منوعات

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

أول ما شفت التوقيع الموجود في آخره، عرفت إن الحكاية لسه فيها مفاجأة أكبر.

لأن الشخص اللي وقّع الخطاب ماكانش أبويا ولا أمي… كان والد يوسف بالتبني، واللي كتب فيه اعترافًا بأنه دفع المبلغ وهو عارف إن الأم الحقيقية لم توافق على التنازل!

يتبع…
### الحقيقة الكاملة… واللقاء الذي انتظرته 31 سنة

فضلت ماسكة الخطاب وأنا مش قادرة أصدق اللي بقراه.

يوسف لاحظ ارتباكي، فسحب الكرسي وقعد جنبي وقال:

«أنا عارف إنك اتصدمتي، لكن لازم تسمعيني للآخر. الخطاب ده كتبه الراجل اللي رباني، قبل وفاته بفترة قصيرة.»

بدأت أقرأ بصوت مرتعش.

كان مكتوب فيه:

«إلى ابني يوسف…

أنا عارف إنك هتكرهني لما تعرف الحقيقة، لكن مش قادر أموت وأنا مخبي عنك اللي حصل.

لما كنت لسه طفل رضيع، أنا وزوجتي كنا بنحلم يكون عندنا طفل. وبعد محاولات كتير، عرفنا إننا مش هنقدر نخلف.

في الوقت ده، وصل لنا محامي عن طريق شخص صاحب نفوذ، وقال إن فيه بنت صغيرة خلفت طفلًا ومش عايزة تحتفظ بيه.

قال لنا إن أهلها موافقين على التنازل، وإن كل الإجراءات هتتم بشكل قانوني.

لكن الحقيقة إني اكتشفت بعد كده إن والدتك كانت رافضة تمامًا، وإن أهلها ضغطوا عليها وهي في حالة صحية ونفسية صعبة بعد الولادة.

كنت أقدر أوقف كل حاجة، لكني خفت أخسر فرصة إني أبقى أب.

وافقت، واستلمتك، وعشت معاك أجمل أيام عمري.

أنا حبيتك بصدق، لكني أخطأت لما سكت عن الحقيقة.

سامحني يا ابني.»

وقعت الورقة من إيدي.

يوسف قال بصوت حزين:

«أنا مش بلومك على حاجة يا ماما. أنا نفسي كنت محتاج أفهم إيه اللي حصل.»

بصيت له وقلت:

«طب وأمك اللي ربتك؟»

ابتسم وقال:

«نادية كانت إنسانة عظيمة. عمرها ما خلتني أحس إني غريب عنها. هي اللي علمتني أكون إنسان كويس، وهي اللي شجعتني أدخل كلية الطب. ولما عرفت الحقيقة، قالت لي إن معرفة أمي الحقيقية مش معناها إني أتخلى عنها.»

ابتسمت وسط دموعي.

قلت له:

«ربنا يرحمها. أنا مدينة ليها إنها حافظت على الصليب والخطاب، وإنها ربت ابني بالشكل ده.»

مسك إيدي وقال:

«هي كانت بتقول دايمًا إن الأم مش بس اللي بتولد، الأم كمان اللي بتحب وتربي وتضحي. وأنا محظوظ إن ربنا رزقني بأمّين.»

بعد ما خرجت من المستشفى، قررت إني ما أسيبش الموضوع من غير ما أعرف الحقيقة كاملة.

طلبت من يوسف يساعدني أوصل للمحامي القديم، وبدأنا نبحث في الأوراق اللي كانت موجودة عنده.

لكن اكتشفنا إنه توفى من سنين.

مع ذلك، كان فيه أرشيف قديم في مكتبه، وورثته وافقوا يساعدونا في مراجعة المستندات بعد ما عرفوا سبب البحث.

وبعد أسابيع من المحاولات، ظهرت ورقة مهمة جدًا.

كانت نسخة من محضر قديم، فيه تفاصيل الاتفاق اللي حصل قبل ولادتي.

اكتشفنا إن أبويا كان خايف من كلام الناس، وإنه اتفق مع المحامي على إنهاء إجراءات التبني بسرعة، مستغلًا إنني كنت صغيرة ومفيش حد واقف في صفي.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في ورقة مكتوبة بخط أمي.

كانت رسالة قصيرة احتفظ بيها المحامي، وموجهة لأبي.

جاء فيها:

«أنا مش موافقة على اللي بتعمله. البنت مش هتسامحنا أبدًا لو عرفت إننا خدنا منها ابنها. أنا عايزة نرجع الطفل لأمه، لكنك رافض تسمعني.»

قرأت الرسالة أكثر من مرة.

سألت يوسف:

«يعني أمي كانت رافضة؟»

قال:

«واضح إنها حاولت تعترض، لكن ماعندناش دليل إنها قدرت توقف الإجراءات.»

في اللحظة دي، حسيت بمشاعر متضاربة.

كنت غاضبة من أمي لأنها ماحمتنيش، وفي نفس الوقت موجوعة لأنها ربما كانت عاجزة عن مواجهة أبويا.

أما أبي، فكان قد توفي قبل سنوات، ولم يعد بإمكاني مواجهته أو سماع تفسيره.

قررت أزور أمي.

كانت عايشة في بيت أختي، وبعد ما دخلت عليها، فوجئت بيوسف واقف جنبي.

بصت له باستغراب وسألت:

«مين الشاب ده؟»

قلت لها وأنا بحاول أسيطر على دموعي:

«ده يوسف… ابني اللي اتولد من 31 سنة.»

اتغير لون وشها، وإيديها بدأت تترعش.

فضلت باصة له فترة طويلة، وبعدها حطت إيدها على فمها وبدأت تبكي.

قالت بصوت ضعيف:

«إنتِ لقيتيه؟»

رديت عليها:

«أيوه يا ماما، لقيته. بس أنا عايزة أعرف ليه حصل كل ده؟ وليه سبتوني أعيش 31 سنة وأنا فاكرة إن ابني راح مني؟»

أمي نزلت عينيها وقالت:

«أنا آسفة يا بنتي.»

قلت لها:

«أنا مش جاية أسمع كلمة آسفة وبس. أنا ضيعت عمري وأنا بدور على ابني، وهو كمان عاش عمره وهو مش عارف أمه الحقيقية.»

بدأت أمي تحكي.

قالت إن أبويا كان مصمم يخفي حملي عن الناس، وكان شايف إن وجود طفل من غير زواج هيكون فضيحة للعيلة.

حاولت تقنعه يسيبني أربي ابني، لكنه رفض تمامًا.

وفي يوم الولادة، كان هو اللي رتب كل حاجة مع المحامي.

أمي قالت إنها حاولت تعترض، لكن أبويا هددها إنه لو وقفت في طريقي هيسيب البيت ويمنعها من رؤية بناتها.

قالت وهي بتعيط:

«أنا كنت جبانة يا بنتي. كنت خايفة أخسر بيتى وجوزي وبناتي، ومافكرتش إنك إنتِ كنتِ بتخسري ابنك.»

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

«بعد ما أخدوا يوسف، احتفظت بصورة ليه وبخطابك اللي حطيتيه في البطانية. كنت عارفة إنك لو شوفتيهم هتفضلي تدوري عليه، لكن أبوكي كان بيراقبني، وكنت خايفة يكتشف إني محتفظة بأي حاجة.»

سألتها:

«طب ليه ماقولتيليش الحقيقة بعد ما أبويا مات؟»

ردت وهي منهارة:

«كل ما كنت أقرر أقولك، كنت أخاف من اللحظة اللي هتبصي فيها في وشي وتعرفي إني خذلتك. كنت بقول لنفسي إنك نسيتي، وإنك بقيتي عندك أسرة وبنات، لكن الحقيقة إني كنت بهرب من ذنبي.»

يوسف كان واقف ساكت.

وبعد لحظات، قرب منها وقال:

«أنا مش هقدر أرجع السنين اللي فاتت، لكن عايز أفهم حاجة واحدة… ليه محدش حاول يدور عليّ؟»

أمي بصت له والدموع في عينيها وقالت:

«أنا حاولت مرة واحدة، بعد حوالي سنتين من ولادتك. سألت المحامي عنك، فقال لي إنك بخير وإن العيلة اللي أخدتك سافرت. لكني ماكانش عندي عنوان ولا أي معلومات تانية.»

يوسف رد بهدوء:

«كان ممكن تحاولي أكتر.»

أمي هزت رأسها وقالت:

«عارفة… ومفيش أي مبرر للي عملته.»

مرت شهور بعد المواجهة دي.

ماكانش سهل عليّ أسامح أمي، ولا كان سهل على يوسف يستوعب إن حياته كلها بدأت بقرار اتاخد من غير إرادة أمه.

لكننا اتفقنا إن الماضي مش هياخد مننا المستقبل كمان.

بدأ يوسف يزورني باستمرار.

في البداية كان بيناديني باسمي، وكان واضح إنه محتاج وقت عشان يتعود على وجودي في حياته.

أما أنا، فكنت بحاول ما أضغطش عليه.

كنت عايزة أتعرف عليه من جديد، أعرف أكله المفضل، وذكرياته، وأحلامه، والحاجات اللي بتضحكه.

عرفت إنه بيحب القراءة، وإنه كان بيشتغل ساعات طويلة في المستشفى، وإنه اختار الجراحة لأنه كان دايمًا بيحب يساعد الناس في أصعب لحظاتهم.

وفي يوم، جاب لي صورة قديمة له وهو طفل، واقف جنب نادية في حديقة بيتهم.

قال لي:

«دي أمي اللي ربتني. كنت عايزك تشوفيها.»

مسكت الصورة وبصيت لها طويلًا.

كانت ست بسيطة، وابتسامتها مليانة حنان.

قلت له:

«نفسي لو كنت قابلتها أشكرها على إنها حبتك.»

يوسف ابتسم وقال:

«هي كانت هتحبك جدًا. وكانت نفسها تشوف اليوم اللي هنعرف فيه بعض.»

بعدها بأيام، أخدني لزيارة قبرها.

وقف قدام القبر وقال:

«ماما نادية، دي أمي اللي ولدتني. وأنا متأكد إنك كنتِ هتفرحي إننا أخيرًا اتقابلنا.»

حطيت وردة على قبرها، وقلت بصوت خافت:

«شكرًا إنك حافظتي على ابني.»

وفي عيد ميلادي الحادي والخمسين، حصلت لحظة عمري ما كنت أتخيلها.

كنت قاعدة في البيت، وفجأة سمعت جرس الباب.

فتحت، لقيت يوسف واقف ومعاه علبة صغيرة.

قال لي:

«كل سنة وإنتِ طيبة يا ماما.»

كانت دي أول مرة يناديني فيها بالكلمة دي.

ماقدرتش أمنع دموعي.

فتح العلبة، ولقيت جواها سلسلة فضية جديدة، وفيها الصليب القديم نفسه.

قال:

«أنا فكرت إن الصليب ده مكانه الطبيعي يكون معاكي. لكن قبل ما أديهولك، عايزك تعرفي إني مش هرجع أعيش الـ31 سنة اللي فاتوا، ومش هقدر أغير اللي حصل. لكن أقدر أبدأ معاكي عمر جديد.»

حضنته بقوة وقلت له:

«أنا مش عايزة منك تعوضني عن أي حاجة. أنا بس عايزاك تفضل موجود في حياتي.»

ابتسم وقال:

«وعد يا ماما.»

وفي اليوم ده، اجتمعت بنتاي مع يوسف لأول مرة.

كان فيه شوية ارتباك في البداية، لكن سرعان ما بدأوا يتكلموا ويضحكوا، واكتشفوا إن بينهم حاجات مشتركة كتير.

وبعد فترة، بقى يوسف جزءًا طبيعيًا من عيلتنا.

أما أمي، ففضلت تحاول تصلح اللي تقدر عليه، رغم إن بعض الجروح محتاجة وقت طويل عشان تهدى.

بعد مرور سنة، كنت قاعدة في شرفة البيت، ويوسف جنبي بيشرب الشاي.

لمست الصليب الفضي اللي رجع ليا، وبصيت له وقلت:

«عارف يا يوسف؟ أنا طول عمري كنت فاكرة إن أكتر يوم وجعني هو اليوم اللي أخدوك فيه من حضني.»

سألني:

«وإيه رأيك دلوقتي؟»

ابتسمت وقلت:

«اكتشفت إن أصعب حاجة مش إنك تفقد حد بتحبه، لكن إنك تعيش عمرك كله فاكر إنك اتخليت عنه، وهو في الحقيقة كان بيدور عليك زيه زيك.»

يوسف مسك إيدي وقال:

«يمكن ربنا كتب لنا نتقابل متأخر، لكن الحمد لله إننا اتقابلنا.»

بصيت للسما، وحسيت لأول مرة من سنين إن قلبي هادي.

31 سنة ضاعت، ومفيش كلام يقدر يرجعها.

لكن في النهاية، الحقيقة ظهرت، والابن اللي كنت فاكرة إني مش هشوفه تاني رجع لحياتي.

وأهم درس اتعلمته من الحكاية دي إن القرارات اللي بناخدها خوفًا من كلام الناس ممكن تدمّر حياة ناس أبرياء، وإن السكوت عن الظلم مش دايمًا بيكون حماية… أحيانًا بيكون مشاركة فيه.

أما أنا، فاحتفظت بالصليب الفضي في صندوق صغير بجوار سريري.

مش عشان يذكرني بالسنين اللي ضاعت، لكن عشان يذكرني إن الحب الحقيقي ممكن يفضل عايش حتى بعد 31 سنة من الفراق.

النهاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى