منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني للاخير
ساد الصمت.

الجملة وقعت على المكان كله كأن حد طفى صوت الحفلة مرة واحدة.

أمي فضلت مبتسمة، لكن الابتسامة المرسومة على وشها بدأت تهتز.

أبويا بص للواء ياسين باستغراب.

أما عمر، فأنزل الكوباية من إيده وقال:

“حضرتك تقصد إيه؟”

اللواء ياسين ما ردش عليه فورًا.

كان لسه باصص لي.

أنا نفسي ما كنتش فاهمة حاجة.

“مريم…”

قال اسمي بهدوء.

“ممكن نتكلم دقيقتين لوحدنا؟”

أمي تدخلت بسرعة:

“طبعًا، بس مفيش داعي. هي أصلًا مش فاهمة حاجة عن اللي حضرتك بتتكلم عنه.”

بص لها.

نظرة واحدة بس.

لكنها كانت كفاية تخلي صوتها يختفي.

“أنا ما سألتكيش.”

أول مرة في حياتي أشوف أمي مش عارفة ترد.

اللواء ياسين أشار لي ناحية طرف الحديقة.

مشيت معاه.

وراءنا، بدأت الهمسات تنتشر بين الضيوف.

وأنا لأول مرة حسيت إن كل الناس اللي قضيت سنين وأنا بحاول ما ألفتش نظرهم… بقوا كلهم بيبصوا لي.

لما وصلنا لمكان بعيد عن التجمع، وقف اللواء ياسين قدامي.

“العلامة دي… مين عملها؟”

هزيت رأسي.

“معرفش.”

اتغيرت ملامحه.

“إزاي معرفيش؟”

“لأني ما اخترتهاش.”

سكت.

“إيه اللي تقصديه؟”

بصيت حواليّ.

“العلامة دي ظهرت على دراعي من سنين. كنت صغيرة وقتها. ولما سألت أهلي، قالوا لي إنها مجرد وشم قديم.”

فضل ساكت.

ثم سأل:

“كام سنة كان عندك وقتها؟”

“سبعتاشر.”

اللواء ياسين أخذ نفسًا طويلًا.

“مين قالك إنها مجرد وشم؟”

“أمي.”

غمض عينيه للحظة.

ولما فتحهم، كان فيهم شيء مختلف.

قلق.

بل خوف.

قلت:

“حضرتك تعرف معناها؟”

ما ردش.

بدلًا من ذلك، أخرج هاتفه من جيبه.

فتح صورة قديمة.

ومد الهاتف ناحيتي.

كانت الصورة لرجل بملابس عسكرية، واقف وسط مجموعة من الجنود.

لكن عيني اتثبتت على العلامة الموجودة على ذراع الرجل.

نفس العلامة.

نفس الخطوط.

نفس التفاصيل.

حسيت بقلبي بيخبط.

“مين ده؟”

سألته.

قال:

“كان واحد من أهم الرجال اللي اشتغلت معاهم.”

سكت لحظة.

“ومات من حوالي تسع سنين.”

رجعت أبص للصورة.

“وإيه علاقته بيا؟”

بص في عيني.

“ده مش السؤال الصح.”

“أمال إيه السؤال الصح؟”

اقترب خطوة وقال:

“السؤال هو… ليه العلامة دي موجودة على دراعك أنتِ؟”

قبل ما أقدر أجاوب، سمعنا صوت خطوات جاية من ورانا.

كان عمر.

وقف على مسافة قريبة.

“مريم، بابا عايزك.”

اللواء ياسين لف له.

“أنا ومريم بنتكلم.”

عمر ابتسم ابتسامة قصيرة.

“أكيد. بس الموضوع عائلي.”

رد اللواء بهدوء:

“من إمتى وأنت بتقرر مين يتكلم مع مين؟”

اختفت الابتسامة من وش عمر.

فضل واقف ثواني.

ثم قال:

“حضرتك أكيد فهمت الموضوع غلط.”

اللواء ياسين لم يرد.

فقط ظل ينظر إليه.

ثم قال:

“يمكن.”

وبعدها سلمني الهاتف.

“خليه معاكي.”

عمر بص للهاتف.

ثم بص لي.

وفجأة تغير وجهه.

وكأنه فهم أن شيئًا حدث.

“إيه اللي في الموبايل؟”

قلت:

“صورة.”

مد إيده عشان ياخده.

لكن اللواء ياسين أمسك معصمه.

“متلمسش حاجة.”

عمر تجمد.

وأنا لأول مرة شفت أخويا اللي طول عمره واثق من نفسه… متوتر.

جداً.

اللواء ياسين اقترب منه وقال بصوت منخفض:

“لو العلامة دي هي اللي أنا فاكرها… يبقى عند عيلتكم مشكلة أكبر بكتير من مجرد حفلة رجوع.”

ثم تركه ومشى.

—

رجعت للبيت.

لكن الحفلة ما كانتش زي الأول.

الناس ما بقيتش بتضحك بنفس الطريقة.

بعض الضباط بدأوا ينسحبوا بهدوء.

وأبي وقف عند باب البيت، بيحاول يتصرف وكأن مفيش حاجة حصلت.

أمي كانت غاضبة.

جداً.

أول ما دخلت الصالة، قفلت الباب خلفي.

“إنتِ قلتي له إيه؟”

بصيت لها باستغراب.

“أنا؟ أنا ما قلتش حاجة.”

“يبقى هو عرف منين؟”

“عرف إيه؟”

صاحت:

“مريم، متلعبيش دور الغبية!”

سكت.

أول مرة أمي تستخدم النبرة دي معايا قدام أبي.

أبي قال:

“خلاص يا نادية.”

ثم بص لي.

“اطلعي أوضتك.”

“ليه؟”

“عشان الموضوع ده انتهى.”

ضحكت لأول مرة.

ضحكة قصيرة من غير فرحة.

“هو انتهى بالنسبة لكم… لكن أنا لسه معرفتش بدأ أصلًا إزاي.”

أبي اتغير وجهه.

“مريم.”

“أنا عايزة أعرف الحقيقة.”

أمي قالت:

“الحقيقة إنك بنتنا، ودي حاجة المفروض تكون كفاية.”

بصيت لها.

“لو أنا فعلًا بنتكم… ليه كل مرة بتحاولوا تخبوني؟”

الصمت.

الجملة أصابتهم في مكان حساس.

ثم سمعت صوت عمر من خلفهم:

“لأن مريم مش زي ما إحنا كنا فاكرين.”

لفيت له.

“يعني إيه؟”

عمر ما ردش.

لكن أبي قال:

“عمر!”

كأنه حذره من الاستمرار.

اقتربت منه.

“إنت عارف حاجة.”

“معرفش.”

“بتكدب.”

“مريم، اطلعي فوق.”

“مش هطلع.”

أول مرة في حياتي أرفض أمر مباشر من أبي.

أول مرة ما أخافش من غضبه.

قلت:

“أنا طول عمري عملت اللي طلبتوه. سكت. خدمتكم. تحملت كلامكم. حتى لما تجاهلتوني، قلت لنفسي يمكن عندكم أسباب.”

ثم رفعت ذراعي.

“لكن العلامة دي… أنا عايزة أعرف معناها.”

أبي بص لها.

وللحظة قصيرة جدًا…

شفت الخوف في عينيه.

وبعدها حصل شيء ما كنتش متوقعاه.

أبي مشي ناحية مكتبه بسرعة.

فتح درجًا مقفولًا.

أخرج ملفًا بنيًا قديمًا.

ووضعه على الطاولة.

قال:

“لو فتحتي الملف ده… حياتك مش هترجع زي الأول.”

نظرت للملف.

ثم إليه.

“يمكن حياتي أصلًا عمرها ما كانت زي ما كنت فاكرة.”

مددت يدي.

لكن قبل ما ألمس الملف…

سمعنا صوت طرق قوي على الباب الخارجي.

ثلاث طرق.

متتالية.

ثم صوت رجل من الخارج:

“شرطة.”

كلنا اتجمدنا.

أمي بصت لأبي.

عمر وقف مكانه.

وأنا فضلت بصّة واحدة على الملف.

ثم سمعت صوت الرجل مرة أخرى:

“إحنا جايين نسأل عن مريم الشاذلي.”

في اللحظة دي…

أدركت إن السر اللي عيلتي خبته عني سنين…

مش مجرد سر عائلي.

كان سرًا يخلي الشرطة تيجي لحد بيتنا بعد منتصف الليل.

والأخطر من كده…

إنهم كانوا بيسألوا عني أنا بالاسم.
أبي لم يتحرك.

أمي كانت واقفة بجانبه، ووشها فقد كل ألوانه.

أما عمر، فكان أول واحد يتكلم.

“محدش يفتح الباب.”

بصيت له.

“ليه؟”

ما ردش.

اتجه أبي ناحية الباب ببطء، لكن عمر أمسك ذراعه.

“استنى.”

ثم بص لي.

“مريم، اطلعي فوق.”

هزيت رأسي.

“مش هطلع.”

“دي مش لعبة.”

“وأنا مش هستخبى تاني.”

قبل ما حد يرد، اتكرر الطرق على الباب.

أقوى المرة دي.

“شرطة! افتحوا الباب!”

أبي فتح.

دخل رجلان بملابس رسمية، ومعاهم سيدة تحمل ملفًا.

السيدة بصت في الورق، ثم قالت:

“مريم الشاذلي؟”

رفعت إيدي.

“أنا.”

أمي شهقت.

الرجل اللي واقف بجانبها بص لأبي وقال:

“حضرتك والدها؟”

أبي تردد.

ثانية واحدة فقط.

لكنني لاحظتها.

ثم قال:

“أيوه.”

السيدة فتحت الملف.

“إحنا مش جايين نقبض على حد.”

أمي أخذت نفسًا.

لكنها أكملت:

“إحنا جايين نتأكد من هوية مريم.”

عبست.

“هويتي؟”

أخرجت صورة قديمة.

الصورة كانت بالأبيض والأسود.

وفيها فتاة صغيرة تقف بجانب رجل عسكري.

لم أتعرف على الرجل.

لكن الفتاة…

كانت أنا.

أو على الأقل تشبهني بشكل مخيف.

قلت:

“دي أنا؟”

السيدة هزت رأسها.

“الصورة دي اتسجلت ضمن ملف قديم جدًا.”

أبي قال بسرعة:

“الملف ده مش من اختصاصكم.”

السيدة التفتت إليه.

“بالعكس.”

ثم أخرجت ورقة أخرى.

“الملف اتفتح من جديد النهارده.”

نظرت إلى أبي.

“ليه؟”

لم يجب.

رفعت عيني إلى السيدة.

“إيه علاقة الصورة بيا؟”

قالت:

“قبل تسع سنين، حصلت عملية سرية في مكان خارج القاهرة.”

سكتت لحظة.

“العملية انتهت بمقتل أحد الضباط واختفاء شخص آخر.”

قلبي بدأ يخبط.

“ومين الشخص اللي اختفى؟”

نظرت لي مباشرة.

“طفلة.”

ساد الصمت.

أمي بدأت تبكي.

لكنني لم أفهم.

قلت:

“أنا كنت موجودة في البيت.”

السيدة قالت:

“ده اللي كنا فاكرينه.”

ثم وضعت الورقة أمامي.

“لكن سجلات المستشفى بتقول إن البنت اللي رجعت لعيلتك في نفس السنة… مش هي البنت اللي خرجت معاهم من المكان.”

تراجعت خطوة.

“إيه؟”

أبي صرخ:

“كفاية!”

السيدة لم تلتفت له.

أما أنا، فبصيت لأمي.

كانت تبكي.

“ماما…”

رفعت عينيها لي.

ولأول مرة منذ سنين، لم أجد في وجهها قسوة.

وجدت خوفًا.

قلت:

“أنا مين؟”

لم تجب.

اقتربت منها.

“أنا مين يا ماما؟”

هزت رأسها.

“مريم…”

“أنا بنتك؟”

سكتت.

ثم قالت بصوت مكسور:

“أنتِ بنتي.”

تنفست براحة للحظة.

لكن السيدة قالت:

“دي مش الإجابة اللي إحنا بندور عليها.”

لفيت لها.

“يعني إيه؟”

أخرجت ملفًا آخر.

كان أقدم.

وعليه ختم أحمر.

“اسم مريم الشاذلي ظهر في السجلات الرسمية لأول مرة وهي في السابعة عشرة.”

تجمدت.

“بس أنا كنت عايشة قبل كده.”

“في سجلاتنا… لا.”

بصيت لأبي.

ثم لأمي.

ثم لعمر.

كان عمر واقفًا وشه شاحب.

قلت:

“إنت كنت عارف؟”

لم يرد.

صرخت:

“إنت كنت عارف؟!”

قال أخيرًا:

“مش كل حاجة.”

“بس عارف إن في حاجة غلط!”

خفض عينيه.

فهمت.

سنين كاملة كنت أعتقد إن أخويا مجرد متكبر ومغرور.

لكن الحقيقة كانت أسوأ.

كان يعرف.

ربما ليس كل شيء…

لكن كان يعرف أن هناك شيئًا مخفيًا.

—

في تلك اللحظة، دخل رجل آخر إلى البيت.

كنت أعرفه.

اللواء ياسين.

لكن ملامحه هذه المرة كانت مختلفة تمامًا.

لم يكن في وجهه أي أثر للهدوء الذي رأيته في الحفلة.

وقف أمامي.

وقال:

“مريم… لازم تعرفي الحقيقة قبل ما حد تاني يحاول يوصل لك.”

أبي صرخ:

“ياسين، اخرج من بيتي.”

اللواء ياسين لم ينظر إليه.

قال لي:

“العلامة اللي على دراعك مش وشم.”

نظرت إلى ذراعي.

“أمال إيه؟”

قال:

“رمز تعريف.”

شعرت ببرودة تسري في جسمي.

“تعريف لإيه؟”

أخرج هاتفه وفتح صورة قديمة.

نفس الرمز.

ثم فتح صورة أخرى.

نفس الرمز.

ثم نظر لي وقال:

“الرمز ده كان بيتحط على أفراد مجموعة صغيرة جدًا… كانت مهمتها تنفيذ عمليات لا يعرف عنها أحد.”

قلت:

“أنا كنت واحدة منهم؟”

هز رأسه.

“إنتِ كنتِ أصغر شخص في المجموعة.”

ضحكت من شدة الصدمة.

“أنا؟”

“كان عمرك وقتها أقل من سبعتاشر سنة.”

نظرت لأمي.

“إنتوا عملتوا إيه فيا؟”

بدأت تبكي.

لكن أبي قال:

“إحنا أنقذناها.”

لفيت له.

“أنقذتوني؟”

“أيوه.”

“من إيه؟”

سكت.

اللواء ياسين هو اللي أجاب:

“من ناس كانوا بيدوروا عليك.”

“ليه؟”

قال:

“لأن والدك الحقيقي كان واحدًا من أهم الرجال اللي اشتغلوا في المهمة دي.”

توقفت أنفاسي.

“والدي الحقيقي؟”

أبي أغلق عينيه.

وعمر جلس على الكرسي كأنه لم يعد قادرًا على الوقوف.

اللواء ياسين اقترب مني.

“والدك الحقيقي لم يمت في الحادثة.”

نظرت له في ذهول.

“إيه؟”

قال:

“هو اختفى.”

ثم أضاف:

“وقبل ما يختفي، ترك رسالة واحدة.”

أخرج ورقة مطوية من جيبه.

فتحها.

كانت عليها جملة قصيرة.

قرأها بصوت منخفض:

“لو وصلت مريم إلى سن الثلاثين، أخبروها بالحقيقة.”

رفعت عيني إليه.

“أنا عندي واحد وثلاثين.”

قال:

“عشان كده الملف اتفتح النهارده.”

ثم نظر خلفي ناحية أبي.

“لأن والدك الحقيقي ظهر من جديد.”

تجمدت.

“فين؟”

لم يجب.

فقط قال:

“في القاهرة.”

ثم أضاف:

“وهو يعرف أنك ما زلتِ حية.”

وفي اللحظة التي ظننت فيها أنني أخيرًا اقتربت من الحقيقة…

رن هاتف أمي.

نظرت إلى الشاشة.

ثم رفعت عيني نحوي، ووجهها تحول إلى رعب حقيقي.

قالت:

“مريم…”

“إيه؟”

مدت الهاتف لي.

كانت هناك رسالة واحدة فقط.

من رقم مجهول:

“قولوا لها إني وصلت… وأنا جاي آخد بنتي.”
فضلت باصة للرسالة من غير ما أتكلم.

“أنا جاي آخد بنتي.”

الجملة كانت قصيرة…

لكنها هزت كل حاجة كنت فاكرة إني عارفاها عن حياتي.

رفعت عيني لأمي.

“هو مين؟”

ما ردتش.

“ماما… هو مين؟”

بدأت دموعها تنزل.

أبويا قال بسرعة:

“اقفلي التليفون.”

بصيت له.

“ليه؟”

“لأن الشخص ده خطر.”

اللواء ياسين تدخل:

“الموضوع مش بالبساطة دي.”

أبي انفجر فيه:

“إنت السبب في كل اللي حصل!”

ساد الصمت.

أنا بصيت للواء ياسين.

“يعني إيه؟”

لكنه لم يرد.

فقلت:

“إنت تعرف أبويا الحقيقي؟”

هز رأسه.

“أيوه.”

“وتعرف هو فين؟”

“أيوه.”

“من إمتى؟”

سكت.

ثم قال:

“من حوالي تسع سنين.”

ضحكت بمرارة.

“يعني كل الناس كانت عارفة حاجة عني… وأنا الوحيدة اللي ما كنتش عارفة.”

أمي اقتربت مني.

“كنا بنحاول نحميكي.”

رجعت خطوة.

“تحموني من مين؟”

قالت:

“من أبوكي الحقيقي.”

توقفت.

“ليه؟”

أبي تدخل:

“لأنه كان مطلوبًا.”

اللواء ياسين صحح:

“مش مطلوب.”

ثم نظر لأبي.

“كان مراقَب.”

أبي قال بغضب:

“والفرق إيه؟”

“الفرق إنه ما كانش مجرم.”

تجمدت.

“يعني إيه؟”

اللواء ياسين أخذ نفسًا.

“والدك كان ضابطًا في وحدة خاصة جدًا. خلال مهمة قديمة، اكتشف إن في ناس داخل المؤسسة نفسها بيستغلوا عمليات سرية لأهداف شخصية.”

قلت:

“وبيعمل إيه؟”

“جمع أدلة.”

أبي قاطعه:

“وبسبب الأدلة دي، ناس كتير كانت هتتحاسب.”

“فهرب؟”

“اختفى.”

ثم نظر إلي.

“لكن قبل ما يختفي، كان عنده سبب يخاف عليك.”

قلت:

“أنا؟”

“أيوه.”

اللواء ياسين أضاف:

“لأنك كنتِ الشخص الوحيد اللي كان يعرف جزءًا من الحقيقة من غير ما يدري.”

ضحكت.

“أنا كنت طفلة!”

“بالضبط.”

ثم قال:

“والرمز اللي على دراعك كان جزءًا من نظام تعريف سري. كان بيساعد المجموعة على معرفة الأشخاص المسموح لهم بالوصول إلى معلومات معينة.”

نظرت للوشم.

“بس أنا مش فاكرة أي حاجة.”

“وده كان مقصود.”

أمي شهقت.

بصيت لها.

“إنتِ عملتي إيه؟”

لم تجب.

فقلت بصوت أعلى:

“إنتِ عملتي إيه؟”

بدأت تبكي.

“مريم…”

“جاوبيني!”

قالت أخيرًا:

“الدكتور قال إن ذاكرتك لازم تفضل مقفولة.”

شعرت بقشعريرة.

“أي دكتور؟”

سكتت.

اللواء ياسين قال:

“الدكتور اللي ساعدنا بعد الحادث.”

“يعني أنا اتعرضت لحادث؟”

هز رأسه.

“أيوه.”

“وإيه اللي حصل؟”

قبل أن يجيب، سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام البيت.

ثم صوت باب سيارة بيتقفل.

الضابط الموجود عند الباب تحرك بسرعة ناحية النافذة.

وبعد ثوانٍ قال:

“في عربية سوداء وصلت.”

اللواء ياسين نظر إلى أبي.

أبي قال:

“مش هو.”

اللواء ياسين رد:

“إنت متأكد؟”

أبي لم يجب.

اقتربت من النافذة.

كان هناك رجل واقف بجانب السيارة.

بعيد.

ملامحه لم تكن واضحة.

لكن بمجرد ما شفته…

حصل شيء غريب.

رأسي بدأ يؤلمني.

صورة خاطفة مرت في ذهني.

طريق مظلم.

صوت رجل بيقول:

“مريم، مهما حصل… ما تثقيش في حد.”

ثم صورة أخرى.

يد تمسك إيدي.

وصوت:

“أبوكي هيرجع.”

وضعت يدي على رأسي.

“أنا شفته قبل كده.”

اللواء ياسين اقترب مني.

“إيه؟”

“الرجل ده… أنا شفته.”

أمي صاحت:

“مريم، ابعدي عن الشباك!”

لكن الوقت كان فات.

الرجل رفع رأسه.

ونظر مباشرة إلى النافذة.

إلينا.

ثم رفع يده.

وفي يده شيء صغير.

كان نفس الرمز الموجود على ذراعي.

—

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى