روايات وقصص

الجزء الاول من القصة بقلم محمد عبده

وفي نفس اللحظة، وصل إشعار جديد إلى هاتف سلمى.

رسالة من رقم مجهول:

“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن اللي حصل لطفلك، ما تثقيش في أي حاجة بيقولها كريم.”

حدقت سلمى في الشاشة.

ثم رفعت عينيها إلى والدها.

لكن قبل أن يتحدث أي منهما، وصلت رسالة ثانية:

“وابعدي عن البيت الليلة… لأن كريم عرف إنك بتدوري وراه.”

ساد الصمت.

ثم قال جمال بصوت منخفض:

— سلمى… خدي حاجتك، وإنتِ هتباتي عندي النهارده.

لكنها لم تكن تعرف أن كريم لم يكن ينتظرها في المنزل فقط…

بل كان قد بدأ بالفعل في تنفيذ خطته التالية.

الجزء الثالث

خرجت سلمى من مكتب والدها وهي ترتجف.

لم تكن تعرف ماذا تصدق.

هل كريم، الرجل الذي عاش معها ثلاث سنوات، والذي كان يمسح دموعها كلما بكت، يمكن أن يكون وراء كل ما يحدث؟

كانت تريد أن تكذب الرسالة.

أن تعتبرها محاولة لتخريب زواجها.

لكن الأرقام الموجودة في كشف الحساب لم تكن كذبة.

والتحويلات إلى سامح فوزي لم تكن خيالًا.

والأخطر من كل ذلك أن التحويلات بدأت قبل فقدان طفلها واستمرت بعد دخولها المستشفى.

قال جمال وهو يقود سيارته:

— من النهارده، ما تروحيش البيت لوحدك.

نظرت إليه.

— بس كريم جوزي يا بابا.

— وعشان كده أنا مش عايز أخوفك من غير دليل. لكن لازم ناخد احتياطنا.

وصل الاثنان إلى منزل جمال.

وقبل أن تنزل سلمى من السيارة، رن هاتفها.

كان كريم.

نظرت إلى الشاشة طويلًا.

قال والدها:

— ما ترديش.

لكن سلمى ردت.

— ألو؟

جاء صوت كريم هادئًا جدًا.

— حبيبتي، إنتِ فين؟

— عند بابا.

صمت لثوانٍ.

— ليه؟

— محتاجة أقعد معاه شوية.

ضحك كريم بخفة.

— طبعًا. بس كنت مستنيكي عشان تاخدي الدواء.

شعرت سلمى بقشعريرة.

— أي دواء؟

— الدواء اللي باخدهولك كل ليلة.

قالت:

— أنا مش هاخده النهارده.

ساد صمت طويل.

ثم تغير صوت كريم.

— مين قالك كده؟

تجمدت سلمى.

— محدش.

— يبقى ليه فجأة مش عايزة تاخديه؟

تدخل جمال وأخذ الهاتف منها.

— كريم، سلمى محتاجة ترتاح. بكرة نتكلم.

ثم أغلق الاتصال.

نظر إلى ابنته.

— سمعتي؟

هزت رأسها.

— أول ما قلت له إني مش هاخد الدواء، صوته اتغير.

لم يجب جمال.

في تلك الليلة، نامت سلمى في غرفة الضيوف.

لكن النوم لم يقترب منها.

كانت تستعيد كل التفاصيل.

كريم الذي كان يصر على تحضير مشروباتها بنفسه.

كريم الذي كان يغلق باب المطبخ عندما يجهز أدويتها.

كريم الذي كان يقول لها دائمًا:

— سيبي الأدوية عليّ. إنتِ مش محتاجة تشيلي هم حاجة.

وفجأة تذكرت شيئًا.

قبل دخولها المستشفى بأيام، كانت قد سألت كريم عن إحدى زجاجات الدواء.

فقال لها:

— الدكتور غير الجرعة.

لكنها لم ترَ وصفة جديدة.

في الثانية صباحًا، نهضت من السرير واتصلت بالطبيب الذي يتابع حالتها.

— دكتور، محتاجة أسألك عن حاجة.

— اتفضلي يا مدام سلمى.

— هل حضرتك غيرت جرعة الدواء اللي كنت باخده قبل دخولي المستشفى؟

ساد صمت قصير.

— لا.

شعرت بقلبها يهبط.

— متأكد؟

— طبعًا. أنا لم أغير أي جرعة، ولم أطلب من زوجك إعطاءك أي دواء إضافي.

أغلقت الهاتف بيد مرتجفة.

ثم خرجت من الغرفة.

وجدت والدها مستيقظًا في غرفة المكتب.

قالت:

— بابا… كريم كان بيديني دواء بجرعة مختلفة عن اللي الدكتور وصفها.

رفع جمال رأسه ببطء.

— متأكدة؟

— الدكتور قال إنه ما غيرش الجرعة.

ظل جمال صامتًا.

ثم قال:

— بكرة الصبح هنروح المستشفى.

في صباح اليوم التالي، أُجريت لسلمى مجموعة من الفحوصات.

وبعد ساعات، جلس الطبيب أمامها.

قال:

— في حاجة محتاجة تفسير.

— إيه؟

— بعض النتائج تشير إلى تعرض جسمك لكمية غير معتادة من مادة دوائية.

شعرت سلمى بالدوار.

— يعني إيه؟

— يعني إننا محتاجين نعرف بالضبط إيه اللي كنتِ بتاخديه.

نظر جمال إلى الطبيب.

— وهل ممكن المادة دي تكون أثرت على الحمل؟

تردد الطبيب.

— لا أقدر أقول إنها السبب من غير فحوصات كاملة. لكن لازم نعرف كل الأدوية والمكملات اللي تناولتها خلال الفترة الماضية.

أخرجت سلمى هاتفها.

— عندي صور لكل حاجة.

كانت قد التقطت صورًا لزجاجات الأدوية قبل التخلص منها.

لكن إحدى الصور جعلت الطبيب يتوقف.

— دي الزجاجة… دي مش موجودة في الوصفة الأصلية.

حدقت سلمى فيها.

كانت الزجاجة التي كان كريم يقدمها لها كل ليلة.

قالت:

— هو كان بيقول إنها مكمل غذائي.

نظر الطبيب إلى الملصق.

— الاسم الموجود هنا لا يتطابق مع المادة الفعالة المفترض وجودها.

سأله جمال:

— يعني العبوة ممكن تكون مزيفة؟

— ممكن. ولازم تتفحص في معمل متخصص.

في نفس اليوم، سلم جمال العينة للجهات المختصة لفحصها.

لكن قبل ظهور النتيجة، حدث شيء آخر.

عاد جمال إلى مكتبه، وطلب من مدير الأمن مراجعة كاميرات الشركة.

كان يريد معرفة ما إذا كان كريم قد التقى بسامح فوزي خلال الفترة التي سبقت حمل سلمى.

وبعد ساعات، حصل على تسجيل صادم.

ظهر كريم في موقف سيارات الشركة وهو يسلم سامح ظرفًا بنيًا.

التاريخ كان قبل أيام قليلة من اكتشاف حمل سلمى.

لكن التسجيل لم يكن كافيًا لإثبات ما بداخله.

لذلك طلب جمال البحث عن تسجيلات أخرى.

وفي إحدى الكاميرات، ظهر سامح وهو يغادر مكتب كريم حاملًا ملفًا.

وكان الملف يحمل اسمًا جعل جمال يتجمد:

“ملف التأمين”.

اتصل جمال بابنته فورًا.

— سلمى، لازم تسألي كريم عن وثيقة التأمين الخاصة بيكي.

— ليه؟

— لأن عندي سبب يخلي الموضوع أخطر مما كنا فاكرين.

في المساء، جلست سلمى أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بها.

دخلت إلى بريدها الإلكتروني القديم.

وبعد البحث لعدة دقائق، وجدت رسالة لم تنتبه إليها من قبل.

كانت من شركة تأمين.

فتحتها.

ثم شعرت بأن أنفاسها توقفت.

قبل حملها بثلاثة أشهر، كان كريم قد طلب تعديل وثيقة التأمين الخاصة بها.

لم يكتفِ بإضافة تغطية طبية.

بل أصبح هو المستفيد الرئيسي من مبلغ كبير في حالة وفاتها.

وضعت يدها على فمها.

لكن المفاجأة لم تتوقف هنا.

فقد كان هناك طلب آخر تم تقديمه بعد تأكيد الحمل مباشرة.

طلب زيادة قيمة الوثيقة مرة ثانية.

وفي خانة سبب التعديل، كُتبت عبارة:

“تغيرات صحية متوقعة.”

حدقت سلمى في الشاشة.

ثم همست:

— هو كان عارف…

وفي نفس اللحظة، وصلتها رسالة من رقم مجهول.

“لسه فاكرة إن فقدان الطفل كان مجرد حادث؟”

ثم وصلت رسالة ثانية:

“اسألي كريم عن اللي حصل قبل الحمل بشهر.”

رفعت سلمى رأسها.

لأنها بدأت تتذكر شيئًا لم تفكر فيه من قبل.

قبل حملها بشهر واحد…

كانت قد تعرضت لوعكة مفاجئة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى