منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

حكيت لها عن الحساب القديم، وعن كلام المحامي.

فضلت تسمعني لحد ما خلصت، وبعدها قالت:

“أحمد، أنا عايزة أسألك سؤال، ومحتاجاك تجاوبني بصراحة.”

قلت لها:

“اتفضلي.”

قالت:

“هو مريم كانت تعرف إن والدك سايب فلوس أو ممتلكات محدش يعرف عنها؟”

افتكرت كلام قديم سمعته من أمي، وإن والدي كان محتفظ بمستندات خاصة بالشركة في خزانة مكتبه القديمة.

قلت لها:

“مش عارف، بس مريم كانت دايمًا قريبة من أبويا، ويمكن تعرف حاجات أنا معرفهاش.”

نهى مسكت إيدي وقالت:

“خلي بالك يا أحمد، أنا مش عايزة الموضوع يتحول لخناقة عائلية، لكن لازم تعرف الحقيقة.”

في صباح اليوم التالي، خرجت من المستشفى بعد ما اطمنت إن نهى حالتها بدأت تتحسن، وإن الأطباء هيكملوا متابعتها.

طلبت من أخويا الأصغر يفضل معايا شوية، وبعدها توجهت لمكتب الأستاذ عادل في وسط البلد.

أول ما دخلت، استقبلني وطلب مني أقعد.

فتح درج مكتبه وطلع ظرف بني قديم، عليه اسم والدي بخط إيده.

قال لي:

“والدك سلمني الظرف ده قبل وفاته بحوالي شهرين، وطلب مني أحافظ عليه.”

فتحت الظرف، ولقيت جواه مجموعة مستندات وصورة قديمة لوالدي مع كريم الشناوي وأمي فاطمة.

كان فيه كمان خطاب مكتوب بخط والدي.

بدأت أقرأ:

“يا أحمد، لو الخطاب ده وصل لك، يبقى غالبًا حصلت حاجة كنت خايف منها. طول عمري كنت فاكر إن الثقة بين أفراد العيلة كفاية لحماية حقوقنا، لكن اكتشفت إن فيه ناس ممكن تستغل أقرب الناس ليها عشان تحقق مصالحها.”

وقفت عند الجملة دي.

كملت القراءة:

“أنا سايب لك مستندات تثبت إن جزء من أموال الشركة اتنقل لحسابات خاصة من غير موافقتي. وكنت بدأت أراجع الموضوع قبل وفاتي، لكن اكتشفت إن فيه اتفاق حصل بين كريم وشخص من داخل العيلة.”

رفعت عيني للمحامي وسألته:

“مين الشخص ده؟”

قال:

“اقرأ آخر صفحة.”

قلبت الورقة، ولقيت اسم مكتوب بخط واضح.

فاطمة… أمي!

حسيت بصدمة شديدة.

معقول أمي تكون عارفة بكل اللي حصل؟

لكن المحامي قاطع أفكاري وقال:

“استنى يا أحمد، متحكمش قبل ما تسمع باقي الحكاية.”

طلع ملف تاني وقال:

“والدك كان شاكك إن والدتك اتعرضت لضغط من كريم، وإنها وقعت على مستندات من غير ما تكون فاهمة كل تفاصيلها. لكنه قبل ما يوصل للحقيقة، حصلت وفاته.”

سألته:

“يعني أمي ممكن تكون ضحية هي كمان؟”

قال:

“ده احتمال وارد، وعشان كده لازم نراجع كل حاجة بالقانون.”

في اللحظة دي، موبايلي رن.

كانت مريم.

رديت، وسمعت صوتها هادي بشكل غريب:

“أحمد، إنت فين؟”

قلت:

“في مشوار.”

قالت:

“أنا عارفة إنك عرفت موضوع المنتجع، وعايزة أقابلك ضروري.”

سألتها:

“إيه اللي عندك يا مريم؟”

قالت بصوت منخفض:

“أنا مش هقدر أشرح لك في التليفون، بس لازم تعرف إن كريم مش هو الشخص اللي ورا كل اللي حصل.”

اتجمدت مكاني.

سألتها:

“يعني إيه؟”

قالت:

“فيه حد تاني، وحد قريب منك أكتر مما تتخيل.”

وبعدها قفلت المكالمة.

بصيت للمحامي، لقيته مركز معايا.

قلت له:

“واضح إن فيه حد تاني داخل في الموضوع.”

رد بهدوء:

“أنا كنت متوقع ده.”

وقبل ما أسأله عن قصده، فتح درج تاني وطلع صورة قديمة لوالدي، وكان واقف فيها قدام باب خزانة حديدية.

قال لي:

“والدك ساب حاجة أخيرة، حاجة محدش يعرف مكانها غير شخص واحد.”

سألته:

“مين؟”

رد:

“أختك مريم.”

وفي اللحظة دي بدأت أشك إن مريم مش مجرد شخص بيشارك في الخطة… يمكن تكون هي نفسها بتحاول توصل لحقيقة أبوك، لكن فيه سبب مخليها خايفة تتكلم!

يتبع…
### الجزء الأخير: الحقيقة اللي أخفاها الأب خمس سنين

فضلت باصص للمحامي ومش قادر أصدق اللي سمعته.

قلت له: “يعني إيه مريم هي الوحيدة اللي تعرف مكان الخزانة؟ وإزاي تكون عارفة حاجة زي دي ومخبية عني؟”

الأستاذ عادل فتح الملف القديم، وطلع منه ورقة عليها عنوان بيت قديم في مدينة الإسكندرية.

قال لي: “والدك كان عنده مكتب خاص في البيت ده، وكان بيحتفظ فيه بكل مستنداته المهمة. قبل وفاته بفترة، طلب من مريم تساعده في نقل بعض الأوراق، ومن يومها وهي الوحيدة اللي تعرف مكان المفتاح.”

سألته: “طب ليه مريم ما قالتليش؟”

رد: “لأن والدك طلب منها ما تتكلمش غير لما تظهر أدلة جديدة على التلاعب في أموال الشركة.”

خرجت من مكتب المحامي وأنا دماغي مليانة أسئلة.

اتصلت بمريم وطلبت منها نقابل بعض في مكان هادي.

بعد ساعة، قابلتني في كافيه قريب من بيتنا.

كانت عينيها حمرا من العياط، وأول ما قعدت قالت:

“أنا عارفة إنك كرهتني بعد اللي حصل لنهى وآدم، وعارفة إنك مش هتصدق أي كلمة أقولها.”

قلت لها: “ابدئي من الأول، ومتحاوليش تخبي عني حاجة.”

أخدت نفس طويل وبدأت تحكي.

قالت إن كريم الشناوي رجع يتواصل معاها من حوالي ست شهور، وادعى إنه عايز يصلح الخلاف القديم مع العيلة، وإنه عنده مستندات تثبت إن والدي كان ليه نصيب كبير في شركة العقارات، وإن فيه أموال وممتلكات لسه متسوتش.

في البداية رفضت تسمع له، لكنه ورّاها بعض الأوراق القديمة، وقال لها إن أمي كانت عارفة بكل حاجة.

وبعدها بدأ يضغط عليها ويقول إن لو الموضوع اتكشف، أمي ممكن تدخل في مشاكل قانونية بسبب توقيعها على بعض المستندات.

سألتها: “وإيه علاقة نهى بالحكاية دي؟”

نزلت عينيها وقالت:

“أنا غلطت يا أحمد. كريم طلب مني صورة بطاقة نهى، وقال إننا محتاجين نستخدمها في إجراء إداري مؤقت، وإن الموضوع ملوش أي ضرر.”

قلت بعصبية: “وإنتِ صدقتيه؟”

قالت وهي بتعيط:

“كنت خايفة على أمي، وكنت فاكرة إني بساعدها. لكن بعد كده اكتشفت إنه استخدم البيانات في حجز المنتجع، وعمل تحويلات مالية باسمها.”

سألتها: “طيب والاحتفال ده كان إيه؟”

قالت: “كريم قال لي إنه محتاج يعمل مناسبة كبيرة عشان يقابل شخص مهم، وإن استخدام اسم نهى هيخلي الموضوع بعيد عن اسمه الحقيقي.”

قلت لها: “والراجل اللي اسمه كريم ده كان بيعمل كل ده ليه؟”

ردت: “هو مش لوحده يا أحمد. فيه شخص كان بيساعده من زمان، وده الشخص اللي أبويا كان شاكك فيه.”

سألتها: “مين؟”

قالت بصوت منخفض:

“شريف… جوزي.”

اتسمرت مكاني.

مريم كملت وهي بتعيط:

“شريف كان بيتواصل مع كريم من ورايا، وكان عارف تفاصيل حسابات الشركة. هو اللي أقنعني أساعد كريم، وهو اللي قال لي إن الموضوع مجرد تسوية مالية، وإن محدش هيتضرر.”

وقتها بدأت أفهم ليه مريم كانت متوترة طول الوقت.

لكن ده ما كانش مبرر للي عملته في نهى وابني.

قلت لها بحزم:

“حتى لو كنتِ بتحاولي تحمي أمي، إنتِ عرضتي مراتي وابني للخطر. نهى كانت خارجة من عملية، وآدم كان محتاج لبن، وإنتوا أخدتوا احتياجاتهم.”

مريم غطت وشها بإيديها وقالت:

“أنا عارفة، ومش هطلب منك تسامحني بسهولة.”

بعد المقابلة، طلبت منها تروح معايا للبيت القديم في الإسكندرية.

وصلنا هناك بعد العصر، وفتحنا المكتب بالمفتاح اللي كانت محتفظة بيه.

كان المكان مليان ملفات قديمة وصور ومستندات.

بدأنا نفتش لحد ما لقينا خزانة حديدية صغيرة ورا مكتبة خشب.

مريم طلعت المفتاح وفتحتها.

كان جواها صندوق أسود، وفيه مجموعة عقود، وكشوف حسابات، وفلاشة صغيرة، وخطاب تاني من والدي.

فتحت الخطاب وبدأت أقرأ:

“أولادي أحمد ومريم…

لو أنتم بتقروا الكلام ده، يبقى الحقيقة أخيرًا بدأت تظهر.

أنا اكتشفت إن كريم الشناوي استغل ثقتي، وإن فيه تحويلات مالية تمت من الشركة من غير موافقتي. لكن اللي وجعني أكتر إن شخص قريب مننا ساعده، واستغل ضعف والدتكم وخوفها من المشاكل.

أنا مش عايزكم تتخانقوا، ولا عايز حد منكم يظلم التاني. كل اللي أتمناه إن الحق يرجع لأصحابه، وإنكم تفضلوا عيلة واحدة.”

في آخر الخطاب كان فيه تفصيل مهم جدًا.

والدي كان عامل عقد شراكة موثق، يثبت إن له نسبة كبيرة في الشركة، وإن جزءًا من الأرباح تم إخفاؤه عن الورثة.

أما الفلاشة، فكان عليها تسجيلات لاجتماعات قديمة بين كريم وشريف، بتوضح إنهم كانوا بيخططوا للاستيلاء على أموال الشركة باستخدام مستندات غير صحيحة.

بصيت لمريم وقلت:

“لازم كل ده يوصل للمحامي.”

هزت رأسها بالموافقة.

في نفس الليلة، اتصلت بمحمود مدير المنتجع.

طلبت منه يحتفظ بكل تسجيلات الكاميرات والمستندات المتعلقة بالحجز، وأبلغته إن استخدام بيانات نهى تم من غير موافقتها.

وبعدها تواصلنا مع المحامي، وبدأ إجراءات قانونية لحماية بيانات نهى ومراجعة التحويلات المالية، وتقديم المستندات للجهات المختصة.

أما شريف، فاختفى بمجرد ما عرف إننا وصلنا للأوراق.

لكن بعد أيام، تم استدعاؤه للتحقيق، وبدأت تظهر تفاصيل أكتر عن التحويلات والتعاملات المالية المشبوهة.

وكريم كمان اضطر يواجه المستندات والتسجيلات اللي اتقدمت ضده.

أما أمي فاطمة، فطلبت أقابلها.

رحت لها البيت، ولقيتها قاعدة في الصالة ووشها شاحب.

أول ما شافتني قالت:

“أنا عارفة إنك عرفت كل حاجة.”

قعدت قدامها وقلت:

“عايز أسمع منك الحقيقة يا أمي.”

بدأت تعيط وقالت إن كريم كان بيضغط عليها من سنين، وإنه أقنعها إنها لو ما وقعتش على بعض الأوراق، هيحمّلها مسؤولية اختفاء أموال الشركة.

كانت خايفة، وسكتت بدل ما تواجهه.

لكنها اعترفت إنها كانت عارفة إن مريم بتاخد الأكل ولبن آدم، وإنها وافقت على ده بحجة إنهم هيعوضوا نهى بعدين.

قلت لها:

“يا أمي، أنا ممكن أفهم خوفك من كريم، لكن مش هقدر أفهم إزاي تشوفي مراتي تعبانة وابني محتاج لبن، وتسبيهم بالشكل ده.”

فضلت تعيط وتقول:

“سامحني يا ابني.”

رديت عليها:

“المسامحة مش معناها إن اللي حصل عادي. نهى وابني ليهم حق عليكِ، ولازم تعتذري لها بنفسك.”

مرت أسابيع، وبدأت الأمور تستقر.

نهى تعافت تدريجيًا من العملية، وآدم بقى أحسن، ورجعنا بيتنا بعد ما اتأكدنا إن كل احتياجاته متوفرة.

وفي يوم الجمعة، أمي جت تزورنا.

دخلت وهي شايلة شنطة كبيرة فيها ملابس لآدم وحاجات لنهى.

قعدت قدام نهى وقالت:

“أنا عارفة إن الاعتذار مش هيمسح اللي حصل، لكن أنا غلطت في حقك، وغلطت في حق حفيدي، ومش هطلب منك تنسي اللي حصل بسرعة.”

نهى بصتلها وقالت بهدوء:

“أنا مش عايزة غير إن اللي حصل ما يتكررش، وإن آدم يعيش وسط ناس بتحبه بجد.”

أمي نزلت رأسها، ومقدرتش ترد.

أما مريم، فبدأت إجراءات الانفصال عن شريف بعد ما اكتشفت حجم الخداع اللي كان بيخفيه عنها.

وبعد فترة، اعترفت بخطئها رسميًا وقدمت كل المعلومات اللي عندها للجهات المختصة.

أما أنا، فقررت ما أرجعش أثق في أي حد لمجرد إنه من العيلة.

وبعد شهور من المراجعات القانونية، ثبتت حقوق والدي في الشركة، وبدأت إجراءات استرداد الأموال والممتلكات المستحقة للورثة.

لكن أهم مكسب بالنسبالي ما كانش الفلوس ولا الشركة.

كان إني قدرت أحمي بيتي، وأحافظ على مراتي وابني، وأعرف الحقيقة مهما كانت مؤلمة.

في ليلة هادية، كنت قاعد جنب نهى، وآدم نايم بينا في سريره الصغير.

نهى بصت لي وقالت:

“فاكر اليوم اللي رجعت فيه بدري؟”

ابتسمت وقلت:

“ده اليوم اللي اكتشفت فيه إن فيه حاجات كتير كنت غافل عنها.”

قالت:

“وأنا فاكرة إنك أول ما دخلت البيت، فضلت تلف تدور على لبن آدم، وبعدها قعدت جنبي وفضلت تطمني.”

مسكت إيديها وقلت:

“أنا آسف إني سبتك تعتمدي على ناس خذلوكي.”

ابتسمت وقالت:

“المهم إننا اتعلمنا، وإن بيتنا يفضل مليان أمان.”

بصيت لآدم وهو نايم، وحسيت إن كل اللي حصل علمني درس مش هنساه طول عمري.

مش كل اللي بيحملوا اسم العيلة بيكونوا سند، ومش كل اللي بيقولوا إنهم بيحبونا بيكونوا فعلًا خايفين على مصلحتنا.

العيلة مش مجرد أسماء وصلة دم، العيلة مواقف ورحمة ووقفة وقت الشدة.

وأصعب خذلان مش بييجي من الغريب، لكنه بييجي من الشخص اللي كنت مطمن إنه مستحيل يسيبك وقت احتياجك.

ومن يومها قررت إن ثقتي هتكون مبنية على الأفعال، مش على الوعود، وإن بيتي ومراتي وابني هييجوا قبل أي مجاملة لأي حد.

تمت القصة.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى