روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

مريم مسكت الموبايل واتصلت بنهى فورًا.

ولما ردت، قالت لها جملة واحدة:

— لازم نفتح ملف خالي فؤاد من الأول.

لكن مريم ما كانتش تعرف إن فؤاد نفسه، في نفس اللحظة، كان قاعد في مكتبه، قدامه نسخة من الرسالة المجهولة اللي اتبعتت لها.

وكان بيكلم شخصًا على الهاتف.

قال بصوت منخفض:

— هي بدأت تعرف. لازم نتصرف قبل ما توصل للمستند الأصلي.

سكت للحظات، ثم أضاف:

— لأن لو العقد الأصلي ظهر، مش كريم ولا شريف هما اللي هيتحاسبوا لوحدهم.

وقبل ما يقفل المكالمة، سمع صوتًا عند باب المكتب.

رفع رأسه، وشاف شخصًا واقفًا في الظل، ماسك ملفًا أزرق.

الشخص قال له:

— انتهى الوقت يا فؤاد بيه. مريم عرفت، والنسخة الأصلية بقت في الطريق ليها.

فؤاد وقف فجأة، ووشه فقد لونه.

لأن الشخص اللي واقف قدامه كان آخر إنسان يتوقع إنه يقف ضده.

والحقيقة اللي في الملف الأزرق كانت كفيلة إنها تقلب تاريخ عيلة الشافعي كله!
النهاية المنتظرة: خالها كان بيخبي إيه؟ ومين اللي دبّر كل حاجة من البداية؟

في الساعة الحادية عشرة مساءً، كان فؤاد الشافعي واقف في مكتبه، بيبص للشخص اللي دخل عليه من غير ميعاد، وكأنه شاف شبحًا رجع من الماضي.

الرجل كان اسمه عادل منصور، المدير المالي السابق لإحدى شركات مجموعة الشافعي، واللي اختفى من المشهد قبل خمس سنين بعد ما قدّم استقالته فجأة.

فؤاد قال بعصبية:

— إنت إيه اللي جابك هنا؟ وإزاي دخلت المكتب؟

عادل حط الملف الأزرق على المكتب وقال بهدوء:

— دخلت من الباب، زي أي شخص عنده موعد. الفرق إنك كنت مشغول لدرجة إنك ما لاحظتش إن الوقت اللي كنت بتأجل فيه المواجهة انتهى.

فؤاد بص للملف، وبعدها رجع بص له.

— إنت ما عندكش أي حق تحتفظ بمستندات تخص الشركة.

عادل ابتسم ابتسامة حزينة.

— المستندات دي تخص الشركة فعلًا، وده سبب إني رجعت. أنا فضلت ساكت سنين، لأنني كنت فاكر إن المشاكل هتتحل من غير ما نفضح العيلة قدام الناس. لكن لما عرفت إن اسم مريم اتستخدم في مستندات مالية من غير علمها، فهمت إن السكوت بقى مشاركة في الغلط.

فؤاد مد إيده ناحية الملف، لكن عادل حطه بعيدًا عنه.

— لأ يا فؤاد بيه. المرة دي مش هتاخد الورق وتخبيه في درج زي ما عملت قبل كده.

فؤاد اتنرفز.

— إنت مش فاهم حاجة! أنا كنت بحاول أحمي المجموعة!

عادل رد بحزم:

— حماية المجموعة مش معناها إنك تستخدم اسم بنت أختك من غير موافقتها، ولا إنك تسمح لحد يقدم مستندات غير واضحة علشان صفقة تمويل تعدّي.

فؤاد سكت.

وعادل فتح الملف، وطلع منه نسخة من عقد قديم، ومجموعة رسائل إلكترونية، وكشف تحويلات مالية.

وقال:

— بكرة الصبح، النسخة الأصلية هتكون عند المحامي المستقل. ولو فيه تفسير قانوني لكل اللي حصل، هيتقال. ولو فيه مسؤولية على أي شخص، لازم يتحملها.

فؤاد بص له بقلق.

— إنت عايز إيه بالضبط؟

عادل رد من غير تردد:

— عايز الحقيقة تظهر، حتى لو كانت هتوجع ناس كتير.

ثم أخذ الملف وغادر.

وفضل فؤاد لوحده، لأول مرة من سنين، مش عارف هيقدر يسيطر على الموقف إزاي.

—

السر اللي ما كانتش مريم تعرفه عن عيلتها

في صباح اليوم التالي، كانت مريم في مكتبها، ومعاها نهى والمستشار القانوني المستقل.

وصل عادل في الموعد، وحط الملف الأزرق على الطاولة.

مريم بصت له باستغراب.

— أستاذ عادل؟ أنا فاكرة اسم حضرتك من ملفات الشركة القديمة، لكن ما كنتش أعرف إنك لسه محتفظ بالمستندات دي.

عادل أومأ.

— أنا احتفظت بنسخ من بعض المراسلات اللي كنت مسؤولًا عنها وقتها، وفقًا للإجراءات المتبعة. ولما اكتشفت إن فيه مستندات بتتداول باسمك من غير موافقة واضحة، قررت أرجع وأسلم كل حاجة للجهة المختصة.

نهى فتحت الملف، وبدأت تراجع الأوراق واحدة واحدة.

أول مستند كان محضر اجتماع قديمًا، والثاني خطابًا بخصوص استخدام أصول عقارية ضمن ضمانات تمويل.

أما الثالث، فكان كشفًا ماليًا يوضح تحويلات تمت بين عدة شركات خلال فترة قصيرة.

مريم سألت:

— إيه علاقة خالي فؤاد بكل ده؟

عادل أخد نفسًا عميقًا وقال:

— قبل خمس سنين، بعد وفاة جدك، كان فيه خلاف داخل العيلة بخصوص طريقة إدارة بعض الاستثمارات. خالك فؤاد كان شايف إن المجموعة محتاجة تدخل في مشروعات أكبر، وكان عايز يوسّع نشاطها بسرعة.

مريم هزت رأسها.

كانت عارفة إن خالها كان مهتمًا بالتوسع، لكنه ما تخيلتش إن الموضوع وصل لكده.

عادل كمل:

— في الوقت ده، اتعرض على المجموعة مشروع عقاري ضخم. المشروع كان محتاج تمويلًا كبيرًا، وكانت فيه مخاطر تجارية وقانونية. بعض أعضاء الإدارة رفضوا الدخول فيه بالشروط المقترحة، لأن الضمانات المطلوبة كانت أكبر من قدرة المشروع على التحمل.

مريم سألته:

— وهل خالي وافق على المشروع رغم الرفض؟

— هو وافق على استكمال التفاوض، لكنه ما كانش عنده تفويض منفرد يسمح له باستخدام كل الأصول أو توقيع مستندات باسم مجلس الأمناء. بعد كده، اتعملت ترتيبات مالية من خلال شركة استشارات خارجية، وبدأت تظهر مستندات بتقول إن فيه موافقات مبدئية.

نهى رفعت عينيها.

— هل المستندات دي كانت صحيحة؟

عادل رد:

— بعضها كان بيعكس اجتماعات حقيقية، لكن الصياغة النهائية لبعض الأوراق تجاوزت اللي اتوافق عليه بالفعل. وده السبب اللي خلاني أعترض وقتها.

مريم سألت بقلق:

— وليه ما بلغتش مجلس الأمناء؟

عادل نزل عينيه.

— حاولت. لكن الاعتراض اتعامل معاه على إنه خلاف إداري، وبعدها اتعرض عليّ أسيب الملف وأنتقل لقسم تاني. أنا رفضت، وقدمت استقالتي. واحتفظت بنسخ من المراسلات علشان لو الموضوع اتفتح في المستقبل.

مريم فضلت ساكتة.

كانت بتسمع تفاصيل عن عيلتها لأول مرة، وبتكتشف إن بعض القرارات اللي اتاخدت باسم المجموعة ما كانتش واضحة حتى للأشخاص المسؤولين عنها.

لكن السؤال الأهم كان لسه من غير إجابة.

سألت عادل:

— وإيه علاقة كريم وشريف بالموضوع؟

عادل فتح صفحة جديدة.

— بعد سنوات، طارق السيوفي رجع لنفس المشروع، لكن من خلال شركة كريم. كان عارف إن الشركة محتاجة تمويل، وإنها بتستفيد من عقود إيجار وخدمات مرتبطة بمجموعة الشافعي.

نهى سألت:

— هل عندك دليل إن طارق هو اللي جهّز المحضر المنسوب لمريم؟

عادل رد بحذر:

— عندي مراسلات بتوضح إنه كان بيتابع إعداد المستندات، لكنه لازم يتفحص فنيًا علشان نعرف مين أنشأ النسخة اللي اتقدمت للجهة الممولة. ما أقدرش أجزم إنه هو اللي كتب التوقيع أو عدّل المحضر بنفسه.

مريم أومأت.

— كويس. إحنا مش هنستنتج حاجة أكبر من الأدلة اللي عندنا.

عادل كمل:

— أما فؤاد، فكان على علم بوجود المشروع وببعض المفاوضات القديمة. لكن لحد دلوقتي، المستندات اللي معايا ما تثبتش إنه أمر باستخدام توقيعك أو إنه كان عارف إن فيه نسخة غير صحيحة هتتقدم للتمويل.

مريم بصت لنهى.

كانت دي أول مرة تسمع فيها رواية متكاملة تربط الأحداث ببعضها، لكنها كانت عارفة إن الرواية وحدها مش كفاية.

قالت بحزم:

— كل المستندات هتتسلم للمراجع المستقل. ومش عايزة أي حد يتهم خالي أو كريم أو شريف قبل ما الفحص يحدد مسؤولية كل شخص.

نهى وافقت.

لكن عادل كان لسه عنده ورقة أخيرة.

طلعها من الملف وقال:

— فيه حاجة تانية تخصك شخصيًا يا أستاذة مريم.

مريم أخدت الورقة.

كانت رسالة قديمة من جدها، مكتوبة قبل وفاته بعدة أشهر.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى