
وسلمى… كانت مجرد الوسيلة اللي استخدموها عشان يجبروني أرجع.
لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر يخرج من دماغي:
إيه اللي موجود في المخزن؟
—
تاني يوم الصبح، رجعت المستشفى.
أول ما دخلت غرفة سلمى، لقيتها صاحبة وعيها.
قربت منها.
«صباح الخير يا حبيبتي.»
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
«ماما، إنتِ نمتي؟»
ابتسمت رغم تعبي.
«آه طبعًا.»
ضحكت بخفة.
«كدابة.»
مسكت إيدها.
«ممكن أسألك سؤال؟»
هزت رأسها.
«لما كنتِ عند طنط داليا… شفتي مفتاح؟»
سلمى فكرت شوية.
وبعدين قالت:
«آه.»
قلبي دق.
«كان شكله إيه؟»
«قديم… وكان متعلق فيه حاجة لونها أزرق.»
سألتها:
«وكان معاهم؟»
هزت رأسها.
«لا. طنط منى كانت مخبيّاه في درج.»
ثم قالت:
«ولما دخل بابا، قالت له: المفتاح لسه معانا.»
سألتها بسرعة:
«وبابا رد بإيه؟»
قالت:
«قال لها: المهم ماحدش يعرف إننا لقيناه.»
لقيناه؟
الكلمة دي كانت أهم من المفتاح نفسه.
يعني هم ماكانوش بيبحثوا عن المفتاح.
هم كانوا لقوه بالفعل.
لكن لقوا إيه معاه؟
—
بعد ما خرجت من المستشفى، قابلت الفريق في مكان آمن.
حطيت التسجيل قدامهم.
وسألت:
«إيه علاقة ملف من سبع سنين بالمخزن ده؟»
القائد فتح ملفًا قديمًا.
وقال:
«من سبع سنين، حصلت واقعة اختفاء بيانات مهمة من عملية كنا بننفذها.»
بصيت له.
«وإيه علاقتي؟»
قال:
«إنتِ كنتِ واحدة من الأشخاص اللي تعاملوا مع البيانات وقتها.»
هزيت رأسي.
«أنا فاكرة العملية.»
«إحنا مش خايفين من اللي إنتِ فاكره.»
سكت لحظة.
ثم قال:
«إحنا خايفين من اللي اتشال من ذاكرتك الرسمية.»
اتصدمت.
«يعني إيه؟»
فتح الملف.
كان فيه مستندات ناقصة، وصفحات عليها علامات حجب.
ثم أخرج صورة قديمة.
في الصورة كان فيه مخزن كبير.
وتحت الصورة عنوان:
مخزن المنطقة الصناعية القديمة.
بصيت للصورة.
كان نفس المكان اللي اتكلمت عنه سلمى.
لكن المفاجأة كانت في أسفل الصورة.
اسم مالك المخزن:
والد محمود.
قلت:
«إزاي؟»
قال القائد:
«وده سبب إننا لازم ندخل المخزن.»
—
وصلنا للمكان بعد منتصف الليل.
المخزن كان مهجورًا من الخارج.
باب حديد قديم.
نوافذ مكسورة.
ولا توجد أي علامة تدل إن حد بيستخدمه.
لكن أول ما قربنا…
لاحظت حاجة.
قفل الباب كان جديد.
قلت:
«المكان مش مهجور.»
واحد من الفريق فحص القفل.
وقال:
«اتفتح واتقفل قريب.»
دخلنا.
الغبار كان في كل مكان.
لكن في جزء واحد من الأرض…
ماكانش عليه تراب.
كانت فيه آثار أقدام حديثة.
مشينا وراها لحد نهاية المخزن.
هناك لقينا بابًا صغيرًا مخفيًا خلف مجموعة صناديق.
فتحناه.
كان فيه درج حجري نازل لتحت.
نزلنا.
وفي آخر الدرج، وجدنا غرفة صغيرة.
الغرفة كانت شبه أرشيف.
ملفات.
صناديق.
أجهزة قديمة.
وفوق مكتب خشبي…
كان فيه ظرف عليه اسمي.
نورا حسن.
إيدي اتجمدت.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
كان مكتوب فيها:
«لو وصلتي للرسالة دي، يبقى هما فشلوا في إخفاء الحقيقة.»
بصيت للقائد.
ثم كملت القراءة.
«أخطر شيء مش موجود في الملفات… أخطر شيء موجود في الشخص اللي مازال عايش.»
وقفت.
«مين؟»
لكن قبل ما حد يرد…
سمعنا صوت باب المخزن الرئيسي بيتقفل.
ثم صوت خطوات.
حد دخل.
أطفأنا الأنوار فورًا.
وقفنا في الظلام.
الخطوات قربت.
واحد…
اتنين…
تلاتة…
وبعدين توقف الصوت أمام الباب.
جاء صوت رجل:
«كنت عارف إنك هترجعي يا نورا.»
عرفت الصوت فورًا.
نفس الرجل الموجود في تسجيل سلمى.
رفع القائد إيده، وأشار لنا بالهدوء.
الرجل أكمل:
«كان ممكن كل ده يخلص من غير ما بنتك تتأذى.»
قبضت إيدي.
لكنه قال جملة جعلتني أتجمد:
«لكن أختي داليا ومنى استعجلوا.»
أخته؟
يعني الرجل ده قريب من عائلة محمود.
فتح الباب ببطء.
دخل إلى الغرفة.
ولما ظهر وجهه في ضوء الهاتف…
عرفته.
كان سامح.
شقيق محمود الأصغر.
الرجل اللي اختفى من حياة العائلة قبل سنوات.
قال وهو ينظر لي:
«أخيرًا رجعتي.»
خرجت من الظلام.
«إنت اللي كنت بتحركهم؟»
ابتسم.
«أنا بس كنت بوجههم.»
قلت:
«ليه سلمى؟»
تغيرت ملامحه.
«لأنها كانت أسهل طريقة أخليكي ترجعي.»
صرخت:
«إنت كنت عايز إيه مني؟!»
رد بهدوء:
«المفتاح.»
قلت:
«أي مفتاح؟»
ابتسم.
«المفتاح اللي إنتِ نفسك مش فاكرة إنك كنتِ شايله من سبع سنين.»
سكتُّ.
ثم قال:
«المفتاح اللي يفتح الصندوق اللي فيه الحقيقة كلها.»
وفجأة…
وصل صوت صفارات من خارج المخزن.
سامح ابتسم.
«اتأخرتي يا نورا.»
بصيت للقائد.
قال بهدوء:
«محدش يتحرك.»
لكن سامح رفع يده، وفي إيده شيء صغير.
جهاز تسجيل.
وضغط زر التشغيل.
خرج صوت سلمى من التسجيل:
«ماما… أنا خايفة…»
وبعدها صوت آخر:
«لو حصل لي حاجة، هتلاقي المفتاح في المكان اللي بدأت منه الحكاية.»
نظرت إلى سامح.
ثم إلى القائد.
وفجأة فهمت.
المفتاح لم يكن في المخزن أصلًا.
كان في مكان آخر.
مكان أعرفه جيدًا.
بيتي القديم.
رجعت لبيتي القديم قبل الفجر، وأنا حاسة إن كل خطوة بقرب بيها من الحقيقة ممكن تغيّر حياتي للأبد.
كان البيت مقفول من سنين.
المكان اللي عشت فيه مع محمود قبل ما كل حاجة بينا تنهار.
دخلت وأنا شايلة في دماغي آخر جملة قالها سامح:
«المفتاح في المكان اللي بدأت منه الحكاية.»
بدأت أدور في كل ركن.
الأدراج.
المكتبة.
غرفة النوم.
حتى المطبخ.
ولا حاجة.
لحد ما دخلت غرفة سلمى القديمة.
كانت لسه محتفظة برسوماتها وألعابها.
وقفت قدام مكتب صغير كانت بتذاكر عليه وهي طفلة.
وفجأة افتكرت حاجة.
من سبع سنين، قبل ما أسافر، كنت بخبي مستندات مهمة في درج سري داخل المكتب.
مديت إيدي تحت الخشب.
ضغطت على جزء صغير.
طَق.
فتح تجويف مخفي.
جواه صندوق معدني صغير.
لكن الصندوق ماكانش مقفول.
كان مفتوح.
وجواه…
المفتاح.
ومعه صورة قديمة.
أمسكت الصورة.
كانت ليا أنا ومحمود وسامح.
لكن في خلفية الصورة كان واقف شخص رابع.
رجل كنت أعرفه.
رجل ظننته مات من سنوات.
رفعت الصورة أمام القائد.
وقلت:
«ده هو.»
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
«إنتِ متأكدة؟»
«مستحيل أنساه.»
كان اسمه عادل منصور.
المسؤول السابق عن الملف اللي اختفى منذ سبع سنوات.
الرجل اللي قيل لنا وقتها إنه توفي في حادث.
لكن الصورة أثبتت شيئًا آخر.
عادل كان حيًا.
والأخطر…
إنه كان يعرف عائلة محمود.
—
وصلتني رسالة في نفس اللحظة.
رقم مجهول.
«لو عايزة تعرفي مين خانك من البداية، روحي للمكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة.»
عرفت المكان فورًا.
المقهى القديم اللي قابلت فيه محمود قبل زواجنا.
ذهبت هناك مع الفريق.
وكان عادل ينتظرني.
وقف بهدوء وقال:
«كنت عارف إنك هتوصلي.»
قلت:
«إنت مين بالضبط؟»
ابتسم.
«أنا الشخص اللي حاول يحذرك من سبع سنين.»
صرخت:
«وبعدين اختفيت!»
«لأن اختفائي كان الطريقة الوحيدة عشان أفضل عايش.»
ثم وضع أمامي ملفًا.
«اقري.»
فتحته.
كانت هناك مستندات تثبت أن محمود وسامح لم يكونوا مجرد أفراد في القضية.
كانوا جزءًا من شبكة أكبر.
لكن المفاجأة كانت في آخر صفحة.
كان فيها اسمي.
وتوقيعي.
وتحت التوقيع عبارة:
“الشخص الوحيد الذي يملك النسخة الأصلية من البيانات.”
نظرت إليه.
«أنا؟»
قال:
«أيوه.»
ثم أضاف:
«إنتِ من سبع سنين أخدتِ النسخة الأصلية من غير ما تعرفي قيمتها.»
قلت:
«فين النسخة؟»
ابتسم.
«في المكان اللي عمرك ما فكرتي تدوري فيه.»
قبل ما أسأله…
رن هاتفي.
المستشفى.
رديت بسرعة.
«ألو؟»
جاء صوت الممرضة:
«مدام نورا… لازم ترجعي فورًا.»
قلبي وقع.
«سلمى حصلها إيه؟»
قالت:
«هي اختفت من غرفتها.»
اتجمدت.
«إيه؟!»
«الممرضة اللي كانت معاها لقت الغرفة فاضية… والكاميرات توقفت لمدة سبع دقائق.»
قفلت المكالمة.
وبصيت لعادل.
قال:
«هم أخدوها.»
صرخت:
«مين؟!»
رد:
«الناس اللي كانوا خايفين من الحقيقة تظهر.»
ركبت العربية فورًا.
وفي الطريق وصلني تسجيل صوتي من هاتف سلمى.
صوتها كان ضعيفًا:
«ماما… لو سمعتي الرسالة دي، ماتخافيش.»
ثم سكتت لحظة.
«أنا عرفت هما عايزين إيه.»
بدأ صوتها يرتجف.
«هما مش عايزينك إنتِ.»
سكتت.
ثم قالت:
«هما عايزين الحاجة اللي بابا خبّاها في لعبتي.»
فتحت عيني على آخرها.
لعبتها؟
وصلنا البيت.
دخلت غرفة سلمى.
بدأت أبحث بين ألعابها.
لحد ما لقيت دبدوب قديم كانت بتحبه جدًا.
فتحت الجزء الداخلي منه.
وفي داخله…
كانت هناك وحدة تخزين صغيرة.
أمسكتها.
وفي اللحظة نفسها، وصلني اتصال من قائدي.
قال:
«نورا، ما تفتحيش الوحدة دي.»
سألته:
«ليه؟»
قال:
«لأننا اكتشفنا إن الملف الموجود عليها مش مجرد دليل.»
سكت لحظة.
ثم قال:
«ده ملف بأسماء كل الأشخاص اللي شاركوا في العملية من سبع سنين… وفيه اسم واحد محدش كان متوقعه.»
قلت:
«مين؟»
جاء صوته:
«محمود… مش مجرد زوجك السابق.»
ثم انقطع الاتصال.
وفي نفس اللحظة…
وصلتني رسالة جديدة.
«لو عايزة بنتك ترجع، تعالي لوحدك للمخزن القديم.»
نظرت إلى الوحدة الصغيرة في يدي.
ثم إلى صورة سلمى على المكتب.
كنت أمام أصعب قرار في حياتي.
لكنهم ارتكبوا خطأ واحدًا.
أخذوا ابنتي ظنًا منهم إنهم يقدروا يهددوني بها.
وهم ماكانوش يعرفوا إن الفريق كله كان بالفعل في الطريق.
واللي ماكانوش يعرفوه كمان…
إن سلمى قبل ما تختفي، كانت قد أرسلت نسخة من التسجيل إلى شخص آخر.
شخص واحد فقط كان قادرًا على كشف الحقيقة كلها.
المحامي الذي كتب عقد زواجي من محمود قبل ثماني سنوات.
أكيد، نكمل قبل الأخير من لحظة وصول نورا للمخزن، مع كشف الحقيقة الأكبر قبل النهاية.
وصلت للمخزن القديم وأنا لوحدي ظاهريًا.
لكن الحقيقة إن الفريق كان متابع كل خطوة من بعيد.
كنت ماسكة وحدة التخزين في إيدي، وعقلي مشغول بحاجة واحدة:
سلمى.
دخلت من الباب الحديدي.
كان المكان هادي بشكل غريب.
ناديت:
«سلمى!»
مفيش رد.
خطوتين لقدام…
وفجأة اشتغلت الأنوار.
كان محمود واقف في آخر القاعة.
جنبه سامح.
وداليا ومنى واقفين وراهم.
أما سلمى…
فكانت قاعدة على كرسي في الجانب الآخر، وواحد من الرجال واقف قريب منها.
أول ما شافتني، صرخت:
«ماما!»
رفعت إيدي عشان أطمنها.
«أنا هنا يا حبيبتي.»
محمود قال:
«حطي الوحدة على الأرض.»
بصيت له.
«ابعدوا عن بنتي الأول.»
ضحك بسخرية.
«لسه بتتفاوضي؟»
قلت:
«أنا مش بتفاوض.»
ثم نظرت له مباشرة:
«أنا بحذرك.»
اختفت الابتسامة من وشه.
«إنتِ لسه فاكرة نفسك أقوى مننا؟»
رديت بهدوء:
«أنا مش محتاجة أكون أقوى منكم.»
وسكت لحظة.
«أنا بس محتاجة أخليكم تتكلموا.»
سامح اتوتر.
لكن محمود قال:
«مش فاهم.»
ابتسمت.
«التسجيل شغال من أول ما دخلت.»
اتغيرت ملامحهم جميعًا.
قلت:
«كل كلمة هتتقال هنا هتوصل للجهات المختصة.»
صرخت منى:
«دي بتكدب!»
بصيت لها.
«إنتِ متأكدة؟»
ثم أخرجت هاتفي.
«تحبي أسمعك التسجيل اللي سلمى عملته؟»
سكتت.
محمود قرب خطوة.
«نورا، إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل.»
قلت:
«لأ، أنا فهمت.»
ثم أخرجت الصورة القديمة.
«عادل منصور عايش.»
وجه محمود تغير فورًا.
وهنا عرفت إنني لمست النقطة الصحيحة.
قلت:
«وهو اللي كشف كل حاجة.»
سامح قال بغضب:
«عادل خاننا.»
ضحكت بسخرية.
«شكرًا.»
سكت.
ثم أدرك خطأه.
«إنتِ كنتِ بتستدرجني.»
«بالضبط.»
في اللحظة دي، بدأت داليا تبكي.
وقالت:
«محمود، قول لهم الحقيقة.»




