
قالت بسرعة:
— وإنتِ مالك؟ دي فلوسي وأنا حرة فيها!
طلعت صورة التحويلات وحطيتها قدامها.
— غريبة، أصل فيه تحويلات من حساب شريف لحساب الشخص اللي باع الشقة، وفيه رسالة صوتية بصوتك بتقولي له يوفر فلوسه ويحطها في الشقة التانية بدل ما يسدد التزاماته معايا.
اتوترت وبدأت تتكلم بعصبية:
— إنتِ بتتجسسي علينا؟!
قلت:
— أنا مش محتاجة أتجسس على حد. كل اللي عملته إني احتفظت بالمستندات اللي تخص فلوسي.
حاولت تغير الموضوع وقالت:
— بصي يا ندى، خلينا ننسى اللي فات. أنا ممكن أتكلم مع شريف ونحل الموضوع بيننا.
ابتسمت وقلت:
— سنتين وأنا بحاول أحل الموضوع بيننا، لكن واضح إن الحل الوحيد دلوقتي هو القانون.
قامت من مكانها وخرجت من غير ما تقول كلمة.
وجاء يوم الجلسة.
دخلت المحكمة مع المحامية مريم، وكان شريف قاعد في الناحية التانية، وبجانبه والدته.
أول ما شافني، ابتسم ابتسامة مستفزة وقال:
— لسه فاكرة إنك هتاخدي مني حاجة؟
ما رديتش.
بدأت المحامية تقدم المستندات، وكشوف الحسابات، وإيصالات السداد، والرسائل اللي بتثبت إن المبالغ اللي دفعتها كانت جزءًا من اتفاق بيني وبين شريف للمساهمة في مصاريف الشقة.
وبعدها عرضت المستندات المتعلقة بالتحويلات المالية الأخرى، وطلبت اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للتحقق من مصدرها والغرض منها.
شريف بدأ يتوتر.
أما أمه فكانت بتبص له وكأنها مستنية منه يتصرف.
وفي لحظة، المحامية طلبت الإذن بعرض الرسالة الصوتية.
اتسمع صوت سعاد في القاعة وهي بتقول:
«خليك عاقل يا شريف، ندى طول ما هي بتدفع القسط، إنت وفر فلوسك وحطها في الشقة التانية».
وشه اتغير تمامًا.
بص لأمه وقال بصوت واطي:
— إنتِ بعتّي الكلام ده إمتى؟!
لكنها ما ردتش.
المحامية كملت مرافعتها، وأوضحت إن موكلتها مش بتطالب بملكية الشقة لمجرد إنها ساهمت في الأقساط، لكنها بتطالب بإثبات حقوقها المالية واسترداد المبالغ اللي دفعتها وفقًا للأدلة والاتفاقات الموجودة.
وبعد استكمال الإجراءات، انتهت القضية إلى إلزام شريف برد المبالغ التي ثبتت أحقيتي فيها، وفقًا لما قدمناه من مستندات.
ما كانش المبلغ قليلًا، لكنه بالنسبة لي كان أكتر من مجرد فلوس.
كان اعترافًا إن تعبي مش من حق حد يستغله.
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إني أخيرًا قدرت أتنفس.
لكن شريف لحقني عند الباب.
قال بصوت منخفض:
— ندى، استني. ممكن نتكلم؟
وقفت وبصيت له.
قال:
— أنا غلطت، بس والله الموضوع ما كانش يستاهل كل ده. إنتِ عارفة إن أمي كانت بتضغط عليا، ورنا دخلت حياتي في وقت كنت فيه محتاج حد يهتم بيا.
ضحكت بحزن وقلت:
— وإنت كنت فاكر إني كنت بشتغل 14 ساعة في اليوم علشان أعيش فين؟ كنت بشتغل علشان أديك حياة أحسن، وإنت كنت بتجهز حياة تانية على حساب تعبي.
حاول يقرب مني وقال:
— طب نبدأ من جديد؟ أنا مستعد أسيب رنا.
بصيت له وقلت:
— المشكلة مش في رنا يا شريف. المشكلة إنك لما كان قدامك اختيار بين إنك تحافظ على مراتك أو تستغلها، اخترت تستغلها. ولما اتكشفت، افتكرت إنك ممكن ترجع بكلمتين.
وبعدها مشيت.
مرت ست شهور.
استأجرت شقة صغيرة في مكان هادي، واشتريت أثاث بسيط على قد إمكانياتي.
رجعت أهتم بنفسي، وقللت ساعات شغلي، وبقيت أخرج مع صحابي وأزور أختي.
حتى قطتي «ليل» بقت بتنام جنبي من غير ما تفزع من صوت الخناقات.
أما شريف، فبدأت مشاكله تظهر واحدة ورا التانية.
رنا لما عرفت إن الشقة اللي كان بيجهزها مش باسمه، وإن عليه التزامات مالية، بدأت تبعد عنه.
وسعاد اللي كانت طول الوقت بتدافع عن ابنها، لقت نفسها في خلافات معاه بسبب الفلوس والشقة اللي اتكتبت باسمها.
وفي يوم، وأنا خارجة من مركز التجميل، قابلت سعاد بالصدفة.
وقفت قدامي وبصت لي من فوق لتحت، وقالت بسخرية:
— إيه يا ندى؟ هو إنتِ سبتِ الشغل التاني بعد الطلاق وبقيتي تصرفي على نفسك في الكوافيرات؟
ابتسمت وقلت:
— أيوه، سبت الشغل التاني، وبقيت أهتم بنفسي، وأصرف فلوسي على نفسي بدل ما أصرفها على ناس مش مقدّرة تعبي.
قالت بعصبية:
— يعني إنتِ شايفة إنك كسبتي؟
بصيت لها وقلت:
— أنا مش داخلة سباق مع حد يا طنط سعاد. أنا بس رجعت أعيش حياتي.
وبعدين سألتها بهدوء:
— هو شريف ما قالكيش إن المحامية قدمت طلب جديد بخصوص باقي التحويلات اللي لسه محتاجين نعرف مصدرها؟
وشها اتغير وقالت:
— طلب إيه تاني؟!
قلت لها:
— اسألي ابنك، هو أكيد عارف.
وسبتها ومشيت.
لأن الحقيقة إن القصة ما كانتش مجرد زوج خان مراته، ولا أم دافعت عن ابنها.
كانت قصة واحدة نسيت نفسها وهي بتحاول تسعد ناس، لحد ما اكتشفت إن أول شخص لازم تحافظ عليه هو نفسها.
وفي النهاية، اتعلمت إن التضحية من غير تقدير بتتحول لاستغلال، وإن الحب الحقيقي عمره ما يكون على حساب كرامتك وحقك.
ومن يومها، بقيت أؤمن إن أصعب قرار ممكن تاخده أحيانًا هو القرار اللي بينقذك.
مش كل خسارة بتكون خسارة… ساعات خروجك من حياة ناس معينة بيكون بداية أجمل حياة ليك.
تمت



