
الجزء الثاني ظلّت سلمى تنظر إلى والدها دون أن تفهم شيئًا. أما كريم، فبقي واقفًا بجوارها، والكوب في يده. قال بابتسامة متوترة: — عمي جمال، مش فاهم إيه اللي حصل؟ ده مجرد شاي أعشاب الدكتور نصحني أجيبه لسلمى. لم يرد جمال عليه. تقدم بضع خطوات، وأخذ الكوب من يد كريم ووضعه على الطاولة.
ثم قال بهدوء:
— أنا ما قلتش إنك عملت حاجة.
ارتبك كريم.
— أمال بتتكلم بالطريقة دي ليه؟
نظر جمال إلى ابنته وقال:
— لأن الدكتور اللي بيتابع حالة سلمى طلب مني حاجة غريبة.
سألته سلمى:
— إيه هي؟
أخرج جمال هاتفه من جيبه، وفتح رسالة كان قد تلقاها قبل دقائق.
— طلب مني أتأكد من كل الأدوية والمكملات اللي بتاخديها.
ابتلعت سلمى ريقها.
— ليه؟
— لأن نتائج التحاليل مش منطقية.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— جسمك كان بيتفاعل بطريقة غريبة مع بعض الأدوية.
تدخل كريم بسرعة:
— بس أنا كنت بديها الأدوية في مواعيدها بالضبط.
رفع جمال عينيه إليه.
— ودي تحديدًا المشكلة.
تغير وجه كريم.
قالت سلمى:
— بابا… أنت بتشك في كريم؟
تنهد جمال.
— أنا ما بشكش في حد من غير دليل. لكن لما بنتي تفقد حملها، وبعدها تبدأ تضعف بدل ما تتحسن، يبقى لازم أعرف السبب.
قال كريم بعصبية:
— يعني أنا المتهم دلوقتي؟
— محدش اتهمك.
— لكن كلامك واضح!
اقتربت سلمى من والدها.
— بابا، أنا تعبانة ومش ناقصة مشاكل.
أمسك جمال يدها.
— وأنا مش عايز أعمل مشاكل يا بنتي. أنا عايز أحميكي.
ثم التفت إلى كريم.
— عايز منك كل علب الأدوية اللي استخدمتها سلمى خلال الشهرين اللي فاتوا.
رد كريم فورًا:
— اتخلصنا منها.
توقفت سلمى.
— اتخلصنا منها؟
— أيوه. بعضها خلص، والباقي رميته.
نظر جمال إليه طويلًا.
— كلها؟
— أيوه.
— غريب.
— إيه الغريب؟
— لأن الأدوية اللي الدكتور وصفها ليها المفروض بعضها كان يكفي أكتر من أسبوعين.
لم يجب كريم.
وفي تلك اللحظة، شعرت سلمى لأول مرة بأن شيئًا ما ليس طبيعيًا.
لكنها لم تكن مستعدة لتصدق أن زوجها يمكن أن يؤذيها.
بعد أن غادر جمال، ظل كريم صامتًا.
ثم قال:
— أبوكي عمره ما حبني.
ردت سلمى بهدوء:
— هو كان قلقان عليا.
— لا، هو عايز يبوظ جوازنا.
— كريم، أنا تعبانة. مش وقت الخلافات دي.
اقترب منها وقبّل جبينها.
— أنا كل اللي بعمله عشانك.
لكن بعد أن خرج من الغرفة، ظلت سلمى تنظر إلى الباب.
لأول مرة، لم تشعر بالأمان.
في صباح اليوم التالي، اتصلت بوالدها.
— بابا، عايزة أشوفك.
بعد ساعة، كانت في مكتبه.
وضعت أمامه دفترًا صغيرًا.
— أنا بدأت أكتب مواعيد الأدوية والأعراض اللي بتحصل لي.
فتح جمال الدفتر.
كانت الصفحات مليئة بالملاحظات.
صداع…
دوخة…
غثيان…
تعب شديد…
وخفقان متكرر.
رفع جمال رأسه إليها.
— الأعراض دي بدأت إمتى؟
— تقريبًا بعد ما كريم بدأ هو اللي ينظم أدويتي.
صمت جمال.
ثم قال:
— سلمى، محتاج منك طلب.
— إيه؟
— من النهارده، ما تاخديش أي دواء إلا من المستشفى أو الصيدلية، وتحت إشراف الطبيب.
هزت رأسها.
ثم أضاف جمال:
— وفي حاجة تانية.
— إيه؟
— عايز كشف حسابك البنكي.
ضحكت سلمى بتوتر.
— حسابي؟
— أيوه.
— ليه؟
— لأن عندي إحساس إن الموضوع مش متعلق بصحتك بس.
في البداية ترددت.
لكنها أعطته بيانات الحساب.
وبدأ جمال يراجع العمليات البنكية خلال آخر عام.
بعد ساعات، تغير وجهه.
— سلمى…
— لقيت إيه؟
أدار شاشة الكمبيوتر نحوها.
كانت هناك تحويلات مالية متكررة إلى حسابات بأسماء أشخاص لا تعرفهم.
مبالغ صغيرة في البداية…
ثم أكبر…
ثم تحويلات شهرية منتظمة.
قالت سلمى:
— أنا عمري ما عملت التحويلات دي.
— عارف.
— يمكن كريم؟
لم يجب جمال.
ثم فتح ملفًا آخر.
كانت هناك مصروفات مرتبطة بشركة استثمارية صغيرة.
سألت:
— دي إيه؟
قال جمال:
— الشركة دي مرتبطة بأحد موظفي شركتي.
شعرت سلمى بقشعريرة.
— يعني إيه؟
نظر إليها والدها مباشرة.
— يعني إن زوجك كان بيحوّل فلوس من حسابك من غير ما تعرفي.
وضعت يدها على فمها.
— مستحيل…
— لسه ما وصلناش لحاجة تثبت إنه هو.
ثم ظهر أمامهما تحويل كبير جدًا.
وكان المستفيد شخصًا يدعى سامح فوزي.
قرأ جمال الاسم مرة أخرى.
ثم تجمد.
— أنا أعرف الراجل ده.
— مين؟
— محاسب سابق في شركتي.
— وإيه علاقته بكريم؟
لم يجب جمال فورًا.
أخرج هاتفه واتصل بأحد مساعديه.
— عايز ملف سامح فوزي كامل… من أول يوم اشتغل فيه عندنا لحد يوم خروجه.
ثم أغلق الهاتف.
بعد دقائق، وصل ملف إلكتروني.
فتحه جمال.
وكانت أول صفحة تحمل مفاجأة لم يتوقعها أي منهما.
سامح لم يكن مجرد محاسب سابق.
كان قد طُرد من الشركة قبل عامين بسبب تلاعب مالي كبير.
لكن الأغرب…
أن الشخص الذي أوصى بتوظيفه من البداية كان كريم.
نظرت سلمى إلى والدها.
— بابا… هو كان بيخطط لإيه؟
قال جمال:
— لسه ما نعرفش.
لكن بعد دقائق، ظهرت معلومة أخرى.
كان سامح قد تلقى دفعة مالية كبيرة قبل أيام قليلة من حمل سلمى.
ثم دفعة ثانية بعد تأكيد الحمل.
ثم دفعة ثالثة بعد دخولها المستشفى.
شعرت سلمى بأن الدم انسحب من وجهها.
همست:
— يعني… الفلوس دي كانت مرتبطة بحملي؟
لم يرد جمال.




