عام

القصة كاملة بقلم محمد عبده

قرب مني ومد إيده كأنه عايز يمسك إيدي.

رجعت خطوة لورا.

— متلمسنيش!

وقف مكانه.

ولأول مرة من 15 سنة، حسيت إن الراجل اللي واقف قدامي غريب تمامًا عني.

قلت له:

— عايزة إجابة واحدة بس. هل كان ليا طفل فعلًا؟

سكت شوية، وبعدها قال:

— إنتِ فاهمة كلام يوسف غلط. الراجل ده مصاب، وممكن يكون بيقول أي كلام.

ضحكت بمرارة.

— غريبة! طول عمرك بتقولي إن يوسف شخص من الماضي، ودلوقتي لما رجع وفتح موضوع إنت مش عايزني أعرفه، بقيت فجأة شايفه مش في وعيه!

اتغيرت ملامحه.

— مريم، أنا عملت كل ده عشان أحميكي.

الكلمة دي كانت كفيلة إنها تشعل غضبي.

— تحميني؟ من إيه يا أحمد؟ من الحقيقة؟ ولا من إنك تتحاسب على اللي عملته؟

ما ردش.

وفي اللحظة دي، خرج دكتور العناية من الغرفة.

سألته بسرعة:

— حالة يوسف عاملة إيه؟

قال إن حالته مستقرة نسبيًا، لكنه محتاج راحة، وإن الكلام الكتير ممكن يرهقه.

هزيت راسي، وبعدها طلبت منه يبلغني فورًا لو حالته اتغيرت.

لما رجعت أبص ناحية أحمد، اكتشفت إنه اختفى.

لكن قبل ما أمشي، لمحته من آخر الممر، واقف بيتكلم في التليفون بصوت واطي.

ولما شافني، قفل المكالمة فورًا.

ساعتها قررت إن مفيش حاجة هتمنعني من الوصول للحقيقة.

حتى لو الحقيقة دي هتدمر آخر جزء من حياتي كنت فاكرة إنه حقيقي.

### الورقة القديمة

رجعت مكتبي وقفلت الباب، وطلبت من موظفة التمريض تجيب لي المتعلقات اللي اتجمعت من هدوم يوسف قبل العملية.

بعد دقائق، دخلت ومعاها كيس صغير فيه محفظته وساعته ومفتاح عربية.

فتحت المحفظة بحذر.

لقيت صورة قديمة ليا مع يوسف، كنا واقفين قدام البحر في إسكندرية، وأنا بضحك وهو حاطط إيده على كتفي.

كنت لابسة وقتها فستان أبيض بسيط، ولسه فاكرة اليوم ده كويس.

كان يوم ما وعدني إنه عمره ما هيسيبني.

قلبت الصورة، فلقيت جملة مكتوبة بخط إيده:

«مهما حصل، هفضل أدور عليكي لحد ما أرجع لك الحقيقة.»

وتحت الجملة كان فيه تاريخ.

التاريخ ده كان قبل اختفائه بثلاثة أيام بس!

إيدي بدأت ترتعش.

فتحت بقية محتويات المحفظة، ولقيت ورقة مطوية بعناية، شكلها قديم جدًا.

فتحتها وبدأت أقرأ.

«مريم حبيبتي،

لو الورقة دي وصلت لك، يبقى أنا فشلت في إني أرجع لك بنفسي.

فيه ناس بتحاول تجبرني أبعد عنك، وناس تانية مستعدة تعمل أي حاجة عشان تمنع جوازنا.

أنا مش هقدر أشرح لك كل حاجة دلوقتي، لكن لازم تعرفي إن اختفائي مش معناه إني بطلت أحبك.

ولو في يوم عرفتي إن فيه طفل بيننا، أو إن حد قال لك إنك فقدتيه، متصدقيش أي كلام قبل ما تعرفي الحقيقة بنفسك.

دوري على المستشفى القديم، واسألي عن الملف رقم 214.

يوسف.»

حسيت إن نفسي اتقطع.

طفل بيننا؟!

ملف رقم 214؟!

إيه علاقة المستشفى القديمة بكل ده؟

وفي اللحظة دي افتكرت حاجة حصلت من 16 سنة.

قبل اختفاء يوسف بشهور، كنت بشتكي من آلام شديدة، ورحت مستشفى صغيرة في القاهرة عشان أكشف.

الدكتور وقتها طلب مني تحاليل إضافية، وبعدها قال إن فيه احتمال إني أكون حامل في بداية الحمل.

لكن بعد أيام، حصل نزيف شديد، ونقلوني للطوارئ.

أحمد وقتها مكنش جوزي لسه. كان مجرد زميل ليا في المستشفى، وكان قريب مني بحجة إنه بيساعدني أتجاوز غياب يوسف.

بعد الحادثة دي، الدكتور قال لي إن الحمل انتهى، وإن لازم أرتاح فترة قبل ما أفكر في الحمل مرة تانية.

كنت وقتها مدمرة نفسيًا، ويوسف كان اختفى بالفعل.

وبعد شهور، أحمد اتقدم لي، وفضل جنبي لحد ما وافقت أتجوزه.

عمري ما شكيت في أي حاجة.

لكن دلوقتي، وأنا بقرا كلام يوسف، سؤال مرعب بدأ يفرض نفسه:

هل أنا فعلًا فقدت طفلي؟ ولا حد خد مني ابني وقال لي إنه مات؟

### نادين بتعترف

كنت لسه غرقانة في أفكاري لما سمعت خبط على الباب.

دخلت نادين.

المرة دي مكنتش لابسة الكمامة، ووشها كان باين عليه الخوف والإرهاق.

قالت:

— دكتورة مريم، أنا لازم أعترف لك بحاجة.

رفعت عيني لها.

— لو جاية تبرري علاقتك بأحمد، وفّري كلامك.

هزت راسها بسرعة.

— أنا مش جاية أتكلم عن علاقتي بيه. أنا جاية أقول لك إني اكتشفت حاجة تخص يوسف، وخفت أقول لك عليها قبل العملية.

سكتت لحظة، وبعدها كملت:

— قبل الحادث بيومين، أحمد طلب مني أراجع ملف طبي قديم، وقال لي إنه محتاج نسخة من تقرير متعلق بمريض سابق. اداني رقم الملف، وقال لي إن الموضوع مستعجل.

حسيت بقلبي بيدق بسرعة.

— رقم الملف كان كام؟

نادين بلعت ريقها.

— 214.

قمت من مكاني فجأة.

— وإنتِ عملتي إيه؟

— فتحت الأرشيف الإلكتروني، لكن الملف كان مقفول بصلاحيات خاصة. قدرت أشوف اسم المستشفى القديم وتاريخ الملف بس، ولما سألت أحمد عن السبب، اتعصب وقال لي أقفل الموضوع فورًا.

قربت منها.

— وإنتِ ليه نفذتي طلبه من غير ما تسألي؟

نزلت عينيها.

— لأني كنت غلطانة في حاجات كتير، يا دكتورة. كنت فاكرة إني بحبه، وكنت مصدقة إنه هينفصل عنك قريب. لكنه كان بيطلب مني أعمل حاجات غريبة، وكل مرة يقول لي إنك متعرفيش الحقيقة كاملة عن ماضيه.

بصيت لها بحدة.

— إنتِ كنتِ عارفة إنه بيكدب عليّ؟

دموعها بدأت تنزل.

— كنت عارفة إنه بيخبي عنك حاجات، لكن مكنتش أعرف إنها بالحجم ده. ولما شفت اسم يوسف في الملف، بدأت أخاف.

سألتها:

— وإيه اللي خلاكي تخافي بالشكل ده؟

ردت بعد تردد:

— لأن أحمد قال لي قبل كده إن يوسف لو رجع في يوم، كل حاجة بناها في حياته ممكن تنهار.

حسيت ببرودة في أطرافي.

يعني أحمد كان عارف إن يوسف ممكن يرجع؟

ويا ترى كان بيحاول يمنعه ليه؟

قبل ما أتكلم، نادين فتحت موبايلها وورّتني رسالة كانت محتفظة بيها.

الرسالة من أحمد، ومكتوب فيها:

«عايزك تتأكدي إن الملف القديم يفضل مقفول. مريم مينفعش تعرف أي حاجة عنه، مهما حصل.»

بصيت للرسالة طويلًا.

وبعدين رفعت عيني لنادين.

— عندك نسخة من الملف؟

هزت راسها.

— لأ، لكن عندي اسم المستشفى ورقم الأرشيف. وأقدر أساعدك توصلي للمعلومات بطريقة قانونية.

كنت لسه هرد، لما موبايلها رن.

بصت للشاشة، واتغير لون وشها.

كان أحمد.

رفضت المكالمة، وبعدها قالت بصوت مرتعش:

— هو عارف إني هنا.

في اللحظة دي، وصلني إشعار على موبايلي من رقم مجهول.

فتحت الرسالة، فلقيت صورة ليوسف وهو ممدد على سرير المستشفى قبل دخوله العمليات، وتحتها جملة واحدة:

«لو عايزة ابنك يفضل عايش، بطّلي تدوري في الماضي.»

حسيت إن قلبي وقع.

ابني عايش؟!

رفعت عيني لنادين، لكنها كانت بتبص للصورة بنفس الذهول.

وقبل ما أقدر أستوعب الرسالة، وصلت رسالة تانية من نفس الرقم.

كانت صورة لطفل شاب، ملامحه قريبة مني بشكل غريب، ومعاها جملة قصيرة:

«ابنك اسمه عمر… وأحمد عارف مكانه من أول يوم.»

فضلت أبص للصورة وأنا مش قادرة أتنفس.

هل ده ابني فعلًا؟

هل عاش كل السنين دي بعيد عني، وأنا فاكرة إني محرومة من الأمومة؟

وليه أحمد مخبي عني وجوده؟

في اللحظة دي، رن تليفون المستشفى.

الممرضة كانت بتتكلم بسرعة شديدة:

— دكتورة مريم، لازم تيجي العناية المركزة فورًا! المريض يوسف اختفى من غرفته!

جريت ناحية الباب، وأنا حاسة إن كل أسرار حياتي بتنهار فوق رأسي.

لكن قبل ما أوصل للعناية، شفت حاجة خلتني أقف مكاني.

باب الطوارئ كان مفتوحًا، وأحمد واقف جنب عربية سوداء، بيتكلم مع راجلين مجهولين.

واحد منهم كان ماسك ملفًا بنيًا قديمًا.

والتاني كان ماسك صورة عمر اللي وصلتني من الرقم المجهول.

وفجأة، الراجل اللي ماسك الملف رفع عينيه ناحيتي، وابتسم.

وبعدين قال لأحمد بصوت سمعته بوضوح:

— قلت لك إنها هتعرف في الآخر. دلوقتي لازم نلاقي يوسف قبل ما يتكلم.

أحمد لف ناحيتي، ولما شافني، اتجمد مكانه.

أما أنا، فطلعت موبايلي وبدأت أسجل كل كلمة.

لأول مرة، بقي معايا دليل حقيقي على إن فيه مؤامرة أكبر بكتير من الخيانة.

لكن السؤال اللي كان بيقتلني هو:

مين عمر؟ وهل هو ابني فعلًا؟ وإيه اللي حصل في المستشفى القديمة من 16 سنة لدرجة إن أحمد مستعد يعمل أي حاجة عشان الحقيقة تفضل مدفونة؟

يتبع في الجزء الرابع والأخير…
### الجزء الرابع والأخير: ابني رجع بعد 16 سنة… والحقيقة اللي كشفها قدام الكل قلبت حياة أحمد رأسًا على عقب!

وقفت في ممر المستشفى، وموبايلي في إيدي، والتسجيل شغال من غير ما أحمد ياخد باله.

كنت سامعة كل كلمة، لكن عقلي كان متعلق باسم واحد بس.

عمر.

الولد اللي ظهر في الصورة، واللي حد غريب بيقول إنه ابني.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى