
الجزء الثاني: الست اللي سمعت كل حاجة كانت بتخبي سر محدش يتخيله!
الست اللي كانت راقدة على السرير اللي جنبي فضلت باصة لي كام ثانية، وكأنها بتحاول تستوعب اللي أنا قلته.
وبعدين رفعت راسها شوية وقالت بصوت هادي:
— إنت لسه خارج من صدمة، وممكن ما تكونش مدرك إنت بتقول إيه!
ضحكت وقلت لها:
— يمكن عندك حق. بس صدقيني، من عشر دقايق كنت فاكر إن حياتي انتهت، ودلوقتي حاسس إني لأول مرة شايف الحقيقة بوضوح.
بصت ناحية الباب اللي خرجت منه مراتي، وبعدها رجعت بصت لي.
— يعني إنت فعلًا كنت مستني منها تقف جنبك؟
السؤال كان بسيط، لكن إجابته وجعتني أكتر من ورق الطلاق نفسه.
أيوه، كنت مستني منها تقف جنبي.
كنت مستني منها تفتكر كل السنين اللي عشناها مع بعض، وكل مرة ضحيت فيها براحتى عشانها، وكل حلم أجلته عشان نقدر نبني بيتنا.
كنت مستني منها، على الأقل، إنها تستنى نتيجة العملية قبل ما تقرر مصيري.
لكن يبدو إن بعض الناس بيكونوا مستعدين يعيشوا معاك طول ما إنت قادر تديهم اللي هم عايزينه، وأول ما تحتاجهم، بيكتشفوا إن وجودك بقى عبء عليهم.
قلت للست:
— اسمي ياسر، عندي 45 سنة. كنت متجوز، أو على الأقل كنت فاكر إني متجوز واحدة بتحبني. لكن واضح إني كنت عايش مع شخص معرفوش.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
— أنا اسمي مريم.
سكتت لحظة، وبعدها أضافت:
— وعندي 52 سنة، وأقدر أقول لك إنك مش أول واحد يكتشف الحقيقة متأخر.
كان في صوتها شيء غريب، مزيج من الحزن والخبرة، كأنها شافت من الدنيا ما يكفي عشان ما تتفاجئش بسهولة.
كنت هسألها عن حكايتها، لكن ممرضة دخلت في اللحظة دي، وبدأت تراجع بياناتنا قبل دخول العمليات.
ولما وصلت عند سرير مريم، سألتها:
— أستاذة مريم، حضرتك متأكدة إنك عايزة تدخلي العملية النهارده؟ الدكتور قال إن عندنا اختيار تاني ممكن نناقشه معاك.
مريم ردت بثبات:
— أنا فكرت كويس، وقراري نهائي.
الممرضة هزت راسها، وسجلت ملاحظة في الملف، وبعدها انتقلت لسريري.
لكن قبل ما تمشي، مريم نادت عليها وسألتها:
— هو فيه أي أخبار عن الدكتور المسؤول عن حالة الأستاذ ياسر؟
الممرضة بصت لي، وبعدها ردت:
— الدكتور موجود، وكل حاجة ماشية حسب الجدول. بس لازم نبدأ التحضيرات دلوقتي.
مريم رجعت بصت لي، وقالت:
— اسمع يا ياسر، أنا مش هقول لك إن كل حاجة هتبقى كويسة، لأن محدش يقدر يضمن ده. لكن فيه حاجة واحدة أقدر أقولها لك: ما تسمحش لقرار شخص واحد إنه يحدد قيمتك في الحياة.
الكلام ده فضل يتردد في دماغي حتى بعد ما بدأوا يجهزوني للعملية.
وبعد دقائق، دخل اتنين من طاقم التمريض، وبدأوا يحركوا سريري ناحية أبواب غرفة العمليات.
كنت ببص للسقف، وبحاول أسيطر على خوفي.
وقبل ما الأبواب تتقفل، لفيت راسي ناحية مريم، اللي كانت لسه على سريرها.
رفعت إيدها لي وقالت:
— لو خرجت من هنا، افتكر إنك لسه عندك حياة تعيشها.
رفعت إيدي بصعوبة ورديت عليها بابتسامة.
وبعدها اختفت من قدامي.
—
قبل العملية بساعات… السر اللي غيّر كل حاجة
عشان تفهموا إزاي وصلت للحظة دي، لازم أرجع شوية لورا، للصباح نفسه، قبل ما أدخل المستشفى.
قبل العملية بيوم، كنت قاعد في أوضتي، وبفكر في كل الاحتمالات.
الدكتور كان واضح معايا: العملية خطيرة، ومفيش ضمانات.
كنت عارف إن عندي فلوس ومدخرات وعقارات، لكن كل ده ما كانش له أي قيمة لو خرجت من العملية غير قادر أعيش حياتي.
وعشان كده، طلبت من المحامي بتاعي، الأستاذ شريف، ييجي لي الصبح بدري.
كان شريف صديق قديم، وعارف تفاصيل حياتي من سنين طويلة. هو اللي كتب عقود شركاتي، وتابع معايا معظم معاملاتي القانونية.
لما وصل، قعدنا في الصالة، وطلبت منه يراجع وصيتي مرة أخيرة.
سألني باستغراب:
— يا ياسر، إحنا راجعنا الوصية من أسبوع. إيه اللي اتغير؟
قلت له:
— فيه حاجة واحدة لازم تتغير، ومش عايز أأجلها أكتر من كده.
فتحت الملف اللي كان قدامي، وبدأت أشرح له قراري.
أنا ما كنتش عايز أحرم مراتي من أي حق قانوني ليها، ولا كنت ناوي أعمل حاجة بدافع الانتقام.
لكن كنت اكتشفت خلال الفترة اللي فاتت إن نادين بقت مهتمة جدًا بحساباتي وأملاكي، وإن أسئلتها عن الفلوس والممتلكات زادت بشكل غريب من يوم ما عرفت إن حالتي الصحية خطيرة.
وفي مرة، سمعتها بتتكلم في التليفون عن احتمال إنها تضطر تبدأ حياة جديدة لو حصل لي أي شيء.
وقتها حاولت أقنع نفسي إنها مجرد مخاوف طبيعية.
لكن بعد ما سمعت كلامها، بدأت أراجع كل حاجة.
اكتشفت إن بعض المعلومات اللي كانت بتسأل عنها ما كانش ليها أي علاقة باحتياجاتنا اليومية، وإنها كانت بتحاول تعرف تفاصيل دقيقة عن ممتلكاتي واستثماراتي.
ما كانش عندي دليل يثبت إنها بتخطط لحاجة غلط، لكن كان عندي سبب كافي إني أحمي ممتلكاتي من أي نزاع مستقبلي.
عشان كده، طلبت من المحامي تعديل بند محدد في الوصية.
البند ده كان متعلق بجزء من ثروتي، كنت ناوي أسيبه لنادين لو توفيت.
بعد التعديل، الجزء ده هيتحول لصندوق خيري مستقل، مخصص لعلاج المرضى غير القادرين على تحمل تكاليف جراحات المخ والأعصاب، وفقًا للشروط القانونية اللي اتفقنا عليها.
أما حقوقها القانونية الأخرى، فهتفضل خاضعة للقانون والعقود السارية، من غير أي حرمان تعسفي.
شريف راجع الأوراق بعناية، وبعدها قال:
— لازم تكون متأكد يا ياسر. التعديل ده مش مجرد تغيير في ورقة. ده قرار هيتنفذ لو حصل لك أي شيء.
بصيت له وقلت:
— أنا متأكد. ولو ربنا كتب لي عمر جديد، هكون سعيد إن الفلوس دي هتساعد ناس تانية. ولو ما خرجتش من العملية، على الأقل هعرف إن جزءًا منها هيكون سبب في إنقاذ حياة ناس مش قادرة تدفع.




