
«يا مريم، لو في يوم لقيتي نفسك مضطرة تختاري بين الحفاظ على اسم العيلة والحفاظ على الحقيقة، اختاري الحقيقة. اسم العيلة ممكن يتصلح، لكن الثقة لو اتكسرت من غير عدل، صعب ترجع زي الأول».
مريم فضلت باصة للرسالة.
كانت فاكرة خط جدها، وفاكرة آخر مرة قعدت معاه فيها.
وقتها، كان قال لها إنه فخور بيها لأنها ما كانتش بتتعامل مع الفلوس باعتبارها وسيلة للسيطرة على الناس.
دموعها لمعت في عينيها.
لكنها مسحتها بسرعة، ورفعت رأسها.
— هنكمل المراجعة، ومهما كانت النتيجة، مش هنخبي الحقيقة.
—
المواجهة الأخيرة بين مريم وخالها
في نفس اليوم، طلبت مريم من خالها فؤاد ييجي للمكتب.
دخل فؤاد وهو بيحاول يظهر هدوءه المعتاد.
— صباح الخير يا مريم. سمعت إنك بتراجعي ملفات قديمة. كنت أتمنى تبلغيني قبل ما الموضوع يوصل للمستشارين الخارجيين.
مريم أشارت للكرسي المقابل.
— اتفضل يا خالي.
قعد، وبص للملفات اللي على المكتب.
مريم قالت:
— وصلني تقرير أولي عن المشروع القديم، وعرفت إن فيه مستندات اتقدمت للجهة الممولة باسم مجلس الأمناء، وفيها توقيع منسوب ليا.
فؤاد تنهد.
— يا مريم، إنتِ عارفة إن الشغل الكبير بيكون فيه تفاصيل كتير، وأحيانًا الموظفين بيستخدموا صياغات مش دقيقة. مش كل خطأ معناه إن فيه مؤامرة.
مريم ردت بهدوء:
— وأنا ما قلتش إن فيه مؤامرة. علشان كده طلبت مراجعة مستقلة. لكن اللي مش مقبول إن حد يستخدم اسمي أو يقدّم موافقة باسمي من غير ما أكون وافقت عليها.
فؤاد حاول يغير الموضوع.
— طيب، خلينا نتكلم عن كريم. أنا شايف إنك لازم تهدي الأمور معاه. هو اتضرر بما فيه الكفاية، ومش من مصلحة المجموعة إن اسمه يدخل في تحقيقات طويلة.
مريم بصت له مباشرة.
— كريم مسؤول عن قراراته، وأنا مسؤولة عن قراراتي. ومصلحة المجموعة مش معناها إننا نتجاهل أي خطأ علشان نحمي سمعة حد.
فؤاد اتنرفز.
— إنتِ بتتكلمي كأنك مش من العيلة!
مريم ردت بصوت ثابت:
— أنا من العيلة، وده بالضبط سبب إني مش هسمح إن اسمها يتحول لغطاء لأي تصرف غلط.
ساد الصمت.
فؤاد بص لها، وكأنه بيشوفها لأول مرة.
قال بعد لحظات:
— أنا ما كنتش أعرف إن المحضر اللي اتقدم للجهة الممولة فيه توقيع غير صحيح.
مريم سألته:
— هل كنت تعرف إن فيه نسخة جديدة اتعملت بعد الاجتماع؟
فؤاد اتردد.
ثم قال:
— عرفت إن فيه تحديثًا للمستندات، لكن ما شفتش النسخة النهائية بنفسي.
نهى، اللي كانت قاعدة في الغرفة، سجلت الإجابة في محضر الاجتماع.
مريم كملت:
— وهل وافقت على استخدام أصول المجموعة كضمانات إضافية؟
فؤاد رد:
— وافقت على استكمال التفاوض، لكن ما وافقتش على تقديم ضمانات من غير موافقات مجلس الأمناء.
مريم هزت رأسها.
— يبقى ده اللي لازم يتثبت من الأوراق.
فؤاد قام من مكانه.
— إنتِ كده بتشككي فيا يا مريم.
مريم ردت بحزن:
— أنا مش بشكك فيك علشان إنت خالي. أنا بس مش هقدر أديك استثناءً مش هديه لأي شخص تاني.
فؤاد وقف للحظات، ثم خرج من المكتب من غير ما يقول كلمة تانية.
مريم فضلت قاعدة مكانها، حاسة بوجع كبير.
كانت تتمنى إن خالها يكون بريئًا تمامًا، وإن كل اللي حصل مجرد أخطاء إدارية.
لكنها كانت عارفة إن المحبة مش دليل براءة، وإن صلة الدم مش بديل عن الحقيقة.
—
كريم يواجه نتيجة اختياراته
بعد أيام، خلص فريق المراجعة المستقل تقريره النهائي.
التقرير ما أثبتش إن مريم وافقت على استخدام توقيعها في المحضر، وأكد إن المستند اللي اتقدم للجهة الممولة احتوى على تعديلات لم يتم توثيق الموافقة عليها بالشكل المطلوب.
كما أوصى بفحص مصدر التعديلات والمراسلات المرتبطة بها، ومراجعة دور كل شخص شارك في تجهيز الملف أو إرساله.
أما التحويل المالي لشركة شريف، فثبت إنه كان مقابل خدمات استشارية مرتبطة بالمشروع، لكن المستندات المتاحة ما كانتش كافية وحدها لإثبات وجود اتفاق غير مشروع.
النتيجة ما كانتش نهاية التحقيق، لكنها كانت كفاية علشان تكشف إن الصفقة اتنفذت بإجراءات محتاجة تصحيح ومراجعة قانونية.
مجموعة الشافعي أوقفت التعامل مع الوسيط لحين انتهاء الفحص، وبدأت إجراءات مراجعة العقود المرتبطة بالمشروع.
أما شركة كريم، فدخلت في مفاوضات مع الجهة الممولة لإعادة ترتيب الالتزامات، وتقديم ضمانات بديلة قانونية، بدلًا من الاعتماد على حقوق استخدام عقارات لم تكن مملوكة لها.
كريم اضطر يبيع جزءًا من استثماراته الخاصة علشان يوفر السيولة المطلوبة، ويتحمل الخسائر الناتجة عن قراراته التجارية.
ما خسرش كل حاجة في يوم واحد، زي ما كان خايف.
لكنه اكتشف إن الحياة اللي كان فاكرها مضمونة ممكن تتغير لما يتجاهل التفاصيل، ويعتمد على وعود من غير ما يتأكد منها.
أما شريف، فاعترف إنه استعجل في إجراءات التمويل، وإنه وافق على استكمال الملف رغم اعتراضات المستشار القانوني.
قدم كل المراسلات اللي عنده للجهات المختصة، وتعاون مع المراجعة، لكنه اضطر ينسحب من إدارة المشروع لحين انتهاء الإجراءات.
وبالنسبة لفؤاد، فقد قرر مجلس الأمناء تعليق بعض صلاحياته الإدارية مؤقتًا، إلى أن يتم الانتهاء من مراجعة دوره في المشروع القديم.
لم يكن القرار حكمًا بإدانته، لكنه كان رسالة واضحة إن لا أحد فوق المراجعة، حتى لو كان من عائلة الشافعي نفسها.
أما مريم، فرفضت استخدام نفوذها للتأثير على نتيجة أي تحقيق.
كل اللي طلبته هو إن الإجراءات تتم بشفافية، وإن حقوق الشركة وحقوق الأشخاص تتحدد بناءً على المستندات والقانون.
—
اللحظة اللي غيّرت حياة كريم فعلًا
بعد شهرين، كان كريم واقف قدام باب الشقة الجديدة اللي مريم انتقلت ليها مع ليلى وآدم.
كان جاي في موعد متفق عليه علشان يقضي وقتًا مع ولاده.
لما الباب اتفتح، ظهرت ليلى وهي بتجري ناحيته.
— بابا!
كريم نزل لمستواها وحضنها بقوة.
بعدها خرج آدم من الصالة، وهو ماسك لعبته الصغيرة.
وقف قدامه وقال بتردد:
— إنت هتمشي تاني؟




