كانت واقفة بعيد عنهم، ووشها بيزداد شحوبًا مع كل كلمة.

وفجأة، حاولت تتحرك ناحية باب الفندق، لكن واحد من أفراد الأمن وقف قدامها.

فارس التفت لها.

— محدش هيمشي من هنا قبل ما أعرف الحقيقة كاملة.

صرخت سالي:

— إنت مش من حقك تحتجزني! أنا ما عملتش حاجة!

رد فارس ببرود:

— محدش قال إنك محتجزة. الباب مفتوح، لكن لو مشيتي، المحامي بتاعي هيكلمك رسميًا بخصوص المستندات اللي ظهرت. وأنا مش هسمح لأي حد يغيّر الأدلة أو يتخلص منها.

سالي سكتت، ورجعت خطوتين لورا.

أما نهى، فكانت واقفة جنب ولادها، بتحاول تبعدهم عن التوتر اللي مالي المكان.

فارس لاحظ ده، فطلب من إحدى الموظفات إنها تودي التوأم لقاعة الضيافة القريبة، وتجيب لهم عصير وحاجة ياكلوها، بشرط إن نهى تكون معاهم.

قبل ما تتحرك، ياسين قرب من فارس وسأله ببراءة:

— إنت تعرف بابا بتاعنا؟

السؤال كان بسيط، لكنه كسّر آخر حتة من القوة اللي فارس كان بيحاول يتمسك بيها.

نزل على ركبته قدام الطفل وقال:

— أيوه يا حبيبي… أنا كنت أعرفه.

ياسين فكر شوية، وبعدين سأله:

— طب هو فين دلوقتي؟

فارس بلع ريقه، وعينيه دمعت.

— أنا لسه بحاول أتعرف عليه من جديد.

الطفل ما فهمش كل الكلام، لكنه ابتسم ومد إيده الصغيرة لفارس.

فارس مسك إيده برفق، وحس إن الخمس سنين اللي ضاعوا بقوا فجأة أثقل من عمره كله.

بعد ما نهى راحت مع الولاد لقاعة الضيافة، فارس طلب من عم رجب يدخل معاه مكتبه، وسالي اضطرت تيجي معاهم.

قفل الباب، وحط الفلاشة اللي نهى جابتها على المكتب.

— عايز أسمع التسجيل ده.

عم رجب قال بسرعة:

— استنى يا فارس. قبل التسجيل، لازم تعرف إيه اللي حصل من البداية.

قعد على الكرسي المقابل، وبدأ يحكي.

قبل طلاق فارس ونهى بحوالي ثلاثة شهور، ماجد كان بيواجه أزمة مالية كبيرة.

كان دخل في استثمارات خسر فيها مبلغ ضخم، وبدأ يقترض من أكتر من جهة عشان يغطي خسائره، لكنه ما قدرش يسدد.

وفي نفس الوقت، كانت شركة منافسة بتحاول تستحوذ على جزء كبير من أعمال فارس.

ماجد شاف إن نهى هي العقبة الأساسية قدامه، لأنها كانت شريكة في تأسيس الشركة، وكانت بتراجع الحسابات بنفسها، وبدأت تلاحظ تحويلات مالية مش مفهومة.

قال عم رجب:

— نهى جات لي يوم وقالت إنها اكتشفت تحويلات غريبة من حساب الشركة لحسابات خارجية. كانت عايزة تتكلم معاك، لكن ماجد طلب مني أأجل مقابلتها بحجة إنك مشغول.

فارس عقد حاجبيه.

— أنا عمري ما رفضت إني أقابل نهى بسبب الشغل.

عم رجب رد:

— عارف. لكن ماجد كان بيتحكم في المواعيد والرسائل اللي بتوصلك. وبعدها، سالي دخلت في الموضوع.

بص فارس ناحية سالي.

— كمّلي إنتِ. إيه اللي حصل؟

سالي هزت راسها بعنف.

— الكلام ده كله كذب! عم رجب بيحاول يطلع نفسه بريء!

لكن عم رجب طلع من جيبه صورة قديمة، وحطها على المكتب.

كانت الصورة لسالي وهي خارجة من مكتب ماجد، وفي إيدها ملف أزرق.

قال:

— دي الصورة اللي خلتني أتأكد إن فيه اتفاق بينهم.

فارس مسك الصورة، وبص للتاريخ المكتوب على ظهرها.

كان قبل الطلاق بأسبوعين.

عم رجب كمل:

— ماجد طلب من سالي إنها تجهز رسائل مزيفة توحي إن نهى بتسرّب أسرار الشركة. وسالي كانت عندها إمكانية تدخل على البريد الإلكتروني الخاص بالمكتب، فاستغلت ده عشان تعمل رسائل شكلها حقيقي.

فارس بص لسالي بذهول.

— يعني الصور والرسائل اللي وريتهالي كانت مزورة؟

سالي ما ردتش.

— ردي!

صرخت وهي بتعيط:

— أيوه! بعض الرسائل كانت متفبركة، لكن ماجد هو اللي بدأ كل حاجة! هو اللي قال لي إن نهى لو فضلت في الشركة، هتكتشف التحويلات وتضيّعنا كلنا!

فارس وقف فجأة.

— تضيّعكم؟ إنتوا كنتوا بتسرقوا الشركة؟!

سالي غطت وشها بإيديها.

— أنا ما كنتش عايزة أسرقك. أنا كنت عايزة أفضل جنبك. ماجد وعدني إنك بعد الطلاق هتنسى نهى، وإننا هنبدأ حياة جديدة سوا.

فارس ضحك ضحكة قصيرة مليانة مرارة.

— وإنتِ صدقتي إن الحياة الجديدة ممكن تتبني على خراب حياة واحدة بريئة؟

سالي ما ردتش.

عم رجب أشار للفلاشة.

— اسمع التسجيل يا فارس. ده اللي هيأكد لك كل حاجة.

وصل فارس الفلاشة بالكمبيوتر، وفتح الملف الصوتي.

في البداية، كان فيه صوت تشويش، وبعدها ظهر صوت سالي واضحًا:

«ماجد، الرسالة وصلت، وأنا اتأكدت إنها مش هتوصل لفارس. لكن لو نهى رجعت وطلبت إثباتات، هنعمل إيه؟»

جاء صوت ماجد في التسجيل:

«مش هترجع. فارس عمره ما هيسامحها بعد اللي شافه. وحتى لو رجعت، هنقول إنها بتحاول تنتقم منه.»

سالي سألت:

«والأولاد؟ لو فارس عرف إن عندها أطفال، هيشك في كل حاجة.»

ماجد رد ببرود:

«الأطفال دول مش مشكلتنا. طول ما فارس مش عارف بوجودهم، مفيش حاجة هتتغير.»

فارس حس ببرودة تسري في جسمه.

التسجيل استمر.

قالت سالي:

«بس أنا خايفة عم رجب يتكلم. هو شاف المستندات الأصلية.»

رد ماجد:

«عم رجب مش هيقدر يفتح بقه. أنا ضمنت ده. وبعدين، حتى لو اتكلم، المستندات اللي معاه مش هتفرق. إحنا هنبيع الفندق قريب، وبعدها كل واحد فينا هياخد نصيبه ويسافر.»

فارس وقف التسجيل فجأة.

— يبيع الفندق؟!

عم رجب هز راسه.

— أيوه. ماجد استخدم التوكيل القديم اللي إنت ماضيه من سنين عشان يجهز صفقة بيع الفندق، وكان ناوي ينقل جزء من الأموال لحسابات خارجية قبل ما تكتشف أي حاجة.

فارس مسك رأسه بإيديه.

كل حاجة بدأت تتضح قدامه.

ماجد ما كانش بيحاول يفرق بينه وبين نهى بس.

كان بيحاول يسيطر على الشركة، ويخفي تحويلات مالية، ويبعد أي شخص ممكن يكشفه.

وسالي ساعدته لأنها كانت عايزة مكان نهى في حياته.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى