روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

وسكت فجأة.

سالي اقتربت منه بقلق.

«أحمد، مالك؟ إنت تعرف الدبوس ده؟»

لكنه ما ردش عليها.

كان لسه بيبص للدبوس، وكأنه شاف شبحًا من الماضي رجع يقف قدامه.

وبعد لحظات، رفع عينيه ناحية الأطفال الأربعة، وبدأ يتأمل ملامحهم واحدًا واحدًا.

نظراته توقفت عند آدم، ثم انتقلت إلى عمر، وبعدها ياسين ومروان.

وفجأة، قال جملة خلت كل الموجودين يسكتوا:

«ليلى… أنا محتاج أتكلم معاكي لوحدنا. دلوقتي حالًا.»

لكن قبل ما أقدر أرد، ظهر صوت والدته من خلفنا:

«أحمد، قبل ما تاخد ليلى لأي مكان، فيه حاجة لازم تعرفها عن الأطفال دول.»

التفت أحمد إليها ببطء.

كانت نادية واقفة وملامحها متغيرة، وفي إيدها صندوق خشبي صغير.

صندوق قديم ما شفتوش من قبل، لكنه كان واضحًا إنه اتفتح للتو.

بصت لي، ثم بصت لابنها، وقالت:

«أنا لقيت الصندوق ده في مكتب والدك قبل وفاته، وكان مكتوب عليه اسم ليلى.»

أحمد مد إيده ناحية الصندوق، لكن أمه سحبته بعيدًا عنه.

«لا يا أحمد. المرة دي مش هتقدر تمنع الحقيقة من إنها تظهر.»

وفي اللحظة اللي فتحت فيها نادية الصندوق، وشفت أول ورقة جواه، فهمت إن الدعوة دي ما كانتش مجرد محاولة للصلح… وإن فيه حد من العيلة كان عارف الحقيقة من سبع سنين، وسكت عنها لحد النهارده.

يتبع في الجزء الثالث…

الجزء الثالث: السر اللي خبّوه عني سبع سنين
وقفت نادية في منتصف الصالون، والصندوق الخشبي القديم بين إيديها، بينما كان أحمد بيبص لها بذهول واضح.

قال بصوت حاد:

«ماما، إيه اللي في الصندوق ده؟ وإزاي عليه اسم ليلى؟»

نادية ما ردتش فورًا. فتحت الصندوق بهدوء، وأخرجت منه ظرفًا بنيًا قديمًا، كان مختومًا بختم رسمي، وتحته مجموعة أوراق وصورة فوتوغرافية باهتة.

وبعدين بصت لي وقالت:

«ليلى، أنا عارفة إنك اتوجعتي كتير بسبب اللي حصل بينك وبين أحمد. ويمكن أكون أنا كمان غلطت لما صدقت كلام ابني من غير ما أسمع منك. لكن أبو أحمد قبل ما يتوفى بأيام، طلب مني أحتفظ بالصندوق ده، وقال لي إن اليوم اللي هترجعي فيه البيت ده ومعاكي أولادك، لازم الحقيقة تظهر.»

حسيت إن رجلي مش قادرة تشيلني.

بصيت لها بصدمة وقلت:

«أولادي؟ هو كان يعرف إن عندي أولاد؟»

هزت رأسها ببطء.

«ما أعرفش كان يعرف كل التفاصيل ولا لأ، لكن كان متأكد إن فيه سر كبير اتدفن يوم طلاقكم.»

أحمد انتزع الظرف من إيد أمه، وبدأ يفتح الورق بعصبية.

«ده كلام مش منطقي! إيه علاقة أبويا بطلاقنا؟»

نادية بصت له بحزن.

«علاقة أكبر مما تتخيل يا أحمد.»

في اللحظة دي، سالي تدخلت، وكانت ملامحها بتكشف عن توتر واضح.

«أنا مش فاهمة حاجة. إيه حكاية الأطفال والدبوس والصندوق؟ وليه كل ده بيحصل في ليلة عيد الميلاد؟»

لكن محدش رد عليها.

لأن أحمد كان قد أخرج أول ورقة من الظرف، وبدأ يقرأها بصوت منخفض.

كانت ورقة طبية قديمة، عليها اسم مستشفى خاص، وتاريخ يرجع إلى الأيام الأخيرة من زواجنا.

وفجأة رفع رأسه ناحيتي.

«إنتِ كنتِ عارفة إن أبويا احتفظ بالتقرير ده؟»

هززت رأسي وأنا مش فاهمة.

«أنا أول مرة أشوفه في حياتي.»

قرب الورقة من عينيه، وبدأ يقرأ السطور مرة تانية، وكأنه مش قادر يصدق المكتوب.

وبعدين قال:

«التقرير ده بيقول إن…»

لكنه توقف، وبص ناحية أمه.

«مين اللي جاب التقرير ده؟»

نادية ردت بهدوء:

«أبوك طلب نسخة منه بعد ما عرف إنك بتتهم ليلى إنها السبب في عدم الإنجاب.»

أحمد اتراجع خطوة.

«بس أنا عملت الفحوصات وقتها، والدكتور قال إن مفيش مشكلة واضحة تمنعنا من الخلفة.»

قلت له وأنا بحاول أسيطر على صوتي:

«وده بالضبط اللي كنت بقوله لك طول الوقت. كنا محتاجين نكمل الفحوصات ونسمع رأي دكتور متخصص، لكن إنت كنت عايز إجابة سريعة، وكنت مصرّ إن المشكلة عندي.»

نزل أحمد عينيه للأرض.

لأول مرة من ساعة ما وصلت، ما حاولش يدافع عن نفسه.

لكن نادية أخرجت ورقة تانية من الصندوق، وقالت:

«التقرير ده ما كانش نهاية الموضوع. أبوك اكتشف إن فيه نتائج فحوصات ما وصلتش لك بشكل كامل.»

أحمد رفع رأسه بسرعة.

«يعني إيه ما وصلتش لي؟»

«يعني إن بعض المعلومات اللي كان المفروض تعرفها، ما اتشرحتش لك بالطريقة الصحيحة. وأبوك حاول يفهم إيه اللي حصل، لكنه ما قدرش يوصل لكل الإجابات قبل ما صحته تتدهور.»

سالي بصت لأحمد بقلق.

«إنت بتقول إن فيه حد خبّى عنك معلومات طبية؟»

أحمد ما ردش.

كان مركزًا مع الورقة اللي في إيده، وبدأت أصابعه ترتعش قليلًا.

أما أنا، فكنت بحاول أفهم إزاي موضوع كنت فاكرة إنه انتهى من سبع سنين، ممكن يرجع يفتح كل الجروح دي من جديد.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.

الدبوس المعدني الذي غيّر كل شيء
آدم، اللي كان واقف جنب إخوته ومش فاهم سبب التوتر، مد إيده ناحية أحمد مرة تانية.

«عمو، إنت لسه ما قلتليش الدبوس ده بتاع مين.»

أحمد نزل على ركبته قدام الطفل، وأخد الدبوس بحذر شديد.

قلبه بين أصابعه، ومرر إبهامه على الرقم المحفور في ظهره.

ثم أغلق عينيه للحظة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى