عام

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

— عايشين فيه بإذني يا أحمد، مش بملككم!

رانيا دخلت بسرعة وقالت:

— خلاص بقى، إحنا مش هنفضل تحت رحمة حد. لو مش عاجبك الوضع، تقدري تمشي وتقعدي عند أي حد من قرايبك.

بصيت لها وابتسمت.

— أنا أمشي من بيتي؟ ده اللي إنتوا مستنيينه؟

محدش رد.

طلعت موبايلي واتصلت بالأستاذ محمود.

قلت له:

— أستاذ محمود، جه الوقت. من فضلك ابدأ الإجراءات اللي اتفقنا عليها.

وبعدها قفلت المكالمة.

أحمد بص لي باستغراب:

— إنتِ بتكلمي مين؟

قلت له:

— شخص هيشرح لك قريب جدًا إن فيه فرق كبير بين إنك تسكن في بيت أمك، وبين إنك تمتلكه.

وبعد أقل من ساعة، جرس الباب رن.

أحمد فتح، وفجأة سمعت صوت حسن أخويا من بره:

— إيه يا أحمد؟ حصل إيه؟ ليه كل التأخير ده؟

لكن حسن ماكانش جاي لوحده…

كان معاه شخص يحمل ملفًا رسميًا، وأول ما دخل وبص لي، قال:

— مدام فاطمة، إحنا محتاجين نتكلم معاكي بخصوص بلاغ اتقدم باسمك.

وقتها أحمد وشه اصفر، ورانيا رجعت خطوتين لورا… لأن البلاغ ده كان بداية كشف سر أخطر بكتير من محاولة الاستيلاء على البيت!

يتبع…
الجزء الرابع والأخير

وقفت مكاني وأنا ببص للشخص اللي دخل البيت ومعاه الملف الرسمي.

كان ضابط مباحث ومعاه أمين شرطة، والأستاذ محمود السيوفي المحامي كان واقف وراهم.

أحمد اتوتر وقال:

— خير يا فندم؟ فيه إيه؟

الضابط رد بهدوء:

— إحنا جايين نستفسر عن شوية إجراءات مالية وعقارية تمت باستخدام مستندات تخص مدام فاطمة عبد الرحيم.

رانيا حاولت تتدخل:

— أكيد فيه سوء تفاهم، إحنا أسرة واحدة، وكل حاجة بتحصل بعلمها!

الأستاذ محمود فتح الملف وقال:

— لو كل حاجة بعلمها، يبقى ممكن تفسروا ليه فيه محاولة للحصول على تمويل بضمان عقار مملوك لفاطمة، وليه فيه مستندات بتتضمن توقيعها على إقرارات هي بتقول إنها ماوافقتش عليها؟

أحمد بص لأمه وقال بعصبية:

— إنتِ عملتي كل ده في ابنك؟ وصلتي الموضوع للشرطة؟

بصيت له وقلت:

— أنا ماعملتش حاجة غير إني طلبت حقي يا أحمد. إنت اللي اخترت توصل الأمور لهنا.

حسن أخويا كان واقف ساكت، ووشه متغير.

الضابط طلب منه يوضح سبب وجود اسمه في بعض المستندات.

حسن حاول يتهرب وقال:

— أنا ماليش دعوة، أحمد هو اللي كان بيتصرف، وأنا بس ساعدته في كام مشوار.

لكن الأستاذ محمود طلع ورقة تانية.

— الغريب إن فيه مراسلات وتحويلات مالية مرتبطة بحساب حضرتك، وده محتاج تفسير.

حسن بدأ يتلعثم.

وفي اللحظة دي، رانيا فقدت أعصابها وصرخت:

— خلاص! أيوه، إحنا كنا عايزين نخلص من موضوع البيت ده! إنتوا مش فاهمين إحنا كنا بنعمل إيه!

أحمد بص لها بصدمة:

— رانيا! اسكتي!

لكنها كملت:

— أنا تعبت من العيشة دي! كل حاجة باسمها، وكل حاجة لازم ناخد إذنها فيها. إحنا عايزين نعيش حياتنا!

بصيت لها وقلت:

— تعيشي حياتك مش معناه تاخدي حياة غيرك.

الضابط طلب من الجميع الهدوء، ووضح إن كل الوقائع والمستندات هتخضع للتحقيق، وإن مافيش حد فوق القانون.

بعدها الأستاذ محمود طلب مني أدخل معاه أوضتي القديمة عشان يوريني حاجة.

فتح الملف وطلع مستندات بنكية.

قال لي:

— فاطمة هانم، وصلنا لكشف الحساب التفصيلي، وفيه تحويلات تمت من حسابك بمبالغ مختلفة، محتاجين نثبت مين نفذها وإيه أساسها القانوني. لكن فيه حاجة أهم لازم تعرفيها.

سألته:

— إيه هي؟

قال:

— المبلغ اللي حولتيه لأحمد، واللي هو 350 ألف جنيه، فيه مستندات بتثبت إنك حولتيه لمساعدته في أعمال التجديد، مش للتنازل عن البيت. وده فرق قانوني مهم.

وبعدين طلع ورقة تانية.

— كمان إحنا بدأنا إجراءات مراجعة التوكيل، وقدمنا طلبات لحماية ملكيتك ومنع أي تصرف غير مصرح بيه لحين انتهاء الفحص.

حسيت لأول مرة من أيام إن فيه أمل يرجع لي.

لكن المفاجأة ماخلصتش هنا.

بعد ما الضابط خلص كلامه، أحمد طلب يتكلم معايا لوحدنا.

دخل الأوضة وقفل الباب.

كان وشه شاحب وعينيه مليانة دموع.

قال:

— يا أمي، أنا عارف إني غلطت.

سكت.

كمل:

— رانيا كانت بتضغط عليا، وحسن قال لي إن البيت كبير ومش هتحتاجيه كله، وإننا ممكن نستفيد منه ونأمن مستقبلنا.

بصيت له بحزن وقلت:

— وإنت صدقت إن مستقبلك يتبني على ضياع مستقبل أمك؟

نزل رأسه وقال:

— أنا ماكنتش متخيل إن الموضوع هيوصل لكده.

قلت له:

— يا أحمد، أنا مش زعلانة عشان الأوضة الصغيرة، ولا عشان السفرة، ولا عشان الكرسي اللي منعتوني أقعد عليه. أنا زعلانة عشان ابني نسي مين اللي شالته وربته ووقفت جنبه لما الدنيا كلها كانت ضده.

بدأ يعيط وقال:

— سامحيني يا أمي.

بصيت له طويلًا.

— المسامحة حاجة، والثقة حاجة تانية يا أحمد. أنا ممكن أسامحك عشان أنت ابني، لكن مش هسمح لك تكرر اللي عملته.

خرج من الأوضة وهو منهار.

أما رانيا، فكانت بتحاول تتصل بحد، لكن الضابط طلب منها الانتظار لحين استكمال الإجراءات.

وبالنسبة لحسن، فقد اضطر يواجه الأسئلة المتعلقة بدوره في المستندات والتحويلات، وبدأت تظهر تفاصيل ماكانش يقدر ينكرها.

مرت أسابيع، وخلالها الأستاذ محمود تابع الإجراءات القانونية.

تم إلغاء التوكيل بالطريقة القانونية، واتخذنا الإجراءات اللازمة لحماية البيت، واستمرت مراجعة العمليات المالية والتحقيق في أي تصرفات تمت من غير موافقتي.

أما أحمد ورانيا، فاضطروا يدوروا على مكان تاني يعيشوا فيه، بعد ما انتهى السماح لهم بالإقامة في البيت.

وقبل ما أحمد يمشي، جه لي آخر يوم ومعاه شنطة صغيرة.

قال:

— يا أمي، أنا مش عايز أخسرك. ممكن تديني فرصة أصلح اللي عملته؟

بصيت له وقلت:

— يا أحمد، الباب اللي اتقفل في وشي يوم ما رجعت من السوق بالمفتاح القديم، مش هيتفتح بكلمتين اعتذار. لو عايز ترجع ابن ليا، أثبت ده بأفعالك، مش بطلباتك.

هز رأسه ومشي.

بعد خروجه، رجعت للصالة.

وقفت قدام السفرة الجديدة، وعديت الكراسي الثمانية.

افتكرت اليوم اللي رانيا قالت لي فيه إن المكان مش مناسب ليا، وإن الأثاث غالي وحساس.

ضحكت بيني وبين نفسي.

مشيت ناحية النبتة الخضرا اللي كانوا حاطينها جنب الغسيل، شلتها بإيدي ورجعتها مكانها القديم جنب الشباك.

وبعدين فتحت الدولاب وطلعت الكوبايات الكهرماني اللي كنت محتفظة بواحدة منها بعيد عن عينيهم.

غسلتها وحطيتها على السفرة.

عملت لنفسي كوب شاي، وقعدت على الكرسي اللي كنت محرومة منه.

لأول مرة من شهور، حسيت إني رجعت لبيتي فعلًا.

وفي المساء، اتصلت بيا جارتي أم محمد.

قالت لي:

— يا فاطمة، سمعت إن أحمد مشي. إنتِ كويسة؟

قلت لها:

— الحمد لله يا أم محمد، أنا بخير.

سألتني:

— مش زعلانة إن ابنك ساب البيت؟

بصيت لصورة أحمد وهو طفل، اللي كانت لسه موجودة على الرف.

وقلت لها:

— أنا زعلانة على ابني اللي ربيته، مش على الشخص اللي حاول ياخد بيتي. الأم ممكن تستحمل الفقر والتعب والمرض، لكن صعب عليها تستحمل إنها تتحول لغريبة وسط ولادها.

قفلت المكالمة، وفتحت الشباك.

كان الهوا داخل منعش، والنبتة الخضرا بتتحرك مع النسمة.

وقتها فهمت إن السنين اللي قضيتها في الشغل ماعلمتنيش بس إزاي أحافظ على فلوسي، لكنها علمتني كمان إن الإنسان لازم يحافظ على كرامته.

ومن يومها، حطيت قاعدة لنفسي:

أنا هفضل أم أحمد طول عمري، وهفضل أتمنى له الخير، لكن مش هسمح لأي حد، مهما كان قريب مني، إنه يسلبني حقي باسم الحب أو القرابة.

لأن البيت اللي بنيته بتعبي مش مجرد حيطان وسقف، ده أمان عمري وكرامتي وذكرياتي.

\*\*والدرس اللي اتعلمته بعد 67 سنة هو إن الطيبة مش ضعف، والتسامح مش معناه إنك تسيب حقك، وإن أقرب الناس ليك مش من حقهم يستغلوا حبك ليهم.

فالإنسان ممكن يسامح في الغلطة، لكن لازم يتعلم يحمي نفسه من تكرارها.\*\*
تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى