روايات وقصص

الجزء الاخير

خرجنا من البيت.

لكن قبل ما الباب يتقفل، سمعت حماتي تقول بصوت مرتجف:

«لو عرفت الحقيقة… مش هتسامحني.»

كريم وقف.

لف ناحيتها.

وقال:

«أنا مش خايف من الحقيقة يا أمي.»

ثم أضاف:

«أنا خايف أعرف إنتِ عملتي إيه عشان تخلي بنت عندها سبع سنين تفتكر إنها مش بنتي.»

وأغلق الباب.

وفي تلك اللحظة، ماكنتش أعرف إن الملف اللي هنفتحه بعد دقائق…

هيكشف سرًا أخطر من كل اللي حصل في حفلة عيد الميلاد.
وصلنا للعنوان بعد حوالي نص ساعة.

كان مكتب صغير في شارع جانبي هادي في الإسكندرية، فوق مكتب محاماة قديم.

كريم دخل الأول، وأنا وراه، وليان ماسكة إيدي، وحسن داخل آخر واحد.

أول ما فتحنا الباب، لقينا رجل واقف عند الشباك.

كان طارق.

والد ليان الحقيقي.

بص لليان لأول مرة من سنين طويلة.

وشه اتغير.

عينيه اتمليت دموع، لكنه ما قربش منها.

قال بصوت مكسور:

«كبرت.»

ليان استخبت ورا كريم.

كريم وقف قدامها.

«متقربش منها غير لما هي تكون مستعدة.»

طارق هز راسه.

«أنا فاهم.»

وبعدين حط ملف بني على المكتب.

«ده اللي طلبت مني والدتك أخبيه.»

كريم فتح الملف.

أول ورقة كانت صورة من محضر قديم.

قرأها بسرعة.

وبعدين بص لأبوه.

«إيه ده؟»

حسن نزل عينيه.

كريم قلب الورقة.

ثم التانية.

ثم التالتة.

وفجأة وقف.

«إنتوا قلتولي إن طارق اختفى بإرادته.»

طارق قال:

«أنا ما اختفيتش.»

كريم بص له.

«أمال إيه اللي حصل؟»

طارق قال:

«قبل ولادة ليان بفترة، حصل خلاف بيني وبين والدتها. أنا كنت عايز أكون موجود في حياة بنتي، لكن كان فيه ناس شايفين إن وجودي هيعمل مشاكل.»

حسن قال بصوت ضعيف:

«كنا خايفين.»

كريم رد:

«من إيه؟»

طارق قال:

«من إنك تعرف الحقيقة.»

كريم قرب منه.

«أي حقيقة؟»

طارق أشار للملف.

«اقرأ الصفحة الأخيرة.»

قلب كريم الصفحة.

كانت ورقة عليها توقيع.

قرأها مرة.

ثم مرة تانية.

وبص لي.

«دي إمضتك؟»

أنا قربت.

كانت ورقة من سبع سنين.

إقرار مكتوب إن طارق لم يتخلَّ عن ابنته بإرادته، وإنه حاول التواصل معها أكثر من مرة، لكن تم منعه.

وكان فيه اسم الشخص اللي قدم البلاغ.

نوال.

أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

كريم بص لأمه في خياله كأنها واقفة قدامه.

ثم سأل أبوه:

«ليه؟»

حسن قال:

«أمك كانت مقتنعة إن وجود طارق هيهدم حياتك.»

«فقطعتوا علاقتهم؟»

«هي عملت كده… وأنا سكت.»

كريم غمض عينيه.

«وسبتوني أصدق إن الراجل ده تخلى عن بنته؟»

طارق قال:

«أنا حاولت كتير.»

ثم أخرج ظرفًا آخر.

«ودي الرسائل.»

كان فيه عشرات الرسائل.

رسائل لم تصلني أبدًا.

بطاقات عيد ميلاد لليان.

صور ألعاب.

رسالة كتبها طارق قبل عيد ميلادها الرابع.

وأخرى قبل عيد ميلادها السادس.

وفي واحدة منها جملة قصيرة:

«أنا مش طالب تاخديني مكان حد… أنا بس عايز بنتي تعرف إني ما نسيتهاش.»

دموعي نزلت.

لكن كريم كان ساكت.

ثم سأل:

«وليه رجعت من سنتين؟»

طارق قال:

«لأني عرفت إن ليان بقت تناديني كريم… أقصد، تنادي كريم بابا.»

سكت لحظة.

«وفهمت وقتها إن عندها أب بالفعل. فقررت ما أخربش حياتها.»

كريم رفع عينه.

طارق كمل:

«كنت عايز أشوفها مرة واحدة بس. لكن والدتك رفضت.»

كريم قال:

«وبعدين؟»

«بعدها طلبت منها حاجة.»

«إيه؟»

«قلت لها لو هي مش عايزة تسمح لي أشوفها، على الأقل تقول لها يومًا ما إن أبوها الحقيقي ما اختفاش.»

كريم ابتسم بحزن.

«لكنها عملت العكس.»

طارق هز راسه.

«هي كانت خايفة منك.»

كريم رد:

«هي ما كانتش خايفة عليا.»

ثم بص لليان.

كانت واقفة في ركن الغرفة، ماسكة الدبدوب.

قرب منها كريم.

نزل على ركبته.

«ليان.»

بصت له.

«أيوه يا بابا؟»

«فاكرة لما جدتك قالت إنك مش بنتي؟»

هزت راسها.

«أيوه.»

مسح دموعه.

«هي كانت غلطانة.»

سكتت ليان.

ثم سألت:

«بس أنا عندي بابا تاني؟»

كريم بص لطارق.

ثم قال:

«آه.»

ليان بصت لطارق.

طارق ما اتحركش.

فقط قال:

«أنا موجود لو يومًا حبيتي تعرفيني.»

ليان فضلت ساكتة.

ثم سألت:

«هو إنت كنت بتبعتلي هدايا؟»

طارق ابتسم والدموع في عينيه.

«كتير.»

«ليه ماوصلتش؟»

ماحدش رد.

لأن الإجابة كانت واضحة.

بعد لحظات، ليان قربت خطوة من طارق.

ثم قالت:

«ممكن أشوف الصور؟»

طارق ابتسم.

«طبعًا.»

وفي اللحظة دي، عرفت إننا مش هنقدر نرجع حياتنا زي ما كانت.

لكن يمكن لأول مرة، الحقيقة كانت هتدي لكل شخص مكانه الصحيح.

رجعنا البيت بعد ساعات.

حماتي كانت مستنيانا.

كانت قاعدة لوحدها في الصالة.

أول ما شافت كريم، قامت.

«عرفت كل حاجة؟»

كريم قال:

«آه.»

نوال بدأت تعيط.

«أنا كنت بحميك.»

رد بهدوء:

«لا يا أمي.»

سكتت.

«إنتِ كنتِ بتحاولي تتحكمي في حياتي.»

«أنا أمك.»

«وأنا ابنك. لكن ليان طفلة مالهاش ذنب.»

بص لها.

«إنتِ حرمتيني من الحقيقة سبع سنين.»

نوال قالت:

«كنت خايفة أخسرك.»

كريم رد:

«لكن اللي عملتيه هو إنك خسرتيني فعلًا.»

حسن بدأ يتكلم:

«كريم…»

رفع إيده.

«بابا، أنا مش عايز تبرير.»

ثم بص لأمه.

«من النهارده، مش هتدخلي في تربية أولادي.»

نوال شهقت.

«أولادك؟»

كريم قال:

«آه.»

ثم أشار ناحية ليان.

«كلهم.»

مريم ويوسف كانوا واقفين عند باب الصالة.

مريم قالت:

«إحنا كمان عايزين ليان تفضل أختنا.»

كريم ابتسم.

«هتفضل.»

ليان قربت من مريم.

مريم مسكت إيدها.

يوسف وقف جنبهم.

ولأول مرة، حماتي بصت للتلاتة جنب بعض.

ثلاثة أطفال.

ثلاثة أشكال مختلفة.

لكن في عيلة واحدة.

بعد أسابيع، بدأنا نزور طارق بشكل تدريجي.

مافرضناش على ليان أي علاقة.

كريم كان واضحًا جدًا:

«هي اللي تقرر إمتى تكون جاهزة.»

ومع الوقت، بدأت ليان تتعرف عليه.

لكنها كانت كل ليلة تقريبًا ترجع تحضن كريم قبل النوم.

وفي ليلة، قالت له:

«بابا؟»

«نعم يا حبيبتي.»

«هو ممكن يكون عندي باباين؟»

كريم ابتسم.

«ممكن يكون عندك ناس كتير بتحبك.»

سألته:

«بس إنت هتفضل بابا؟»

حضنها وقال:

«أنا كنت بابا من أول ما اخترت أكون موجود… وهفضل بابا طول ما إنتِ عايزاني.»

بعدها بأيام، جه عيد ميلاد كريم مرة تانية.

المرة دي ماكانش فيه تجمع كبير.

بس العيلة القريبة.

ولما دخلنا أوضة السفرة، كان فيه أربع كراسي جنب بعض.

كريم بص لليان وقال:

«اختاري مكانك.»

ليان بصت للكراسي.

وبعدين اختارت الكرسي اللي كانت قاعدة فيه السنة اللي فاتت.

نفس الكرسي.

اللي كان فاضي.

قعدت عليه وابتسمت.

وبعدين قالت:

«المرة دي محدش هيقول إنه مش ليا، صح؟»

كريم قرب منها.

«الكرسي ده كان بتاعك من الأول.»

نظرت له.

«حتى لو مش بنتك الحقيقية؟»

كريم ابتسم وقال:

«إنتِ بنتي الحقيقية لأن الأب مش كلمة في شهادة ميلاد… الأب هو اللي يفضل موجود لما الدنيا كلها تمشي.»

ثم نظر إلى مريم ويوسف.

«وأختك.»

ثم أضاف:

«ومفيش حد يقدر يغير ده.»

وفي اللحظة دي، فهمت معنى الكرسي الفاضي.

ماكانش مجرد كرسي على سفرة.

كان اختبارًا.

اختبارًا كشف مين فعلًا بيعتبر ليان فرد من العيلة، ومين كان بيحاول يحط حدود بين الأطفال.

والأهم…

إن بنت صغيرة عندها سبع سنين، كانت فاكرة إنها مش «حقيقية» بالنسبة لأبوها.

لكنها خرجت من الحكاية وهي عارفة حقيقة أهم:

العيلة مش دايمًا هي الناس اللي جمعتنا بيهم الدم… أحيانًا العيلة هي الناس اللي اختارتنا، وفضلت جنبنا، وحاربت عشان مكاننا على السفرة.

ومن يومها…

مافيش كرسي فاضي في بيتنا.

ولا مكان ناقص لليان.

ولا مرة تانية سمحت لأي حد يقول لها إنها مش من العيلة.
تمت

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى