روايات وقصص

الجزء الاخير

كريم هز راسه ببطء.

«وده يفرق في إيه؟»

«يفرق.»

«إزاي؟»

«مريم ويوسف ولادك. ليان بنت مراتك.»

كريم بص لها كأنه بيسمع حاجة مستحيل يصدق إنها خرجت منها.

ثم قال:

«من إمتى وإنتِ بتحددي مين ابني ومين لأ؟»

أبو جوزي حسن أخيرًا اتدخل.

«يا كريم، اهدا شوية.»

كريم بص له.

«بابا، إنت عارف؟»

حسن ما ردش.

كريم قرب منه.

«إنت عارف إنها بتعامل ليان بالشكل ده؟»

حسن فضل ساكت.

كريم فهم من سكوته أكتر من أي إجابة.

«كنت عارف.»

حسن قال بسرعة:

«أنا حاولت أتكلم معاها.»

كريم رد:

«لكن ماوقفتهاش.»

«دي مراتك؟»

«دي أمك.»

حسن تنهد.

«نوال ساعات بتكون عصبية…»

كريم قاطعه:

«لا. العصبية إنك تزعل من حد.»

وأشار ناحية ليان.

«لكن إنك تفرق بين أطفال مالهمش ذنب… دي مش عصبية.»

ليان كانت لسه ماسكة إيده.

وفجأة شدّت إيده وقالت:

«بابا… ممكن نمشي؟»

كريم نزل لمستواها.

«ليه؟»

«أنا مش عايزة أكون سبب مشكلة.»

الكلمة دي كانت أصعب من أي صراخ.

كريم حضنها قدام الكل.

وقال:

«إنتِ مش سبب أي مشكلة يا حبيبتي.»

وبص لوشها.

«إنتِ المشكلة الوحيدة اللي حصلت هنا هي إن حد خلاكي تفكري في نفسك بالطريقة دي.»

ليان بدأت تعيط.

«بس جدتي قالت إنك بتحب ولادك الحقيقيين أكتر.»

كريم رفع عينه ببطء ناحية أمه.

المرة دي، ملامحه اتغيرت تمامًا.

وقال:

«ماما… أنا عايز أسألك سؤال واحد بس.»

نوال حاولت تتجاهله.

«كريم، كفاية قدام الناس.»

«لا.»

صوته كان هادي.

لكن حاسم.

«المرة دي لازم تجاوبيني.»

سكت الجميع.

ثم قال:

«إنتِ قلتي لليان الكلام ده لأنك فعلًا شايفة إنها مش بنتي… ولا لأنك عايزة توصلي لها رسالة معينة؟»

حماتي ما ردتش.

كريم ضيق عينيه.

«رسالة عن إيه يا ماما؟»

نوال بصت للأرض.

وبعدين قالت جملة ماكنتش متوقعاها:

«عن أمها.»

أنا اتجمدت.

كريم بص لها.

«تقصديني أنا؟»

نوال هزت راسها.

«أنا شايفة إنك اتسرعت في الجواز.»

حسن قال:

«نوال، كفاية.»

لكنها كانت بدأت تتكلم.

«من يوم ما اتجوزتها، وهي بتبعدك عن أولادك.»

بصيت لها بعدم تصديق.

«أنا؟»

ردت:

«آه، إنتِ.»

كريم رفع إيده.

«محدش يتكلم مع مراتي بالطريقة دي.»

نوال قالت:

«أنا أمك! ومن حقي أخاف عليك.»

«الخوف عليا مش معناه إنك تأذي بنتي.»

«هي مش بنتك!»

كريم ضرب بإيده على السفرة.

الصوت خلّى الأطفال ينتفضوا.

«آخر مرة تقولي الجملة دي.»

نوال سكتت.

ثم كريم أخذ نفسًا عميقًا.

«لأن المرة الجاية الموضوع مش هيكون كلام بينا.»

نوال قالت بتحدي:

«هتعمل إيه؟»

كريم بص لها مباشرة.

«هقول لليان الحقيقة كاملة.»

نوال تغير لون وشها.

«أي حقيقة؟»

كريم لم يرد.

وأنا في اللحظة دي حسيت إن فيه حاجة أنا نفسي ماكنتش أعرفها.

لأن طريقة نظر كريم لأمه كانت مختلفة.

مش مجرد غضب.

كان فيه شيء تاني.

شيء يشبه الخوف.

بصيت له وقلت:

«كريم… إيه الحقيقة اللي بتتكلم عنها؟»

رفع عينه ليا.

وسكت.

ثم قال:

«مش هنا.»

حماتي قامت فجأة من مكانها.

«أنا ماشية.»

كريم قال:

«لا.»

وقفت.

«مش قبل ما نفهم كل حاجة.»

حماتي بدأت تجمع شنطتها بعصبية.

«أنا مش مطالبة أتحاسب قدام الناس.»

كريم رد:

«إنتِ اللي اخترتي تعملي ده قدام الناس.»

وبعدين بص لأبوه.

«وأنت يا بابا… أنا عايزك تجاوبني على سؤال.»

حسن قال:

«اسأل.»

كريم وقف في منتصف السفرة.

«من سبع سنين… يوم ما ليان اتولدت… إنت كنت عارف حاجة عن أبوها الحقيقي؟»

أنا حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.

حماتي رفعت عينيها بسرعة ناحية حسن.

وحسن…

ماقدرش يبص في عين ابنه.

وكانت الإجابة موجودة في صمته.
نكمّل بالجزء قبل الأخير، ونرفع فيه التوتر ونكشف السر تدريجيًا تمهيدًا للنهاية.

لأول مرة من بداية الليلة، حسيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خلاف بين حماتي وبنتي.

السؤال اللي كريم سأله لوالده فضل معلق في الجو:

«من سبع سنين… يوم ما ليان اتولدت… إنت كنت عارف حاجة عن أبوها الحقيقي؟»

حسن فضل ساكت.

حماتي كانت واقفة جنب السفرة، وشها شاحب، وإيديها بتترعش وهي ماسكة شنطتها.

أنا بصيت لكريم.

«إنت عارف حاجة؟»

ما ردش.

قربت منه.

«كريم، بص لي.»

بص لي أخيرًا.

كان في عينيه وجع واضح.

قال بصوت منخفض:

«أنا كنت عارف إن في حاجة مستخبية.»

قلبي دق بسرعة.

«إيه هي؟»

«بس ماكنتش عارف كل الحقيقة.»

حماتي قاطعته:

«كريم، بلاش تفتح الموضوع ده.»

لف ناحيتها.

«ليه؟»

ما ردتش.

«ليه يا أمي؟»

حسن أخيرًا اتكلم.

«لأن الموضوع قديم.»

كريم ضحك بمرارة.

«قديم؟»

ثم أشار ناحية ليان.

«البنت دي عمرها سبع سنين. بالنسبة لها مش قديم.»

ليان كانت واقفة جنب الكرسي، ساكتة، مش فاهمة ليه كل الكبار بيتكلموا عن حاجة تخصها.

قربت منها وحضنتها.

لكنها سألتني بصوت واطي:

«ماما… هو أنا عملت حاجة وحشة؟»

حسيت قلبي اتكسر.

«لأ يا حبيبتي. إنتِ ماعملتيش أي حاجة.»

كريم سمعني.

وقال:

«ومحدش هيخليكي تحسي بكده تاني.»

ثم رجع لأبوه.

«بابا… أنا هسألك للمرة الأخيرة.»

حسن بص له.

«إيه اللي حصل يوم ما ليان اتولدت؟»

حسن أخد نفس طويل.

«أمك عرفت إن والد ليان الحقيقي كان عايز يرجع في حياتها.»

أنا شهقت.

كريم سأل:

«يعني إيه؟»

حسن قال:

«كان في محاولات للتواصل.»

بصيت لكريم.

«إنت كنت تعرف؟»

هز راسه.

«كنت أعرف إن في شخص حاول يتواصل معاكي زمان.»

«وإنت ماقلتليش؟»

«لأني كنت فاكر إن الموضوع انتهى.»

حماتي انفجرت:

«لأ، ما انتهيش!»

كلنا بصينا لها.

سكتت للحظة.

وبعدين قالت:

«هو رجع فعلًا.»

كريم قال:

«مين؟»

نوال بصت لي.

«والد ليان.»

أنا حسيت إني فقدت القدرة على الكلام.

لأن والد ليان الحقيقي كان غايب عن حياتها من قبل ما كريم يدخل حياتنا.

كان اسمه طارق.

آخر مرة شوفته كانت قبل سنوات طويلة.

ماكانش بيسأل.

ماكانش بيتصل.

وماكانش له أي وجود في حياة بنتي.

على الأقل… ده اللي كنت فاهمه.

بصيت لنوال.

«إنتِ كنتِ عارفة إنه رجع؟»

هزت راسها.

«آه.»

«من إمتى؟»

ما ردتش.

كريم قال:

«من إمتى يا أمي؟»

«من حوالي سنتين.»

اتسعت عيني.

«سنتين؟»

كريم بص لها.

«يعني طول الفترة دي كنتِ عارفة؟»

«كنت بحاول أحمي ابني.»

كريم انفجر:

«تحميني من إيه؟!»

نوال قالت:

«من إنها تسيبك أول ما أبو بنتها يرجع.»

الصمت نزل علينا.

بصيت لكريم.

«أنا؟»

ردت حماتي:

«آه، إنتِ.»

كريم هز راسه بعدم تصديق.

«يعني إنتِ عاقبتي طفلة سبع سنين عشان كنتِ خايفة إن أمها تسيبني؟»

نوال سكتت.

كريم قرب منها.

«إنتِ خليتي ليان تحس إنها مش بنتي… عشان كنتِ شاكة في جوازنا؟»

نوال قالت:

«أنا كنت شايفة حاجات.»

«إيه الحاجات؟»

«كان بيسأل عنها.»

«مين؟»

«طارق.»

كريم قال:

«وطلب إيه؟»

نوال ترددت.

ثم قالت:

«طلب يشوف ليان.»

أنا حطيت إيدي على بوقي.

«وإنتِ عملتي إيه؟»

نوال بصت لي.

«رفضت.»

كريم اتجمد.

«إنتِ رفضتي؟»

«كنت بحمي الأسرة.»

«دي مش أسرتك عشان تقرري مين يدخلها ومين يخرج منها.»

حسن قال بهدوء:

«نوال أخطأت.»

لكن كريم التفت له.

«وإنت؟»

حسن سكت.

«إنت كنت عارف؟»

«آه.»

كريم رجع خطوة.

«إنتوا الاتنين كنتوا عارفين.»

ثم بص ليان.

كانت قاعدة في الكرسي، ماسكة الدبدوب، ومش فاهمة ليه كل ده بيحصل.

كريم قرب منها.

ركع قدامها.

وقال:

«ليان، بصي لي.»

رفعت عينيها.

«أيوه يا بابا.»

«أنا عايزك تعرفي حاجة.»

ابتسم لها رغم إن عينيه كانت مليانة دموع.

«مفيش أي حد في الدنيا يقدر يغير مكانك عندي.»

ليان سألت:

«حتى جدتي؟»

كريم سكت لحظة.

ثم قال:

«حتى لو كل الناس قالت كلام غير كده.»

بعدها وقف.

وأخرج موبايله.

حماتي بصت له بخوف.

«إنت بتعمل إيه؟»

كريم قال:

«بتصل بحد.»

«مين؟»

بص لها.

«طارق.»

حماتي شهقت.

«لا!»

كريم ضغط على زر الاتصال.

رن الهاتف.

مرة.

مرتين.

تلات مرات.

ثم جاء الرد.

كريم قال:

«ألو.»

صوت رجل جاء من الطرف الآخر.

«أيوه؟»

كريم قال:

«أنا كريم… جوز والدة ليان.»

سكت الرجل.

ثم قال:

«كنت مستني المكالمة دي من سنين.»

بصيت لكريم.

وحسيت إن كل حاجة اتغيرت.

كريم قال:

«أنا محتاج أعرف الحقيقة.»

الرجل رد:

«أي حقيقة؟»

كريم قال:

«ليه حاولت تشوف ليان؟ وليه أهلي كانوا عارفين؟»

صمت الرجل للحظات.

ثم قال:

«لأن والدتك… كانت عارفة حاجة محدش قالهالك.»

حماتي بدأت تبكي.

كريم قال:

«إيه؟»

الرجل قال جملة واحدة:

«هي عارفة مين كان السبب الحقيقي في اختفائي من حياة ليان.»

كريم بص لأمه.

ثم قال:

«قولي لي مين.»

الرجل رد:

«مش هقولك في التليفون.»

«ليه؟»

«لأن معايا دليل.»

كريم سأل:

«دليل على إيه؟»

الصوت الآخر قال:

«على إنك اتقالك نصف الحقيقة بس.»

ثم أغلق المكالمة.

كريم فضل ماسك الموبايل، وعينيه مثبتة على حماتي.

أنا قربت منه.

«كريم… إيه اللي حصل؟»

ما ردش.

لكن بعد ثواني، فتح رسالة وصلت له للتو.

قرأها.

وفجأة تغيّر وجهه.

ثم مد الموبايل ناحيتي.

كانت رسالة قصيرة من طارق:

«قبل ما تحكم على أي حد… افتح الملف اللي والدتك طلبت مني أدفنه من سبع سنين.»

وتحت الرسالة كان فيه عنوان.

وعنوان المكان كان في الإسكندرية.

كريم رفع عينه وقال:

«إحنا رايحين دلوقتي.»

حماتي صرخت:

«كريم، لأ!»

وقف وبص لها.

«ليه؟»

نوال لم تجد إجابة.

كريم أخذ مفاتيحه.

ثم نظر إلى والده.

«وأنت هتيجي معانا.»

حسن قال:

«ليه؟»

كريم رد:

«لأن واضح إنك الوحيد اللي لسه فاكر كل اللي حصل.»

ثم أمسك يد ليان.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى