روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

«الدبوس ده كان بتاع والدي. كان جزءًا من مجموعة تذكارية قديمة، وكان محتفظًا بيه في مكتبه. اختفى في الفترة اللي قبل وفاته.»

نادية أومأت برأسها.

«أبوك كان بيدور عليه، وكان بيقول إن الدبوس ده مرتبط بأمانة لازم ترجع لصاحبها.»

بصيت للدبوس، وفجأة افتكرت حاجة قديمة.

قبل طلاقي بفترة قصيرة، كنت دخلت مكتب والد أحمد علشان أجيب ملفًا طلب مني أوصله له. وقتها شفت صندوقًا خشبيًا مفتوحًا فوق المكتب، وكان جواه دبوس مشابه جدًا للدبوس اللي في إيد أحمد دلوقتي.

لكن ما كنتش أعرف إن له أي أهمية.

قلت بهدوء:

«أنا شفت دبوسًا شبه ده في مكتب والدك زمان، لكن ما أعرفش إزاي وصل لابني.»

أحمد رفع عينيه ليا.

«إنتِ متأكدة إنك ما أخدتيش أي حاجة من المكتب؟»

السؤال جرحني أكتر مما توقعت.

بعد سبع سنين، وبعد كل اللي حصل، لسه جزء منه مستعد يشك فيَّ قبل ما يسمعني.

وقفت مستقيمة، وبصيت له مباشرة.

«إنت لسه فاكرني بالشكل ده يا أحمد؟ أنا ما أخدتش منك ولا من عيلتك أي حاجة غير حقي في إني أعيش بكرامتي.»

سكت أحمد فورًا.

نادية قربت مني وقالت:

«أنا مصدقاكي يا ليلى.»

وبعدين التفتت لابنها.

«كفاية اتهامات. لو عايز تعرف الحقيقة، لازم تسمع للآخر.»

أخرجت نادية الصورة الفوتوغرافية من الصندوق.

كانت صورة قديمة لوالد أحمد واقفًا بجوار شاب أنيق يرتدي ملابس رسمية، وخلفهما سيارة قديمة.

على ظهر الصورة، كانت هناك عبارة مكتوبة بخط اليد:

«إلى الشخص الذي سيعرف يومًا أن الحقيقة لا تضيع، حتى لو تأخرت سبع سنوات.»

أحمد قرأ العبارة، ثم نظر إلى أمه.

«هو كان يقصد إيه بالكلام ده؟»

نادية وضعت الصورة على الطاولة، وأخرجت ظرفًا أبيض صغيرًا كان مخبأً تحت الأوراق.

«الجواب هنا.»

لكن قبل ما تمد الظرف لأحمد، رن جرس الباب.

دخل أحد أقارب العائلة، وكان يحمل ملفًا رسميًا، وقال إنه وصل لتوه من مكتب المحامي الذي كان يتولى بعض شؤون والد أحمد قبل وفاته.

قال الرجل:

«مدام نادية، المحامي طلب مني أسلم الملف ده للسيد أحمد شخصيًا، وقال إن فتحه لازم يكون بحضور ليلى.»

أحمد أخذ الملف، وقرأ اسمي المكتوب عليه.

ثم نظر إليَّ بارتباك.

«ليه المحامي عايزك تكوني موجودة؟»

لم أجب.

لأنني، مثله تمامًا، لم أكن أعرف.

فتح أحمد الملف، فوجد في داخله رسالة مختومة، ومستندًا يحمل توقيع والده، وورقة أخيرة كُتب في أعلاها بخط واضح:

«إلى أحمد الشناوي: قبل أن تحكم على ليلى، اعرف أولًا الحقيقة التي لم يخبرك بها أحد.»

تغير وجه أحمد مرة أخرى.

أما نادية، فجلست على أقرب مقعد وقالت بصوت حزين:

«يا ابني، أبوك حاول يصلح اللي حصل قبل ما يموت. لكنه كان خايف إن الحقيقة لو ظهرت بالطريقة الغلط، تدمّر حياتك وحياة ليلى.»

ثم نظرت إليَّ وأضافت:

«والنهارده، بعد ما شفت أولادك الأربعة، ما بقاش فيه أي مبرر إننا نفضل ساكتين.»

اتسعت عينا أحمد.

«أولادي؟ ماما، إنتِ تقصدي إيه؟»

ساد الصمت في الصالون.

الأطفال الأربعة كانوا واقفين قريبًا مني، وآدم يمسك بيد مروان، بينما عمر وياسين يتبادلان النظرات بقلق.

وضعت ذراعي حولهم وقلت:

«الأولاد دول مسؤوليتي، ومش هسمح لأي حد يجرحهم بسبب خلافات حصلت قبل ما يتولدوا.»

أحمد بص لي طويلًا، ثم نظر إلى الأطفال مرة أخرى.

ولأول مرة، لم تكن نظرته مجرد فضول.

كان فيها خوف من احتمال لم يجرؤ حتى على التفكير فيه.

رفع المستند الأخير من الملف وبدأ يقرأ.

وبعد ثوانٍ، همس بكلمات بالكاد سمعناها:

«لا… ده مستحيل.»

ثم رفع عينيه ناحيتي وسألني بصوت مبحوح:

«ليلى… الأطفال دول اتولدوا إمتى بالضبط؟»

نظرت إليه دون أن أجيب فورًا.

كان يعرف أن الإجابة قد تغيّر كل ما يعتقد أنه يعرفه عن ماضيه.

لكنني لم أكن أعلم أن المستند الذي بين يديه سيكشف عن مفاجأة أكبر من مجرد تاريخ ميلاد أطفالي الأربعة.

يتبع في الجزء الرابع…

يتبع في الجزء الرابع…

الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي قلبت حياة السيد أحمد الشناوي رأسًا على عقب
وقفت قدام أحمد وأنا حاسة إن السنين السبعة اللي فاتت رجعت كلها في لحظة واحدة.

كان ماسك المستند بإيد مرتعشة، وعينيه بتتنقل بين تاريخ ميلاد أولادي وبين الورقة الطبية القديمة اللي أخرجتها والدته من الصندوق.

كرر سؤاله بصوت مبحوح:

«ليلى، الأولاد دول اتولدوا إمتى؟»

بصيت له بثبات وقلت:

«من ست سنين يا أحمد. الأربعة اتولدوا في نفس اليوم.»

سند إيده على طرف الطاولة، وكأنه بيحاول يستوعب الإجابة.

وبعدين رفع عينيه ناحيتي وسأل:

«يعني إنتِ كنتِ حامل بعد طلاقنا بفترة قصيرة؟»

هززت رأسي.

«أيوه. بعد ما انفصلنا، اكتشفت إني حامل. وقتها كنت لوحدي، ومكنتش عارفة أعمل إيه. حاولت أتواصل معاك، لكنك كنت مسافر في مهمة عمل طويلة، وكل محاولاتي إني أوصل لك ما نجحتش.»

اتسعت عيناه.

«إنتِ حاولتي تتواصلي معايا؟ أنا ما وصلنيش منك أي خبر!»

ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها كانت مليانة وجع.

«وأنا كمان كنت فاكرة إنك لو عرفت إنك هتبقى أب، كنت هتحاول تتواصل معايا. لكن الحقيقة إن كل رسالة بعتها لك كانت بترجع من غير رد، وكل محاولة كنت بعملها كانت بتنتهي بالفشل.»

تدخلت نادية وهي بتبص لابنها بحزن.

«أبوك اكتشف بعد فترة إن فيه مراسلات تخص ليلى ما وصلتش لك. حاول يعرف مين المسؤول، لكن الموضوع كان أعقد مما توقع.»

أحمد بص لأمه بصدمة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى