عام

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

بصيت لمازن.

— «وأصدقك ليه؟»

رد من غير تردد:

— «مش لازم تصدقيني. بس لو فضلنا هنا، مش هتكون عندك فرصة تعرفي الحقيقة.»

سمعنا خبط جديد على الباب.

أقوى من الأول.

دق… دق… دق!

ثم صوت رجل:

— «افتح يا مازن! إحنا عارفين إنك جوه.»

مازن بص لي.

— «الوقت خلص.»

أخذت الملف والذاكرة، وخرجنا من الباب الخلفي.

ركبنا سيارة شريف، ومازن ركب معنا بعد لحظة تردد.

وأول ما تحركنا، قال شريف:

— «إحنا رايحين فين؟»

مازن رد:

— «للمخزن.»

قلت:

— «مخزن سامح؟»

— «أيوه.»

— «والنسخة الأصلية هناك؟»

— «لو سامح ما كدبش.»

سكتُّ.

بعد حوالي نصف ساعة، وصلنا لمنطقة صناعية شبه مهجورة.

المكان كان مظلمًا، والمخازن مقفولة، والشارع خالي تقريبًا.

وقفنا بعيدًا عن المبنى.

مازن أشار لمخزن كبير.

— «هناك.»

نزلنا.

لكن قبل ما ندخل، رن هاتف مازن.

نظر للشاشة.

كان سامح.

رد.

— «إنت فين؟»

جاءه صوت سامح متوترًا:

— «ما تدخلش المخزن.»

مازن اتجمد.

— «إنت قلت إن الملف هناك.»

— «كان هناك.»

— «يعني إيه كان؟»

— «فؤاد وصل قبلك.»

انقطعت المكالمة.

بصيت لمازن.

— «فؤاد هنا؟»

— «أيوه.»

شريف قال:

— «إذن نرجع.»

لكن في اللحظة دي، سمعنا صوت باب المخزن بيتفتح.

خرج رجل مسن.

كان هو نفسه الرجل الموجود في الصورة القديمة بجانب أبي.

فؤاد السيوفي.

وقف أمامنا وقال:

— «كنت متأكد إنك هتيجي يا سلمى.»

تقدمت خطوة.

— «إنت عرفتني إزاي؟»

ابتسم.

— «أبوكِ كان بيحكي لي عنك كتير.»

قلت:

— «إنت السبب في اللي حصل لأبويا؟»

مازن حاول يتدخل.

— «سلمى، استني.»

لكن فؤاد رفع يده.

— «سيبها تسأل.»

ثم قال:

— «لا.»

اتنفست ببطء.

— «إذن إيه الحقيقة؟»

قال:

— «أبوكِ ما اختفاش بسبب الفلوس.»

سألته:

— «بسبب إيه؟»

— «بسبب الملف.»

— «أي ملف؟»

نظر لمازن.

— «الملف اللي جوزك أخفاه من مكتبي من خمسة عشر سنة.»

بصيت لمازن.

— «أخفاه؟»

مازن سكت.

فؤاد أكمل:

— «أبوكِ اكتشف إن فيه أموال كانت بتخرج من الشركة من غير علمه.»

— «ومين كان بيسحبها؟»

قال:

— «سامح.»

شهقت.

مازن أغلق عينيه.

فؤاد تابع:

— «لكن سامح ما كانش لوحده.»

قلت:

— «مين كان معاه؟»

صمت طويل.

ثم قال:

— «شخص من عيلتك.»

اتجمدت.

— «أنا ما عنديش غير خالتي.»

هز رأسه.

— «مش خالتك.»

وأخرج صورة قديمة.

كانت الصورة لوالدي مع امرأة شابة.

بصيت للصورة.

ثم شهقت.

— «دي… أمي؟»

فؤاد قال:

— «أيوه.»

— «أمي ماتت وأنا صغيرة.»

— «ده اللي اتقال لك.»

شعرت أن الأرض تدور بي.

— «إنت عايز تقول إن أمي عايشة؟»

لم يجب.

بدلًا من ذلك، فتح باب المخزن.

وكانت هناك خزنة حديدية.

قال:

— «جوا الخزنة كل الحقيقة.»

تقدم مازن.

— «المفتاح.»

فؤاد ابتسم.

— «مش معايا.»

ثم نظر إليّ.

— «معاكي.»

أخرجت المفتاح رقم 27.

إيدي كانت بتترعش.

أدخلته في الخزنة.

طَق.

فتحت.

كان بداخلها ملف واحد.

أمسكته.

وكان مكتوبًا عليه:

“سلمى — لا يُفتح إلا بعد وفاة والدها.”

فتحت أول صفحة.

وكانت هناك شهادة ميلاد.

اسمي.

ثم صفحة ثانية.

اسم أمي.

ثم صفحة ثالثة جعلتني أسقط على الكرسي.

كان فيها اسم شخص لم أسمعه من قبل.

الأخ غير الشقيق لمازن.

نظرت إليه.

— «إيه ده؟»

مازن لم يرد.

فؤاد قال:

— «ده سبب كل اللي حصل.»

— «إيه علاقته بيا؟»

— «هو الوريث الحقيقي للشركة اللي أبوكِ بناها.»

قلبت الصفحة.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر المستند.

كان هناك توقيع أبي.

وتحته جملة:

«إذا حدث لي شيء، فإن ابنتي سلمى هي الوحيدة التي تملك الحق في كشف الحقيقة.»

وفجأة سمعنا صوت سيارات كثيرة تقترب.

شريف نظر من الباب.

— «إحنا محاصرين.»

فؤاد لم يتحرك.

أما مازن…

فمد يده لي.

وقال:

— «اديني الملف.»

رجعت خطوة.

— «ليه؟»

قال:

— «لأن لو الملف وقع في إيديهم، مش بس أنا اللي هضيع.»

ثم أضاف بصوت منخفض:

— «إنتِ كمان.»

وفي اللحظة نفسها، انفتح باب المخزن بعنف.

ودخل رجال من أفراد الأمن.

لكن الشخص الذي كان في مقدمتهم…

خلاني أتجمد تمامًا.

كانت أمي.

المرأة اللي عشت أربعين سنة وأنا فاكرة إنها ماتت.

وقفت أمامي.

نظرت إليّ.

وقالت:

— «سلمى… أخيرًا وصلتي للحقيقة.»

ثم رفعت عينيها نحو مازن وقالت:

«دلوقتي… دورك تعترف بكل حاجة.»

وقفت قدام المرأة وأنا مش قادرة أتحرك.

صوتها كان هو نفسه الصوت اللي كنت فاكرة إني نسيته.

أمي.

الست اللي عشت سنين طويلة وأنا مقتنعة إنها ماتت.

بصيت لها ودموعي نزلت من غير ما أحس.

— «إنتِ… أمي؟»

قربت مني خطوة.

— «أيوه يا سلمى.»

هزيت رأسي بعدم تصديق.

— «ليه؟ ليه كل السنين دي؟»

بصت ناحية مازن.

— «لأن أبوكي اكتشف الحقيقة قبل وفاته، وكان عارف إن الناس اللي حواليه ممكن يؤذوك لو عرفوا إنك الوريثة الوحيدة.»

مازن قال بغضب:

— «إنتِ بتكدبي.»

أمي ردت:

— «لو كنت بكذب، ليه كنت بتحاول تمسح كل المستندات اللي تثبت إن سلمى صاحبة الحق؟»

مازن سكت.

هنا تقدم شريف.

— «أنا عايز إجابة واضحة. مين حوّل أموال سلمى؟ ومين استخدم توقيعاتها؟»

أمي قالت:

— «مازن وسامح وداليا كانوا جزءًا من المخطط، لكن كل واحد كان له دور مختلف.»

بصيت لمازن.

— «داليا؟»

قالت أمي:

— «داليا كانت حلقة الوصل بين مازن وسامح. كانت بتستقبل جزءًا من الأموال وتحولها للشركات الوهمية.»

مازن قال:

— «أنا ما كنتش عايز أضرها!»

قلت:

— «أمال كنت عايز تعمل إيه؟!»

قال:

— «كنت بحاول أخرجك من الديون قبل ما فؤاد يوصل لك.»

ضحكت وسط دموعي.

— «تخرجني من الديون؟ وإنت اللي حطيت اسمي فيها؟»

سكت.

ثم قال:

— «أنا وقعت في الغلط.»

— «الغلط إنك اتجوزتني؟»

— «لأ.»

رفع عيني لي.

— «الغلط إني صدقت إن فؤاد هيسيبنا لو نفذت طلباته.»

فؤاد تقدم خطوة.

— «أنا طلبت منه شيء واحد.»

بصيت له.

— «إيه؟»

— «إنك توقعي على نقل ملكية الشركة.»

سألته:

— «ولما رفضت؟»

قال:

— «مازن بدأ خطة الطلاق.»

اتجمدت.

يعني اللي حصل من البداية كان بهدف واحد.

إجباري على توقيع التنازل.

أخرج شريف هاتفه.

— «كل الكلام ده متسجل.»

فؤاد نظر له بغضب.

لكن شريف أكمل:

— «والأهم إن عندي نسخ من التحويلات والعقود والتوقيعات غير الصحيحة.»

في اللحظة دي، دخل أفراد الأمن إلى المخزن.

واضح إن شريف كان أرسل لهم موقعنا قبل ما ندخل.

سامح كان أول شخص يتم اصطحابه للتحقيق.

وبعده داليا.

أما فؤاد، فاعترض، لكن الإجراءات الرسمية كانت بدأت بالفعل بناءً على المستندات والتحقيقات المالية.

مازن وقف ساكت.

لم يحاول المغادرة.

ولما اقترب منه المسؤول، قال:

— «أنا مستعد أتكلم.»

بصيت له.

لأول مرة ما شعرتش بالغضب.

كنت فقط متعبة.

قلت:

— «اتكلم… بس المرة دي قول الحقيقة.»

وبالفعل، بدأت التحقيقات.

وخلال الأسابيع التالية، ظهرت الحقيقة كاملة.

الأموال التي اختفت من حساباتنا لم تكن ضاعت.

كانت تتحول عبر شركات غير حقيقية.

والـ3.8 مليون دولار لم تكن ديونًا حقيقية عليّ بالشكل الذي حاول مازن إظهاره.

كان جزء كبير منها التزامات مرتبطة بصفقات مالية غير سليمة تم إنشاؤها باستخدام توقيعات ومستندات غير صحيحة.

أما الأموال المخصصة لتعليم ياسين ونور، فتم استرداد جزء كبير منها بعد تجميد الحسابات والأصول المرتبطة بالشركات.

والأهم…

ثبت أن توقيعي على المستندات الرئيسية لم يكن توقيعي الحقيقي.

أما عقد والدي القديم، فكان صحيحًا.

وبموجبه أصبحت ملكية الأصول التي أخفاها مازن مرتبطة بحقوقي القانونية.

لكن أكبر مفاجأة كانت في آخر ملف.

تقرير والدي الطبي القديم.

لم يكن موته جريمة كما ظننا.

التحقيق أثبت أن الوفاة كانت نتيجة تسمم عرضي بسبب دواء تم صرفه له بشكل خاطئ، ولم تظهر أدلة كافية تثبت أن أحدًا تسبب في وفاته عمدًا.

يعني حتى هذه النقطة…

كانوا يستخدمون وفاته لإخفاء عملياتهم المالية.

أما أمي، فحكت لي الحقيقة كاملة.

لم تكن ميتة.

كانت قد اضطرت للاختفاء بعد تهديدات مرتبطة بالمشروع القديم، وفضلت الابتعاد عني حتى لا يتم استخدامي للضغط عليها.

لكنها تابعت حياتي من بعيد.

قالت لي وهي تبكي:

— «أنا عارفة إن ده مش عذر كفاية.»

حضنتها.

— «مش هقدر أنسى بسهولة.»

قالت:

— «ولا أنا طالبة منك تنسي.»

مرت شهور.

وانتهت إجراءات الطلاق.

حصلت على حقوقي القانونية وحقوق أولادي.

ولم أوقع أبدًا على الورقة التي وضعها مازن أمامي في تلك الليلة.

أما البيت…

فبقي لأولادي وأنا.

لكنني غيرت كل شيء داخله.

غيرت الأثاث.

دهنت الحوائط.

وأخرجت كل شيء كان يذكرني بالسنوات التي عشتها وأنا لا أعرف الحقيقة.

وفي يوم عيد ميلاد ياسين التالي، أقيمت حفلة صغيرة.

كان ياسين قد أصبح تسع سنوات.

ونور كانت تجري في الحديقة وهي تضحك.

وقفت أراقبهما وأنا أشعر للمرة الأولى أن صدري خفيف.

اقتربت مني أمي.

وقالت:

— «أبوك كان هيفرح لو شافك دلوقتي.»

ابتسمت.

— «أنا كمان كنت أتمنى يكون هنا.»

في المساء، أخرجت الصندوق الذي احتفظت به طوال تلك الفترة.

وضعت فيه ورقة الطلاق التي رفضت توقيعها.

والتوكيل غير الصحيح.

وصورة العقد القديم.

ثم أغلقت الصندوق.

لم أعد بحاجة إلى هذه الأوراق لأثبت لنفسي شيئًا.

الحقيقة ظهرت.

والحياة كملت.

وبعد سنة تقريبًا، كنت واقفة أمام المدرسة أستنى ياسين ونور.

جاء ياسين يجري ناحيتي.

— «ماما!»

حضنته.

ثم جاءت نور.

وقالت:

— «ماما، عندنا مفاجأة ليكي.»

ضحكت.

— «إيه هي؟»

أعطتني ظرفًا صغيرًا.

فتحته.

كان رسمًا للعائلة.

أنا.

ياسين.

نور.

وأمي.

وفي زاوية الورقة رسمت بيتًا كبيرًا وشمسًا فوقه.

سألتها:

— «فين بابا؟»

بصت لي وقالت بمنتهى البراءة:

— «إنتِ قولتي لنا إن البيت أهم حاجة فيه الناس اللي بيحبوا بعض.»

سكتُّ.

ثم حضنتها بقوة.

لأنها قالت في جملة واحدة ما احتجت شهورًا لأفهمه.

البيت مش أربع حيطان.

والجواز مش ورقة.

والفلوس مش أمان.

وأحيانًا…

أكبر خسارة في حياتك بتكون هي نفسها الباب اللي يفتح لك طريق النجاة.

أما مازن؟

فآخر مرة سمعت عنه، كان بيواجه قضايا مالية متعددة، بينما كانت التحقيقات مستمرة مع باقي المتورطين.

ولم أعد أسأل عنه.

لأنني أخيرًا فهمت شيئًا مهمًا:

في الليلة اللي قال لي فيها:

«خدي العيال، وقّعي على الطلاق، واختفي قبل نص الليل»

كان متأكدًا أنه طردني من حياتي.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

هو لم يطردني من حياتي.

هو أخرجني من حياة لم تكن تستحق أن أعيشها.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى