روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

بصيت له وقلت:

«وأنا؟ ما كنتش بنتك برضه؟»

ما ردش.

وفي اللحظة دي، قائد القاعدة طلب من الحضور الهدوء، ثم أعلن:

«قبل ما ننهي الحفل، فيه خطاب رسمي وصل النهارده من القيادة العامة، وكنت منتظر حضور سيادة الفريق أول نورهان عشان أسلمهولها بنفسه».

أخرج ظرفًا رسميًا مختومًا، وقدمه لي.

فتحته بهدوء وقرأت محتواه.

كان قرارًا رسميًا بتكليفي بمهمة قيادية جديدة، ومعاه دعوة لحضور اجتماع موسع لكبار القيادات العسكرية في صباح اليوم التالي.

لكن في آخر الصفحة كان فيه سطر لفت انتباهي.

سطر خاص بطلب مراجعة أحد الملفات القديمة المتعلقة بعملية عسكرية كنت مسؤولة عن إدارتها.

رفعت عيني ناحية قائد القاعدة.

سألته:

«الملف ده ليه اتفتح من جديد؟»

اتغيرت ملامحه وقال:

«الموضوع محتاج مراجعة، يا فندم. وفيه تفاصيل ظهرت مؤخرًا لازم حضرتك تكوني على علم بيها».

أبويا سمع الكلام، وبصلي باستغراب.

«ملف إيه يا نورهان؟»

قفلت الظرف وقلت:

«موضوع شغل يا أبي. ومش كل حاجة ينفع تتقال في حفل تقاعد».

لكن قبل ما أنزل من على المنصة، قرب مني ضابط شاب وسلمّني ورقة صغيرة.

فتحته، ولقيت فيها رسالة مكتوبة بخط اليد:

«سيادة الفريق أول، فيه شخص من الماضي بيحاول يوصل لحضرتك من شهور، والموضوع مرتبط بالعملية اللي أنقذتي فيها أرواح الجنود. لازم تقابليه قبل اجتماع بكرة».

رفعت عيني وسألت الضابط:

«مين الشخص ده؟»

رد بصوت منخفض:

«الرائد المتقاعد كريم منصور، يا فندم… وهو بيقول إنه عنده دليل يثبت إن فيه ملابسات قديمة لازم تتوضح».

في اللحظة دي، حسيت إن اليوم اللي بدأ بحفل تقاعد والدي، ممكن ينتهي بفتح واحد من أخطر الملفات في حياتي العسكرية.

والأغرب إن الاسم اللي اتذكر في الرسالة كان اسم شخص أعرفه كويس جدًا…

شخص كنت فاكرة إن أثره انقطع من عشرين سنة!

المواجهة مع الماضي

وصلت لاستراحة الضباط، وفتحت الباب.

كان فيه راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض، ووشه مليان علامات تعب السنين.

أول ما شافني، وقف ببطء.

وقال بصوت مبحوح:

«وحشتيني يا نورهان».

ما قدرتش أتكلم لثواني.

وبعدين قلت:

«كريم؟ إنت عايش؟»

ابتسم بحزن.

«أيوه، عايش. بس للأسف ضيعت عشرين سنة من عمري وأنا بحاول أوصل للحقيقة الكاملة».

قعدنا قصاد بعض، وبدأ يحكي.

قال إنه في المهمة القديمة اكتشف إن فيه معلومات مهمة اتسربت قبل التحرك، وإن التحذيرات اللي كان المفروض توصل للمجموعة اتأخرت عمدًا من جهة مجهولة.

وإنه بعد الهجوم اتصاب إصابة خطيرة، واتنقل للعلاج تحت إجراءات سرية، وبعدها اتطلب منه الابتعاد مؤقتًا لحين انتهاء التحقيقات المرتبطة بالأمن القومي.

لكن التحقيقات تعطلت، والملف اتقفل، وكل الأدلة اللي كان بيحاول يقدمها اختفت.

سألته:

«وليه رجعت دلوقتي؟»

طلع من حقيبته ملف قديم، وحطه قدامي.

«لأن المستندات دي ظهرت تاني، وفي أدلة جديدة بتثبت إنك ما كنتيش مسؤولة عن الصعوبات اللي حصلت زي ما بعض التقارير ادعت زمان».

فتحت الملف، وبدأت أراجع الأوراق.

كانت فيه تقارير أصلية، وتوقيتات اتصالات، ونسخ من أوامر عسكرية تم توثيقها بدقة.

كل حاجة كانت بتأكد إن القرارات اللي اتخذتها وقتها كانت سليمة بناءً على المعطيات اللي كانت متوفرة.

لكن فيه معلومة خطيرة.

الملف كان بيشير إن بعض التقارير المهمة تم تداولها بشكل غير دقيق، وده تسبب في التباسات استمرت لسنوات طويلة.

قلت لكريم:

«إنت فاهم إننا مش هنقدر نتصرف بناءً على كلام أو أوراق من غير تحقيق رسمي؟»

هز راسه.

«عارف. وعشان كده جبت النسخ الأصلية والشهود اللي كانوا موجودين وقتها لتأكيد الحقائق».

في صباح اليوم التالي، حضرت الاجتماع مع القيادات المختصة، وقدمت كل المستندات.

استمر التحقيق ساعات طويلة، وتمت مراجعة التقارير وسجلات الاتصالات والشهادات القديمة.

وفي النهاية، صدر قرار رسمي بإعادة تدقيق الملفات المرتبطة بتلك الفترة، وتصحيح أي بيانات غير دقيقة، واتخاذ الإجراءات الإدارية المناسبة وفق اللوائح المنظمة.

لأول مرة من عشرين سنة، حسيت إن الحقيقة ظهرت بشكل كامل.

مش عشان أسترد منصبًا أو أثبت تفوقي، لكن عشان الحقيقة والعدالة تاخد مجراها الصحيح.

العودة إلى البيت

بعد انتهاء الاجتماع، رجعت البيت.

لقيت أمي مستنياني، وبجانبها أبويا وبن.

أمي قامت أول ما دخلت وحضنتني.

وقالت وهي بتعيط:

«سامحيني يا نورهان. أنا عارفة إن الاعتذار مش هيصلح كل اللي فات، بس أتمنى نرجع عيلة متماسكة زي الأول».

فضلت ساكتة شوية، وبعدها قلت:

«أنا مش شايلة زعل دائم جوه قلبي، بس بناء الثقة بيحتاج وقت».

أبويا قام من مكان وقرب مني.

كان واضح عليه الندم.

قال:

«أنا قصرت في حقك يا بنتي، وكنت دايمًا بحكم بصورة سطحية بناءً على توقعات مش دقيقة».

بصيت له وقلت:

«أنا ما كنتش محتاجة منك غير شوية تقدير، وأنت لسه أبويا اللي بتعلم منه».

أبويا نزل عينه، ودمعت عينه بصدق.

أما بن، فقطع الصمت وقال بصوت خافت:

«أنا آسف يا نورهان. أنا اللي تصرفت بتهور لما شلت اسمك من القائمة، كنت خايف من المقارنات مش أكتر».

بصيت له وقلت:

«عارف إيه الفرق يا بن؟ النجاح الحقيقي بيجي بالجهد، ومش بإننا نبعد التانيين عن طريقهم».

مد إيده وصافحني باحترام.

بعد ستة أشهر، تغيرت حاجات كتير للأفضل.

تمت مراجعة الملفات، ورد الاعتبار لكل التفاصيل المرتبطة بتلك المرحلة، واستلام مهام العمل الجديدة في قطاع العمليات الاستراتيجية بثقة كاملة.

في يوم من الأيام، وصلتني دعوة من أمي لحفل عائلي بسيط بمناسبة عيد ميلادها.

لما وصلت، لقيت اسمي في مقدمة الحاضرين، وصورتي معلقة مع عيلتي.

أبويا بص لي وقال:

«المكان ده كان لازم يكون ليكي من زمان».

ابتسمت وقلت:

«المهم إننا وصلنا للصح في النهاية».

حضنتني أمي، ووقفنا معًا نلتقط صورة عائلية تعبر عن بداية صفحة جديدة ومستقرة.

النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى