روايات وقصص

الجزء الثاني بقلم محمد عبده

وقّعت على المستندات المطلوبة، وبعدها قفل الملف وحطه في حقيبته.

قبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال لي:

— أتمنى ما نحتاجش نفتح الملف ده قريب. أنا مستنيك ترجع بنفسك عشان نراجع كل حاجة وإنت واقف على رجليك.

ضحكت وقلت له:

— وأنا كمان.

ما كنتش أعرف إن بعد ساعات قليلة، نادين نفسها هتيجي لي في المستشفى بورق الطلاق.

وما كنتش أعرف إن قرارها ده هيكشف لي جوانب في شخصيتها ما كنتش قادر أشوفها طول السنين اللي فاتت.

—

النتيجة اللي محدش كان متوقعها

ما أعرفش قد إيه من الوقت عدى وأنا جوه غرفة العمليات.

كل اللي فاكره إني سمعت صوت الدكتور وهو بيطلب من الفريق الطبي تجهيز الأدوات، وبعدها بدأت أحس بثقل شديد في جفوني.

وبعدين اختفى كل شيء.

لما فتحت عيني، كنت في غرفة الإفاقة.

كان فيه جهاز جنب سريري بيصدر أصوات منتظمة، وممرضة واقفة بتراجع المؤشرات الحيوية على الشاشة.

حاولت أتكلم، لكن صوتي ما طلعش غير همس ضعيف.

الممرضة قربت مني وقالت:

— بالراحة يا أستاذ ياسر. العملية خلصت، وإنت في الإفاقة دلوقتي.

حاولت أرفع إيدي، فطلبت مني ما أتحركش كتير.

وبعد شوية، دخل الدكتور المسؤول عن العملية.

كان باين عليه التعب، لكنه ابتسم لما شافني صاحي.

قال:

— حمد لله على السلامة يا ياسر. العملية كانت صعبة، لكن عدّت على خير. قدرنا نشيل الجزء المستهدف من الورم، والمؤشرات الأولية مطمئنة. لسه محتاجين نتابع حالتك خلال الأيام الجاية، لكن استجابتك لحد دلوقتي كويسة.

غمضت عيني للحظة، وحسيت بدموعي بتنزل من غير ما أقدر أوقفها.

ما كانتش دموع خوف المرة دي.

كانت دموع نجاة.

كنت لسه عايش.

وبعد ساعات من المتابعة، بدأت أستعيد قدرتي على الكلام والحركة تدريجيًا، تحت إشراف الفريق الطبي.

أول سؤال سألته للممرضة كان:

— هو فيه حد سأل عليّ؟

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

— المحامي بتاعك اتصل بالمستشفى، وأهلك بيسألوا عنك. لكن مراتك مش موجودة.

ما استغربتش.

الحقيقة إن غيابها ما بقاش يوجعني زي ما كان هيوجعني قبل ساعات.

كنت بدأت أفهم إن أصعب حاجة مش إن شخص يمشي من حياتك، لكن إنك تكتشف إنك كنت مدي له مكانة أكبر بكتير من المكانة اللي كان مديهالك.

بعد يومين، سمحوا لي أستقبل زيارات قصيرة.

وأول شخص دخل عليّ بعد المحامي كان مريم.

كانت ماشية ببطء، ومستندة على ذراع ممرضة، لكنها كانت مبتسمة.

وقفت عند باب الغرفة وقالت:

— إيه يا عريس؟ لسه فاكر وعدك؟

ضحكت، رغم إن الضحك كان لسه بيتعبني.

قلت لها:

— أيوه، فاكر. بس واضح إنك محتاجة تفكري في العرض ده كويس.

قربت من السرير، وقعدت على الكرسي اللي جنبي.

قالت:

— أنا مش جاية أطلب منك جواز، يا ياسر. أنا جاية أطمن عليك. وبعدين، أنا عندي حكاية طويلة محتاجة أحكيها لحد يسمعني.

بصيت لها وقلت:

— وأنا عندي وقت أسمعك.

أخدت نفسًا عميقًا، وبدأت تحكي.

لكن قبل ما تكمل أول جملة، موبايلها رن.

بصت للشاشة، واتغيرت ملامحها فجأة.

ردت على المكالمة، وقالت بصوت منخفض:

— أيوه يا أستاذ شريف، أنا معاه دلوقتي.

وبعدين سكتت وهي بتسمع الطرف التاني.

بعد ثوانٍ، رفعت عينيها وبصت لي، وقالت:

— ياسر، فيه موضوع مهم لازم تعرفه. المحامي بتاعك محتاج يقابلك في أسرع وقت. الموضوع مش متعلق بالوصية بس… فيه حاجة تانية ظهرت بعد ما خرجت من العملية.

حسيت بقلق مفاجئ.

سألتها:

— حاجة إيه؟

مريم ما ردتش فورًا.

قفلت المكالمة، وحطت الموبايل في شنطتها، وبعدها قالت:

— مش عايزة أقول لك حاجة قبل ما نتأكد منها. بس اللي فهمته إن مراتك بدأت تتحرك قانونيًا قبل ما تعرف إنك خرجت من العملية بخير.

اتجمدت مكاني.

نادين كانت فاكرة إني ممكن ما أخرجش من غرفة العمليات أبدًا.

لكنني خرجت.

وكنت لسه عايش.

والظاهر إنها كانت مستعدة تعمل خطوة جديدة، من غير ما تعرف إن وصيتي اتغيرت بالفعل، وإن كل حاجة بقت محتاجة مراجعة دقيقة.

بعد أقل من ساعة، دخل الأستاذ شريف الغرفة، وفي إيده ملف بني.

قعد جنبي، وبص لي بجدية.

قال:

— يا ياسر، محتاج أشرح لك حاجة حصلت وإنت في العملية. بس قبل ما أتكلم، لازم تعرف إننا هنتعامل مع الموضوع بالقانون، ومن غير ما نتسرع في أي اتهام.

فتح الملف، وطلع منه مجموعة أوراق.

ولما شفت أول ورقة، عرفت إن قصة الطلاق اللي حصلت قبل العملية ما كانتش بالضرورة نهاية الحكاية…

دي يمكن كانت البداية الحقيقية لحاجة أكبر بكتير.

لكن السؤال اللي كان بيطاردني وقتها: نادين كانت عايزة الطلاق وبس، ولا كان فيه سر تاني ورا استعجالها؟

استنوا الأخير… لأن الحقيقة اللي كشفها المحامي هتغيّر كل اللي كنا فاكرينه عن الحكاية دي!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى