منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

قلت له:

“إيه اللي مضحك؟”

قال:

“لسه فاكر إن الدكتور هو المشكلة؟”

سكت.

قال:

“الدكتور كان بينفذ أوامر.”

سألت:

“أوامر مين؟”

نظر لحسام.

ثم لف ناحية فارس.

وقال:

“اسأل أصحابك.”

بصيت لحسام.

ثم لفارس.

الاتنين كانوا ساكتين.

وقتها فارس قال:

“محمود… لازم تعرف الحقيقة.”

قلت:

“اتكلم.”

قال:

“من حوالي سنة، شركتك اشترت مجموعة أخشاب من شركة وسيطة.”

قلت:

“أيوه.”

قال:

“الشركة دي كانت مجرد واجهة.”

سألت:

“واجهة لإيه؟”

قال:

“لشبكة كانت بتهرب أدوية ومواد طبية من بره.”

حسيت إني مش قادر أستوعب الكلام.

قلت:

“وإيه علاقتي أنا؟”

رد:

“ولا حاجة. إنت ما كنتش تعرف.”

ثم أضاف:

“لكن مخزن شركتك القديم كان بيتستخدم من غير علمك.”

بصيت لحسام.

“وإنت كنت تعرف؟”

خفض عينيه.

ما ردش.

قلت:

“حسام!”

رفع رأسه وقال:

“كنت عارف إن فيه حاجة غلط.”

صوتي ارتفع:

“وعملت إيه؟”

قال:

“حاولت أوقفهم.”

ضحكت بسخرية.

“وعشان كده كنت بتراقب مريم؟”

قال:

“أنا كنت بحاول أحميها.”

قبل ما أرد، قال فارس:

“وأنا كمان.”

اتجمدت.

الاثنين كانوا بيقولوا إنهم بيحموها.

لكن مين فيهم بيقول الحقيقة؟

في اللحظة دي، وصل اتصال للرائد كريم.

سمعناه يقول:

“لقيتوها؟”

سكت.

ثم قال:

“فين؟”

وبعد ثواني، قفل المكالمة.

بص لي وقال:

“مريم ظهرت.”

قلت:

“فين؟”

قال:

“في المستشفى.”

جريت ناحية العربية.

وصلنا المستشفى خلال دقائق.

دخلت وأنا بصرخ:

“مريم!”

سمعت صوتها من آخر الممر.

“محمود!”

جريت عليها.

كانت واقفة جنب سلمى.

وجهها شاحب، لكن ما كانش فيها إصابة.

حضنتها بقوة.

وقلت:

“إنتِ كويسة؟”

هزت رأسها.

ثم قالت:

“أنا عرفت مين خدني.”

سلمى قربت منها.

“مين؟”

مريم بصت ناحية باب الغرفة.

ثم قالت:

“الراجل اللي كان مع بابا.”

سألتها:

“عادل؟”

هزت رأسها.

“لأ.”

“أمال مين؟”

مريم بدأت تبكي.

وأشارت إلى آخر الممر.

كان واقف هناك رجل يرتدي بالطو أبيض.

الدكتور ياسر.

لكنه ما كانش لوحده.

كان معاه رجل آخر.

وأول ما شفته…

عرفته.

كان مدير البنك اللي بتتعامل معاه شركتي.

الشخص اللي كان مسؤول عن تحويلات الشركة.

والشخص اللي كان عنده صلاحية الاطلاع على كل معاملاتنا.

الرائد كريم أمر رجاله بالتحرك.

لكن قبل ما يوصلوا، ياسر مسك شيئًا في يده.

زجاجة صغيرة.

نفس الزجاجة اللي أسقطتها مريم في أول يوم.

صرخت مريم:

“دي مش دوا!”

ثم قالت:

“دي كانت بتستخدم عشان يخلوا بابا ما يفتكرش.”

سألها الرائد كريم:

“باباكي فين؟”

مريم بصت لي.

وقالت:

“هو مش ميت.”

سكت الجميع.

ثم أضافت:

“هو عايش.”

حسيت إن قلبي توقف.

“فين؟”

قالت:

“في المكان اللي كنتوا بتدوروا فيه.”

قلت:

“المخزن؟”

هزت رأسها.

“لأ.”

ثم مدت إيدها وأشارت إلى الجدار خلفنا.

وقالت:

“تحت المستشفى.”

بصيت لسلمى.

ثم للرائد كريم.

وبعدها بدأت أفهم.

المستشفى.

الدواء.

الزجاجة.

المخزن.

الطفلة.

كلهم كانوا أجزاء من نفس الخطة.

لكن كان فيه سؤال واحد أخير…

ليه كانوا محتجزين والد مريم؟

ومين الشخص اللي كان بيمول كل ده من البداية؟

قبل ما نتحرك، رن هاتف الرائد كريم.

رد.

وجهه اتغير تمامًا.

قال:

“محمود… لازم تشوف بنفسك.”

فتح لي شاشة هاتفه.

كانت صورة من كاميرا مراقبة.

صورة لرجل يدخل المخزن القديم.

الرجل كان لابس نفس الساعة السوداء اللي مريم وصفتها.

لكن المفاجأة لم تكن في وجهه…

المفاجأة كانت في الشخص اللي كان ماشي بجانبه.

كان والدي.

والدي الذي مات قبل أكثر من خمس سنوات.
فضلت باصص للصورة ومش قادر أنطق.

والدي؟

مستحيل.

أنا حضرت جنازته بنفسي من خمس سنين.

وقلت للرائد كريم:

“الصورة دي أكيد قديمة.”

هز رأسه.

“كنا فاكرين كده.”

ثم قرب الصورة.

“لكن بص على التاريخ.”

بصيت.

التاريخ كان قبل ثلاثة أيام فقط.

حسيت بقشعريرة في جسمي.

قلت:

“ده مش ممكن.”

مريم كانت واقفة جنبي، ولما شافت الصورة بدأت تبكي.

قالت:

“هو مش بابا.”

بصيت لها.

“مين؟”

قالت:

“الراجل اللي معاه.”

أشارت للرجل الموجود بجانب والدي في الصورة.

“ده هو.”

قربت الصورة.

كان الرجل هو نفس الشخص اللي مريم وصفته بأنه كان مع والدها.

لكن مين هو؟

بدأنا ندور في ملفات الشركة القديمة.

وبعد ساعات من البحث، ظهرت الحقيقة.

الرجل كان اسمه جلال منصور.

وكان شريكًا قديمًا لوالدي في تجارة الأخشاب.

لكن والدي أنهى شراكته معه قبل سنوات بعدما اكتشف إن جلال بيستخدم بعض المخازن في عمليات غير قانونية.

والدي لم يمت بسبب مرض مفاجئ كما كنت أعتقد.

كان قد بدأ يهددهم بكشف كل شيء.

ولهذا اختفى.

والجنازة التي حضرتها؟

كانت مبنية على تقارير طبية وهوية مزورة.

لم أصدق الأمر في البداية.

لكن الرائد كريم وجد وثائق تثبت أن الجثمان الذي دُفن لم يكن لوالدي.

كل شيء كان مخططًا بعناية.

أما والد مريم، فكان محاسبًا يعمل مع جلال.

اكتشف التحويلات والعمليات المشبوهة.

وحاول الهرب مع ابنته.

لكنهم أمسكوا به.

ومريم تمكنت من الهروب قبل أن يعيدوها.

أما الزجاجة التي أسقطتها في المستشفى، فكانت تحتوي على مادة كانت تُستخدم لتخدير والدها وإبقائه في حالة من عدم الوعي.

ولهذا كانت تعرفها.

كانت قد شاهدتها مرات كثيرة.

لكن بقي سؤال واحد:

أين والدها؟

مريم قالت:

“تحت المخزن.”

رجعنا للمكان في نفس الليلة.

فتشنا الأرضية.

وبعد ساعات، اكتشف رجال الشرطة بابًا حديديًا مخفيًا تحت ألواح خشبية.

فتحوه.

كان هناك ممر ضيق يؤدي إلى غرفة تحت الأرض.

وفي آخر الغرفة…

كان رجل مقيدًا على كرسي.

كان ضعيفًا جدًا، وشعره طويل، ووجهه شاحب.

لكن مريم بمجرد ما شافته صرخت:

“بابا!”

جريت نحوه.

والدها فتح عينيه بصعوبة.

ولما شاف مريم، بدأ يبكي.

لم يكن قادرًا على الكلام.

لكن مريم ارتمت في حضنه.

في تلك اللحظة، انتهى كل شيء بالنسبة لجلال.

الشرطة قبضت عليه وعلى الدكتور ياسر ومدير البنك.

أما حسام وفارس، فتم التحقيق معهما لفترة طويلة.

واتضح أن الاثنين كانا يحاولان جمع أدلة ضد الشبكة، لكنهما ارتكبا أخطاء كبيرة بإخفاء بعض المعلومات عني.

لم أسامحهما بسهولة.

لكنني مع الوقت فهمت إنهما كانا يحاولان حماية أشخاص لم يستطيعوا حمايتهم بالطريقة الصحيحة.

أما أكبر مفاجأة…

فكانت تخص والدي.

بعد إنقاذ والد مريم، بدأ يروي كل شيء.

قال إن والدي لم يكن شريكًا في الجريمة.

بل كان الشخص الذي حاول كشفها.

وإنه قبل اختفائه ترك نسخة من كل المستندات مع والد مريم.

لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إليها.

سألت:

“فين المستندات؟”

والد مريم ابتسم بصعوبة.

ثم قال:

“أبوك خبّاها في المكان الوحيد اللي كنت بتعتبره ملكك أنت.”

قلت:

“فين؟”

قال:

“في مكتبك القديم.”

رجعت لمكتبي في الشركة.

فتشت كل شيء.

وفي درج قديم لم أفتحه منذ سنوات، وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

داخله ملفات.

تحويلات مالية.

أسماء.

صور.

وتسجيلات تثبت كل شيء.

وفي قاع الصندوق، وجدت رسالة بخط والدي.

فتحتها وبدأت أقرأ.

كان كاتبًا:

“يا محمود، لو وصلت للرسالة دي، فمعناه إني ما قدرتش أحميك بالطريقة اللي كنت أتمنى. لكن أوعدني بحاجة… ما تثقش في المال أكتر من البشر، وما تحكمش على شخص من أول نظرة.”

توقفت عند آخر سطر.

“ولو قابلت يومًا طفلة اسمها مريم، ساعدها… لأنها تحمل الحقيقة التي لم أستطع حملها وحدي.”

فضلت ماسك الرسالة وأنا ببكي.

والدي كان يعرف.

كان يعرف إن مريم قد تكون مفتاح كشف كل شيء.

لكن ما كانش يعرف إنني أنا اللي هلاقيها.

بعد شهور، استقرت حياة مريم.

والدها تعافى تدريجيًا، وتم وضعها تحت رعايته.

لكن علاقتنا لم تنته.

كانت تزورني أنا وسلمى كل أسبوع تقريبًا.

وفي أول زيارة بعد انتهاء القضية، دخلت مريم مكتبي.

كانت لابسة فستانًا أزرق بسيطًا، وشعرها مرتب، ووشها بقى مليان حياة.

حطت على مكتبي ورقة صغيرة.

سألتها:

“إيه دي؟”

ابتسمت.

قالت:

“رسمتلك حاجة.”

فتحت الورقة.

كانت رسمة لثلاثة أشخاص.

أنا.

وسلمى.

ومريم.

وفوقنا جميعًا كتبت كلمة واحدة:

العيلة.

ساعتها فهمت إن اليوم اللي لقيت فيه طفلة صغيرة خلف مخزن مهجور…

ما كانش يوم أنقذتها فيه.

الحقيقة؟

هي اللي أنقذتني.

أنقذتني من حياة كنت فاكر إن الفلوس والشغل هما أهم حاجة فيها.

وعلمتني إن أحيانًا أعظم الأسرار بتختبئ في أضعف الأشخاص.

وإن الشخص اللي يبدو وحيدًا وخائفًا…

قد يكون هو المفتاح الوحيد للحقيقة.

أما والدي…

فبعد سنوات من الغياب، أخيرًا عرفت الحقيقة عنه.

ما كانش خائنًا.

ما كانش ضعيفًا.

كان يحاول يحميني حتى بعد ما ظننت أنه رحل إلى الأبد.

ومن يومها، كل ما أعدي من قدام المخزن القديم، أفتكر صباح نوفمبر البارد…

وأفتكر اليد الصغيرة اللي خرجت من تحت البلوفر الأخضر ومسكت إصبعي.

وقتها ما كنتش أعرف مين مريم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى