عام

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

وجدت نادية في غرفة الضيوف.

قلت لها:

— إنتِ كنتِ بتاخدي فلوس من مؤسسة مراتى؟

وجهها تغير.

— كنت مضطرة.

— ليه؟

سكتت.

قلت:

— نادية، أنا مش بتهمك. أنا عايز الحقيقة.

دمعت عينيها وقالت:

— مراتك هي اللي طلبت مني أقبل الفلوس.

— ليه؟

— عشان أربي آدم بعيد عنك.

وقفت مكاني.

— بعيد عني؟

قالت:

— هي كانت خايفة إن حد يستخدمه ضدك.

ثم بدأت تحكي.

بعد وفاة زوجتي، ياسر حاول يوصل لآدم.

لم يكن يريد قتله.

كان يريد شيئًا أخطر.

كان يريد إثبات أن آدم ليس ابنك.

لأن لو ثبت ذلك، كان من الممكن الطعن في أوراق الميراث التي تركتها زوجتي.

قلت:

— إيه علاقة آدم بالميراث؟

نادية ردت:

— مراتك كانت بتجهز حاجة قبل وفاتها.

أخرجت ملفًا صغيرًا.

— ده جزء من أوراقها.

فتحته.

وجدت نسخة من وصية.

وفيها بند واضح:

“جميع أسهمي وحصتي في الشركات تؤول إلى ابني آدم، على أن يدير والده أصوله حتى بلوغه السن القانوني.”

رفعت عيني.

— يعني آدم هو الوريث؟

— أيوه.

فهمت.

لو آدم اختفى…

أو لو ثبت إنني لست والده…

كان كل شيء ممكن يتغير.

لكن كان هناك سؤال أخير.

— طيب ياسر كان عايز إيه من كل ده؟

نادية قالت:

— السيطرة على الشركة.

— بس هو بالفعل كان بيدير نصها.

هزت رأسها.

— كان عايز النص كله.

في اللحظة دي، دخل المحامي بسرعة.

كان ماسك هاتفه.

— لازم تشوف ده.

أخذت الهاتف.

كان فيه خبر عن الشركة.

“استقالة مفاجئة للمدير التنفيذي ياسر المنشاوي بعد اتهامات مالية.”

قلت:

— مين سرب الخبر؟

قال:

— مش إحنا.

وفي نفس اللحظة، وصلني إيميل مجهول.

فتحته.

كان فيه ملف فيديو.

ضغطت تشغيل.

ظهر ياسر أمام الكاميرا.

لكن الفيديو لم يكن جديدًا.

كان واضحًا إنه مسجل قبل ساعات.

قال:

— لو الفيديو ده وصلك، يبقى أنت عرفت جزء من الحقيقة.

ثم اقترب من الكاميرا.

— لكن لسه ما عرفت أهم حاجة.

سكت لحظة.

ثم قال:

— مراتك ما ماتتش بسبب حادث.

تجمدت.

— وأنا مش الشخص اللي تسبب في موتها.

ثم أضاف:

— اللي أمر بالحادث شخص أنت تعرفه كويس جدًا.

انتهى الفيديو.

فضلت واقفًا في صمت.

ثم رن جرس الباب.

سلمى راحت تفتح.

بعد لحظات رجعت وهي ماسكة ظرف أبيض.

قالت:

— ده وصل حالًا.

أخذته.

فتحت الظرف.

وجدت صورة قديمة جدًا.

صورة تجمعني أنا وزوجتي…

ومعنا شخص ثالث.

شخص كنت أعتقد أنه مات من عشر سنوات.

قلبت الصورة.

وفي الخلف كانت هناك جملة بخط زوجتي:

“لو وصلت للصورة دي، يبقى الشخص اللي دمر حياتنا رجع.”

رفعت عيني ببطء.

لأنني عرفت صاحب الصورة.

وكانت المفاجأة التي لم أكن مستعدًا لها:

الرجل الثالث كان والدي.
فضلت واقف قدام الصورة، مش قادر أصدق اللي شايفه.

والدي.

الرجل اللي اتقال لي إنه مات من عشر سنين.

الرجل اللي حضرت جنازته بنفسي.

الرجل اللي دفنته بإيدي…

كان واقف في الصورة جنب مراتي.

والمشكلة الأكبر إن الصورة كانت متصورة قبل وفاته بشهور قليلة.

بصيت للمحامي وقلت:

— عايز أتأكد من حاجة.

— إيه؟

— شهادة وفاة والدي.

بعد أقل من ساعة، كانت قدامنا.

المحامي فضل يقارن البيانات.

ثم قال:

— في حاجة غريبة.

— إيه؟

— شهادة الوفاة سليمة من ناحية البيانات، لكن توقيع الطبيب مختلف عن باقي توقيعاته المسجلة.

سألته:

— يعني إيه؟

قال:

— ممكن يكون فيه تزوير.

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

اتصلت بنادية.

— إنتِ كنتِ تعرفي إن والدي عايش؟

وشها اصفر.

سكتت.

قلت:

— نادية، بصي في عيني وقولي الحقيقة.

قالت بصوت منخفض:

— مراتك كانت تعرف.

— وإنتِ؟

— عرفت بعدها.

— فين هو؟

هزت رأسها.

— مش عارفة.

لكن قبل ما تكمل، رن هاتفها.

نظرت للشاشة، وفجأة تغيرت ملامحها.

— مين؟

ما ردتش.

مددت إيدي وأخذت الهاتف.

الرقم كان بدون اسم.

فتحت الرسالة.

كانت جملة واحدة:

“اتأخرتوا أوي.”

وبعدها مباشرة وصلت صورة.

صورة حديثة لوالدي.

كان واقفًا أمام مكان أعرفه جيدًا.

مقابر العائلة.

قلت:

— مستحيل.

خرجت من البيت فورًا.

وصلت للمقابر، ووجدت البوابة مفتوحة.

دخلت وحدي.

مشيت لحد مدفن والدي.

وهناك…

لقيت رجل واقف قدام القبر.

شعره أبيض.

ظهره منحني قليلًا.

لكن حتى من بعيد عرفت المشية.

وقفت مكاني.

قلت:

— بابا؟

الرجل استدار ببطء.

وكان هو.

والدي.

حي.

بعد عشر سنين من الجنازة.

قال بهدوء:

— كنت عارف إنك هتوصل لي.

قربت منه وأنا غاضب ومذهول.

— إنت عايش؟!

— أيوه.

— ليه عملت كل ده؟

بص للقبر.

ثم قال:

— لأن موتي كان الطريقة الوحيدة عشان أنقذكم.

— أنقذنا من مين؟

رفع عيني لي.

— من الشخص اللي كنت فاكره أقرب واحد ليك.

قلت:

— ياسر؟

هز رأسه.

— ياسر كان مجرد أداة.

تجمدت.

— أداة لمين؟

قال:

— لمراتك.

لم أفهم.

— مراتي؟

— أيوه.

ثم أخرج ملفًا قديمًا من معطفه.

— مراتك اكتشفت الحقيقة قبلك بسنين.

فتح الملف أمامي.

كان يحتوي على صور وتحويلات وأسماء.

وفي آخر صفحة…

كان هناك عقد شراكة قديم.

بين والدي…

وبين والد ياسر.

بدأت أفهم الصورة.

السرقة لم تبدأ مع ياسر.

كانت أقدم من ذلك بكثير.

لكن والدي قال:

— أنا حاولت أخرج من اللعبة.

— وإيه اللي حصل؟

— هم ما سابونيش.

ثم نظر إلي بحزن.

— ومراتك حاولت تعمل نفس الشيء.

سألته:

— مين “هم”؟

قبل أن يجيب، سمعنا صوت سيارة تقترب.

والدي أغلق الملف بسرعة.

— لازم تمشي.

— لأ! مش همشي قبل ما أعرف الحقيقة!

قال:

— الحقيقة موجودة في المكان اللي بدأت منه كل حاجة.

— فين؟

أشار إلى المقبرة.

— تحت قبر والدتك.

تجمدت.

— أمي؟

— مراتك أخفت هناك آخر دليل.

ثم أعطاني مفتاحًا صغيرًا.

— لما تلاقيه، هتفهم ليه كان لازم أموت على الورق.

نظرت إلى المفتاح.

كان محفورًا عليه رقم:

27.

وفجأة توقفت السيارة أمام المقابر.

نزل منها رجلان.

والدي أمسك بذراعي.

— امشِ من الباب الخلفي.

— وإنت؟

ابتسم.

— أنا قضيت عشر سنين مستخبي.

ثم قال:

— دلوقتي دورك تعرف مين كان بيحرك كل حاجة.

ركضت نحو الباب الخلفي.

لكن قبل ما أخرج، سمعت صوت أحد الرجلين وهو بيصرخ:

— الراجل العجوز هنا! دوروا عليه!

خرجت وأنا ماسك المفتاح.

ولأول مرة، أدركت أن القضية كلها لم تكن عن سرقة أموال.

ولا حتى عن موت زوجتي.

كانت عن سر قديم بدأ قبل زواجي بسنوات… وسر لو ظهر، ممكن يغير اسم صاحب أكبر جزء من إمبراطوريتي للأبد.
رجعت البيت قبل الفجر، وأنا حاسس إن كل حاجة عرفتها في حياتي كانت مجرد جزء من كذبة كبيرة.

حطيت المفتاح رقم 27 قدامي.

فضلت أبص له دقائق.

وبعدين افتكرت كلام والدي:

“الحقيقة موجودة تحت قبر والدتك.”

في الصباح، أخدت المحامي ونادية وروحنا المقابر.

وقفنا قدام قبر أمي.

فتحت الباب الحديدي الصغير الموجود أسفل القبر باستخدام المفتاح.

المكان كان مليان تراب وصناديق قديمة.

وبعد بحث طويل، لقيت صندوق معدني صغير.

فتحته.

جواه فلاشة، ومجموعة أوراق، وصورة لمراتي.

وعلى الصورة مكتوب:

“لما يلاقي آدم الحقيقة، سلّمه ده.”

إيدي ارتعشت.

شغلت الفلاشة على اللابتوب.

ظهر تسجيل لمراتي.

كانت بتتكلم للكاميرا، ووشها واضح عليه الخوف.

قالت:

— لو إنت بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا ماقدرتش أحميك من الحقيقة.

سكتت لحظة.

— أنا اكتشفت إن الأموال اللي كانت بتختفي من شركتك مش مجرد سرقة. كان فيه حسابات بتستخدم اسم شركتك لتمويل عمليات وتحويلات سرية.

ثم قالت:

— والدك حاول يوقفهم.

اتصدمت.

— لكنهم أجبروا والدك يختفي، وخلّوا الكل يصدق إنه مات.

ثم ظهرت دموع في عينيها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى