منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

فارس، مدير الأمن في شركتي.

فارس كان راجل هادي، قليل الكلام، واشتغل معايا من حوالي عشر سنين.

قلت له:

“عايزك تراقب المكان بس.”

قال:

“حاضر.”

دخلنا المخزن القديم قبل المغرب.

الجو كان بارد، والسماء ملبدة بالسحب.

مشينا ناحية المكان اللي لقيت فيه مريم.

فتشت بين الصناديق.

ولا حاجة.

لكن فارس نادى عليّ.

“محمود.”

روحت له.

كان واقف جنب باب معدني قديم.

على الباب كان فيه قفل جديد.

وده كان غريب جدًا.

لأن المكان مهجور من سنين.

كسرنا القفل.

دخلنا.

الغرفة كانت مظلمة وريحتها خانقة.

شغلت كشاف الموبايل.

كان فيه مكتب قديم.

كرسي.

وخزانة حديد.

وفوق المكتب…

كانت فيه زجاجة دواء.

نفس شكل الزجاجة اللي مريم وقعتْها في المستشفى.

فارس قرب منها.

لكن قبل ما يلمسها، قلت له:

“استنى.”

فتحت كاميرا الموبايل وصورتها.

وبعدين بدأت أفتش المكان.

لقيت ورقة مدفونة تحت قطعة خشب.

كانت مكتوب عليها مجموعة أرقام.

وبجانبها أسماء.

ثلاثة أسماء.

الأول: حسام.

الثاني: فارس.

الثالث كان اسم ما أعرفوش.

فضلت أبص للورقة.

حسام وفارس.

الاثنين اللي بثق فيهم.

واحد منهم متورط…

أو الاتنين.

رفعت عيني لفارس.

كان واقف ورايا.

سألني:

“لقيت حاجة؟”

قفلت الورقة بسرعة.

وقلت:

“لأ.”

خرجنا من المكان.

لكن وأنا راكب العربية، اكتشفت حاجة أخطر.

فارس ما كانش بيسألني عن الورقة.

ولا عن الزجاجة.

ولا حتى عن الغرفة.

كان ساكت طول الطريق.

وده خلاني أشك أكتر.

في البيت، دخلت أوضة مريم.

كانت نايمة.

سلمى كانت قاعدة جنبها.

قلت لسلمى:

“عايزك تسمعي حاجة، بس ما تقاطعيش.”

وحكيت لها كل اللي حصل.

لما وصلت لجزء الأسماء، وشها اتغير.

قالت:

“إنت بتشك في حسام وفارس؟”

قلت:

“أنا مش بشك فيهم.”

وسكت لحظة.

“أنا بقيت بشك في كل حاجة.”

سلمى قربت مني وقالت:

“طيب نعمل إيه؟”

بصيت لها.

“هنخليهم هما اللي يتحركوا.”

في نفس الليلة، اتصلت بحسام.

قلت له:

“لقيت حاجة مهمة في المخزن.”

سألني بسرعة:

“إيه هي؟”

قلت:

“مش هينفع أقول في التليفون.”

سكت.

وبعدين قال:

“نتقابل؟”

قلت:

“بكرة بالليل.”

وسميت له مكانًا مهجورًا بعيدًا عن البيت.

بعدها اتصلت بفارس.

وقلت له نفس الكلام.

لكن غيرت مكان المقابلة.

كل واحد منهم هيعتقد إنه الوحيد اللي عارف.

وكان فيه شخص ثالث بيسمع المكالمتين.

الشرطة.

لأن من غير ما حسام أو فارس يعرفوا، كنت بدأت أتعاون مع ضابط اسمه الرائد كريم.

اتفقنا على خطة بسيطة.

نقول لهم إن عندي دليل يثبت مكان والد مريم.

ونشوف مين هيتحرك.

لكن قبل تنفيذ الخطة بساعات…

حصل شيء ما كنتش متوقعه.

مريم دخلت عليّ وهي ماسكة الورقة اللي لقيناها في المخزن.

وقالت:

“محمود…”

بصيت لها.

قالت:

“الاسم التالت ده… أنا أعرفه.”

قربت منها.

“مين؟”

قالت بصوت مرتجف:

“الدكتور.”

قلت:

“أي دكتور؟”

أشارت ناحية الورقة.

“الدكتور اللي كان بيحط الدواء في إبرة بابا.”

وقتها فهمت إن الدكتور ياسر ما كانش مجرد طبيب ظهر بالصدفة في المستشفى.

لكن السؤال الحقيقي كان…

إزاي عرف إن مريم موجودة عندي؟

وقبل ما أقدر أجاوب، رن تليفوني.

كانت رسالة جديدة من الرقم المجهول:

“إحنا عارفين إنك رايح المقابلة بكرة.”

وبعدها وصلت رسالة تانية:

“ولو نفذت الفخ… مريم هتدفع الثمن.”

في اللحظة دي، أدركت إن الخطة اتكشفت.

لكن اللي ما كنتش أعرفه…

إن الشخص اللي سرّب الخطة لم يكن حسام.

ولا فارس.

كان شخصًا داخل البيت نفسه.
فضلت واقف قدام الرسالة وأنا حاسس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.

“الشخص اللي سرّب الخطة موجود داخل البيت.”

بصيت ناحية باب المكتب.

سلمى كانت واقفة في الصالة، ومريم قاعدة جنبها.

مين ممكن يكون؟

إحنا ما كناش ساكنين مع حد.

ولا حد من العمال دخل البيت.

ولا حتى الشرطة كانت تعرف تفاصيل الخطة كاملة.

الشخص الوحيد اللي كان عارف كل حاجة تقريبًا…

كان أنا.

وسلمى.

رفعت عيني لسلمى.

هي فهمت نظرتي فورًا.

قالت:

“إنت بتشك فيا؟”

هزيت رأسي بسرعة.

“لأ.”

لكنها قالت:

“نظرتك قالت كده.”

قربت منها وقلت:

“أنا مش بشك فيكي… أنا بحاول أفهم مين بيسمعنا.”

قبل ما تكمل كلامها، مريم خرجت من الصالة.

كانت بتبص لنا.

قالت بهدوء:

“مش هي.”

بصينا لها.

سألتها:

“مين؟”

قالت:

“اللي بيسمعكم… مش جوه البيت.”

تجمدت.

“أمال فين؟”

أشارت ناحية الحائط.

“ورا الحيطة.”

في البداية افتكرتها بتتكلم من الخوف.

لكن لما سألتها:

“إزاي يعني؟”

قالت:

“بابا كان بيقول إنهم بيحطوا ودان في الحيطان.”

سلمى بصت لي.

وبدون كلام، جبت جهاز كشف صغير كنت بستخدمه في شركتي لمتابعة بعض أنظمة الأمن.

بدأت ألف في البيت.

ولا حاجة.

لحد ما قربت من غرفة المكتب.

الجهاز أصدر صوتًا.

مرة.

وبعدين مرة تانية.

فتشت المكتب كله.

فتحنا الأدراج.

شيلنا الكتب.

لحد ما لقيت جهاز صغير جدًا مثبت أسفل المكتب.

جهاز تسجيل.

ومعه شريحة اتصال.

مسكته وأنا مش مصدق.

حد كان بيسمع كل كلمة بنقولها.

والأغرب إن الجهاز كان جديد.

يعني حد ركبه بعد ما وصلت مريم.

اتصلت بالرائد كريم فورًا.

قلت له:

“الخطة اتغيرت.”

سألني:

“ليه؟”

قلت:

“هما سامعيننا.”

سكت لحظة.

وبعدين قال:

“يبقى نخليهم يسمعوا اللي إحنا عايزينهم يسمعوه.”

ابتسمت.

لأول مرة من ساعات.

وقلت:

“بالضبط.”

في اليوم التالي، نفذنا الجزء الأول من الخطة.

قدام جهاز التسجيل، قلت لسلمى بصوت مسموع:

“الورقة الأصلية موجودة في خزنة الشركة.”

وبعدها قلت:

“ومريم هتكون معايا هناك.”

كنت عارف إن الكلام ده هيوصل لهم.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

مريم كانت في مكان آمن مع الشرطة.

أما أنا، فكنت رايح للمقابلة وحدي.

الساعة كانت عشرة بالليل لما وصلت للمكان المتفق عليه مع حسام.

كان مبنى قديم تحت الإنشاء.

دخلت وأنا حاطط الهاتف في جيبي، والشرطة كانت محاصرة المكان من الخارج.

بعد دقائق، ظهر حسام.

كان لوحده.

وقف قدامي وقال:

“فين الدليل؟”

قلت:

“قبل ما أديهولك، عايز أعرف الحقيقة.”

ضحك.

“حقيقة إيه؟”

قلت:

“مريم.”

وشه اتغير.

ثانية واحدة بس.

لكن أنا شفتها.

قلت:

“إنت تعرفها.”

رد بسرعة:

“لأ.”

قلت:

“يبقى ليه كنت بتسألني عنها من أول يوم؟”

قال:

“أنا كنت بحاول أساعدك.”

قلت:

“ساعدتني إزاي؟”

سكت.

ثم قال:

“محمود، إنت مش فاهم إنت داخل على إيه.”

قلت:

“يبقى فهمني.”

قرب مني.

وقال:

“البنت دي مش مجرد طفلة.”

قلت:

“أنا عارف.”

قال:

“هي شافت حاجة ما كانش المفروض تشوفها.”

سألته:

“إيه؟”

قبل ما يرد…

سمعنا صوت عربية.

حسام بص ناحية الباب.

ثم قال:

“لازم تمشي.”

قلت:

“ليه؟”

قال:

“هما وصلوا.”

في اللحظة دي، دخل فارس من الباب الخلفي.

بصيت له.

ثم لحسام.

وقلت:

“كنت عارف إنكم الاتنين هنا.”

فارس قال:

“إحنا مش أعداءك.”

قلت:

“أمال إيه؟”

رد:

“إحنا بنحاول نمنع كارثة.”

وقتها ظهرت عربية سوداء عند مدخل المبنى.

نزل منها رجل ما كنتش شفته قبل كده.

لكن بمجرد ما شافه حسام، تراجع خطوة.

الرجل دخل ببطء.

وقال:

“واضح إن محمود عرف كتير.”

بصيت له.

“إنت مين؟”

ابتسم.

“اسمي عادل منصور.”

الاسم ما كانش غريبًا.

كان الاسم الثالث المكتوب في الورقة.

لكن قبل ما أقدر أقول أي حاجة، سمعت صوت صفارات الشرطة.

عادل بص لحسام وفارس.

وفجأة قال:

“إنتو وقعتوا في الفخ.”

ابتسمت.

وقلت:

“لأ.”

ثم أشرت للشرطة وهي تدخل المبنى.

“إنت اللي وقعت.”

لكن عادل ما ارتبكش.

على العكس…

ابتسم.

وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:

“لو فاكر إن القبض عليّ هيحل المشكلة… اسأل نفسك الأول: مريم فين؟”

اتجمدت مكاني.

أنا كنت متأكد إنها مع الشرطة.

لكن قبل ما أقدر أتكلم، جالي اتصال من الرائد كريم.

رديت.

وصوته كان مختلفًا.

متوترًا.

قال:

“محمود… عندنا مشكلة.”

قلت:

“مريم حصل لها إيه؟”

قال:

“هي اختفت.”

سكت.

“إيه؟”

قال:

“من عشر دقائق.”

بصيت لعادل.

كان بيبتسم.

ثم قال بهدوء:

“قلت لك… دي مش النهاية.”

وفي اللحظة دي فهمت إن الخطة كلها كانت مجرد جزء من لعبة أكبر.

والسؤال الوحيد اللي بقى في دماغي:

مين اللي أخذ مريم من المكان الآمن؟
وقفت قدام عادل وأنا بحاول أسيطر على أعصابي.

قلت له:

“إنت عايز مني إيه؟”

ابتسم وقال:

“أنا مش عايز منك حاجة يا محمود… أنا عايز مريم.”

رديت فورًا:

“مريم مش معايا.”

ضحك.

“عارف.”

الجملة دي كانت كفاية عشان أفهم.

هو ما كانش بيخمن.

هو كان متأكد.

لكن مين اللي كان بيديله المعلومات؟

الرائد كريم كان واقف على بُعد خطوات، والشرطة بدأت تحاصر المكان.

أشرت له بعيني ناحية عادل.

وفي اللحظة دي، دخل أحد أفراد الشرطة بسرعة وقال:

“يا فندم، لقينا عربية واقفة على بُعد حوالي ميتين متر.”

سألته:

“فيها حد؟”

قال:

“لأ، فاضية.”

سألت:

“رقمها؟”

قال الرقم.

وفجأة حسام قال:

“العربية دي بتاعة الدكتور ياسر.”

بصيت له.

“إنت متأكد؟”

هز رأسه.

“أيوه.”

لكن عادل بدأ يضحك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى