
قائد القاعدة مسك الميكروفون وقال:
«فيه معلومة إضافية لازم كل الحاضرين يعرفوها. سيادة الفريق أول نورهان العاصم مش مجرد ضيفة شرف في حفل النهارده».
ثم التفت ناحيتي بابتسامة.
«هي كمان صاحبة القرار اللي ساهم في إنجاح واحدة من أهم العمليات العسكرية المشتركة خلال السنوات الأخيرة، واللي حصل بسببها على أعلى تقدير من القيادة العامة».
في اللحظة دي، أبويا نزل عينه للأرض.
لأول مرة في حياته، ما بقاش عنده كلام يقوله.
لكن اللي حصل بعد كده كان أكبر من مجرد تكريم أو أوسمة.
لأن قائد القاعدة قرر يدعو أبويا للصعود إلى المنصة، وقال له:
«سيادة اللواء حمدي، من فضلك اتفضل. أعتقد إن عندك سبب خاص جدًا يخليك فخور باللحظة دي».
أبويا وقف ببطء.
وبص ناحيتي.
وأنا كنت عارفة إن اللحظة اللي هيسمع فيها الحقيقة كاملة قربت جدًا…
لكن قبل ما أبويا يطلع المنصة، حصلت مفاجأة خلت أخويا بن يقوم من مكانه فجأة، ووجهه يتحول للون الأصفر!
وقف أخويا بن فجأة من مكانه، وفضل باصص ناحية الشاشة الكبيرة اللي ورا المنصة.
كان فيه اسم ظهر تحت صورتي، ومعاه تفاصيل منصب جديد، لكن اللي صدمه فعلًا مش المنصب.
كانت جملة واحدة مكتوبة بخط واضح:
«تم اختيار الفريق أول نورهان العاصم لتولي قيادة قطاع العمليات الاستراتيجية، اعتبارًا من الشهر القادم».
بن بص لخطيبته ليلى، وبعدها بص لأبويا، وكأنه مستني حد ينفي الكلام اللي شافه.
أما أبويا، فكان لسه واقف في نص الطريق للمنصة.
قائد القاعدة أشار له بابتسامة:
«اتفضل يا سيادة اللواء، النهارده يوم مميز ليك ولعيلتك».
طلع أبويا المنصة، ووقف جنبي، لكنه ما قدرش يبص في عيني.
قائد القاعدة رفع الميكروفون وقال:
«سيادة اللواء حمدي العاصم خدم المؤسسة العسكرية أربعين سنة، وده شيء يستحق التقدير والاحترام. لكن النهارده عندنا موقف نادر، لأننا بنحتفل بأب وابنته، وكل واحد فيهم اختار طريق مختلف لخدمة الوطن».
ثم التفت ناحيتي وقال:
«سيادة الفريق أول نورهان، تحبي تقولي كلمة لوالدك؟»
مسكت الميكروفون، وبصيت ناحية أبويا.
قلت:
«أنا مش جاية النهارده عشان أتكلم عن رتبتي، ولا عن الأوسمة اللي حصلت عليها. أنا جاية عشان أشارك أبويا يوم مهم في حياته».
وقفت لحظة، وبعدين كملت:
«طول عمري كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الخدمة العسكرية هي تحمل المسؤولية، واتخاذ القرارات الصعبة، والبعد عن البيت. لكن اكتشفت إن أصعب حاجة فعلًا إنك ترجع بيتك وتلاقي إن أقرب الناس ليك مش عارفين أنت مين».
القاعة سكتت تمامًا.
أبويا حرك إيده بتوتر.
كملت كلامي:
«أنا ما كنتش غايبة عشان نسيت عيلتي. كنت غايبة لأن طبيعة شغلي كانت بتفرض عليّا السرية. في أوقات كتير ما كنتش بقدر أقول أنا فين، ولا بعمل إيه، ولا حتى أقدر أطمنكم عليّا».
بصيت ناحية أمي.
«كنت بتمنى في كل مناسبة ألاقي مكاني موجود. حتى لو كرسي صغير في آخر القاعة. كنت بتمنى لما أرجع من مهمة طويلة ألاقي حد يسألني: تعبتي؟ محتاجة حاجة؟»
أمي بدأت تمسح دموعها بمنديل صغير.
أما بن فكان قاعد ساكت، وعينيه مثبتة عليّا.
قلت:
«لكن بدل ده، لقيت نفسي مش موجودة في صور العيلة، ولا في الدعوات، ولا حتى في قائمة المدعوين لحفل تقاعد أبويا».
هنا، أبويا رفع راسه بسرعة.
قال بصوت منخفض:
«نورهان، كفاية».
بصيت له وقلت:
«أنا مش بفضح حد يا أبي. أنا بس بقول الحقيقة».
قائد القاعدة كان واقف جنبي، ووشه اتغير لما فهم إن استبعادي من الحفل ما كانش مجرد خطأ إداري.
ثم سألني:
«هل حضرتك فعلًا ما وصلتيش دعوة رسمية للحفل؟»
قبل ما أرد، بن قام من مكانه وقال:
«أنا اللي طلبت إن اسمها ما يكونش موجود في الكشف».
كل الموجودين لفوا ناحيته.
ليلى مسكت إيده وهمست:
«بن، اقعد!»
لكنه كمل:
«كنت شايف إن وجودها هيعمل مشاكل. هي طول عمرها بعيدة عن العيلة، ومحدش عنها معلومات كافية. وبعدين هي مشغولة عنا دايماً».
بصيت له بهدوء وسألته:
«إنت متأكد إنك عارف أنا كنت فين طول العشرين سنة اللي فاتوا؟»
رد بعصبية:
«أنتِ عمرك ما شاركتينا أي حاجة!»
قلت:
«لأن شغلي كان بيتطلب مني السرية التامة. لكن ده ما اداكش الحق تمسح اسمي من مناسبة عائلية».
قائد القاعدة تدخل وقال بحزم:
«المناسبات الرسمية لها قواعد، ومش من حق أي شخص يستبعد ضابطًا مستحقًا للحضور لمجرد خلاف عائلي».
بن نزل عينه، وأول مرة أشوفه مش عارف يرد.
وفجأة، أمي قامت من مكانها.
طلعت ناحية المنصة، ووقفت قدامي وهي بتعيط.
قالت:
«سامحيني يا بنتي… أنا كنت عارفة إنك بتتعبي، بس أبوكي كان دايمًا بيقول إنك اخترتي تبعدي عننا، وإنك مش عايزة يكون ليكي ارتباط دائم بالعيلة».
بصيت لها وسألتها:
«ولما كنت ببعتلك رسائل وما ترديش، كنتِ بتعملي إيه؟ ولما كنت برجع من السفر وأحاول أزوركم، ليه كنتِ بتقوليلي إن أبوكي مشغول؟»
أمي سكتت.
أبويا حاول يتدخل:
«أنا كنت بحاول أحافظ على استقرار البيت. كنت شايف إن بن محتاج الدعم، خصوصًا إنه اختار يكمل مسيرتي العسكرية».




