روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

بص لابنه، وافتكر كل مرة كان فيها مشغولًا عنه، وكل مرة اختار فيها الشغل أو كلام أمه بدل ما يسمع احتياجاته.

قال بصوت هادي:

— أنا هفضل موجود في حياتك يا آدم، ومش هقولك كلام مش هقدر أعمله. هحاول أكون أب أحسن، وهثبت لك ده بأفعالي.

آدم بص له شوية، وبعدها مد إيده له.

كريم مسك إيده، ودخل مع الطفلين.

مريم كانت واقفة في الصالة، بتراقب المشهد من بعيد.

بعد ما الأطفال راحوا يجيبوا ألعابهم، كريم قرب منها.

قال:

— أنا عايز أشكرك.

مريم رفعت حاجبها باستغراب.

— على إيه؟

— على إنك ما استخدمتيش اللي حصل علشان تدمّريني. كان ممكن تسيبي كل حاجة تنهار، لكنك فصلتي بين خلافنا الشخصي وبين حقوق الشركة.

مريم ردت بهدوء:

— أنا ما كنتش بحاول أحميك من نتائج قراراتك. أنا كنت بحاول أتأكد إن كل شخص يتحاسب على اللي عمله فعلًا، مش على اللي الناس فاكرة إنه عمله.

كريم أومأ.

— فهمت الفرق دلوقتي.

سكت لحظة، ثم قال:

— أنا عارف إنك مش هترجعي لي، ومش هطلب منك تغيري قرارك. بس كنت محتاج أقولك إني ظلمتك، وإن أكتر حاجة ندمت عليها مش الفلوس اللي خسرتها، ولا العقود اللي اتراجعت.

مريم سألته:

— أمال إيه؟

كريم بص ناحية ولاده.

— إني كنت عندي بيت وأسرة، وما فهمتش قيمتهم غير لما خسرت وجودهم في حياتي اليومية.

مريم ما ردتش فورًا.

كانت كلمات كريم مختلفة عن اعتذاراته القديمة، لكنه ما زال محتاج يثبت إنها مش مجرد لحظة ندم.

قالت له:

— أتمنى فعلًا تكون اتعلمت. لكن إحنا دلوقتي مسؤوليتنا إننا نربي ليلى وآدم في جو هادي، بعيد عن أي خلافات.

كريم وافق.

وفي اللحظة دي، ليلى رجعت تجري وهي شايلة لوحة رسمتها في المدرسة.

— ماما، بابا، بصوا! رسمت بيتنا الجديد!

مريم أخدت اللوحة.

كانت رسمة بسيطة: بيت صغير، وشمس كبيرة، وثلاث شخصيات واقفة قدامه، وبجانبهم شخصية رابعة بتمسك إيد طفلة.

مريم سألتها بابتسامة:

— مين دول يا ليلى؟

البنت أشارت للشخصيات.

— دي أنا، وده آدم، ودي ماما، وده بابا. أنا رسمت بابا بره البيت لأنه بقى عنده بيت تاني، بس أنا لسه بحبه.

كريم نزل رأسه، ودمعة نزلت من عينه.

مريم حضنت بنتها وقالت:

— ومحدش هيطلب منك تبطلي تحبي حد يا حبيبتي. المهم إن كل الناس تحترمك وتحافظ على قلبك.

في اللحظة دي، فهم كريم إن أهم حاجة خسرها ما كانتش الفيلا أو الاستراحة أو المكانة الاجتماعية.

كان فقدان الثقة اللي كان ممكن يحافظ عليها لو اختار الحب والاحترام من البداية.

—

بعد ستة شهور: مريم تبدأ حياة جديدة

عدت ستة شهور، وبدأت حياة مريم تستقر.

رجعت تشارك في إدارة مجموعة الشافعي بشكل أكبر، لكن المرة دي حطت قواعد واضحة للمراجعة المالية، وتضارب المصالح، واستخدام الأصول في الضمانات التجارية.

ما كانش هدفها إنها تثبت إنها أقوى من كريم أو من أي شخص في عيلتها.

كانت عايزة تمنع تكرار اللي حصل، وتحافظ على الشركة اللي بناها جدها بتعب سنين.

أما ليلى وآدم، فبدأوا يتأقلموا مع حياتهم الجديدة.

كانوا بيقضوا وقتًا مع مريم، وبيشوفوا كريم وفقًا لترتيبات ثابتة، بعيدًا عن الخلافات المالية والقانونية.

كريم كمان بدأ يعيد بناء شركته على نطاق أصغر، وقرر يراجع كل عقد بنفسه قبل ما يوقّع عليه.

ما بقاش بيتعامل مع المساعدة على إنها حق مكتسب، ولا مع الناس على إنهم موجودين علشان يسهّلوا له حياته.

أما فؤاد، فابتعد عن بعض المناصب الإدارية، وفضل التحقيق في المشروع القديم مستمرًا وفقًا للإجراءات القانونية، من غير ما تتحول الشكوك إلى أحكام مسبقة.

وفي يوم افتتاح مشروع طبي جديد تابع لمجموعة الشافعي، وقفت مريم قدام الحضور، وألقت كلمة قصيرة.

قالت فيها:

«النجاح الحقيقي مش إنك تملك بيوتًا وشركات وعقارات كتير. النجاح إنك تقدر تحافظ على ثقة الناس اللي حواليك، وإنك تعرف إن السلطة مسؤولية، مش وسيلة للسيطرة.

ومهما كانت مكانتك، لازم تفتكر إن كل قرار بتاخده ليه أثر على حياة أشخاص تانيين.

الفلوس ممكن تتعوض، والمشروعات ممكن تتبني من جديد، لكن كرامة الإنسان وثقته مش حاجات ينفع نستهين بيها».

كان كريم موجودًا في آخر القاعة، بعدما تلقى دعوة رسمية لحضور الافتتاح بصفته أحد رجال الأعمال المشاركين في المشروع.

سمع كلامها، وفهم إنها مش بتتكلم عنه وحده.

كانت بتتكلم عن درس اتعلمته هي كمان: إن حماية النفس مش معناها الانتقام، وإن القوة الحقيقية هي إنك تقدر تقول «لأ» من غير ما تتحول لشخص قاسي.

بعد انتهاء الحفل، قرب منها وقال:

— كلمتك كانت جميلة.

مريم ابتسمت ابتسامة هادية.

— شكرًا.

كريم اتردد للحظة، ثم قال:

— أتمنى تكوني سعيدة يا مريم.

بصت له، وبعدها قالت:

— أنا فعلًا بدأت أكون سعيدة. مش علشان كل حاجة بقت مثالية، لكن علشان بقيت عارفة أنا عايزة إيه، وإيه اللي مش هقبل بيه تاني.

كريم هز رأسه.

— أتمنى تحافظي على الإحساس ده.

مريم ردت:

— وإنت كمان. لسه قدامك فرصة تبني حياة أحسن، بس المرة دي لازم تبنيها على الحقيقة.

وبعدها سلمت عليه، ورجعت لولادها اللي كانوا مستنيينها عند الباب.

ليلى جريت عليها، وآدم مسك إيدها التانية.

مريم خرجت معاهم، والشمس كانت بتغيب خلف المباني، والهواء جاي من ناحية البحر.

لأول مرة من سنين، ما كانتش بتفكر في إزاي تثبت لأي حد إنها قوية، ولا إزاي تخليه يندم على اللي عمله.

كانت بتفكر في بكرة، وفي بيتها الجديد، وفي الضحكة اللي بدأت ترجع لولادها.

وكان ده كفاية.

النهاية

كريم وقّع على الطلاق وهو فاكر إنه بيتخلص من ست ضعيفة، وإنه أخيرًا هيبدأ حياته مع الشخص اللي اختاره.

لكنه اكتشف إن الثروة مش دايمًا بتكون في الحسابات البنكية، وإن امتلاكك لبيت مش معناه إنك بنيت أسرة، وإن نجاحك في الشغل ما يديكش الحق إنك تقلل من الشخص اللي وقف جنبك.

ومريم، رغم إنها كانت تقدر تستخدم نفوذها علشان تنتقم، اختارت إن الحقيقة تظهر، وإن كل شخص يتحمل مسؤولية قراراته.

لأن أقوى رد على اللي ظلمك مش دايمًا إنك تدمّره… أحيانًا أقوى رد إنك تستعيد حياتك، وتحافظ على كرامتك، وتكمل من غير ما تسمح له يحدد قيمتك.
تمت

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى