
«أنا عارف كويس. وعشان كده طلبت منه ييجي النهارده.»
وفي اللحظة دي، باب القاعة اتفتح، ودخل راجل غريب شايل حقيبة جلدية سوداء، ولما شاف أبويا، قال جملة واحدة خلت أبويا يرجع خطوتين لورا…
يتبع في الجزء الثالث.
### الجزء الثالث: الراجل اللي دخل الفرح ومعاه السر اللي ممكن يدمّر العيلة
باب القاعة اتفتح، والراجل الغريب دخل بخطوات ثابتة، وهو شايل حقيبة جلدية سودا في إيده.
كان في أواخر الخمسينات من عمره، لابس بدلة رمادي غامق، وملامحه هادية، لكن نظرته كانت حادة بشكل يخليك تحس إنه جاي يقول كلام تقيل.
وقف في نص القاعة، وبص لأبويا مباشرة، وقال:
«مساء الخير يا أستاذ كمال. أتمنى تكون جاهز تشرح اللي حصل في الحسابات.»
أبويا رجع خطوتين لورا، وكأنه شاف شبح قدامه.
أما أمي، فحطت إيدها على صدرها وهمست:
«يا نهار أبيض… إنت جبت الراجل ده منين يا محمود؟»
جدي ما ردش عليها. أشار للراجل إنه يتفضل يقعد، وبعدين بص للضيوف وقال:
«أعتذر لكم عن الموقف، لكن الموضوع أكبر من مجرد خلاف عائلي. الراجل ده اسمه الأستاذ سامح، وهو محاسب قانوني مستقل، وراجع المستندات اللي تخص الأموال اللي اتخصصت لمستقبل أحفادي.»
أبويا حاول يستعيد هدوءه وقال:
«وأنا بقى من حقي أعرف مين سمح له يراجع حساباتي الخاصة!»
الأستاذ سامح فتح حقيبته بهدوء، وطلع ملف كبير مليان مستندات.
«إحنا مش بنتكلم عن حساباتك الخاصة وحدها يا أستاذ كمال. إحنا بنتكلم عن تحويلات مرتبطة بأموال مخصصة لأغراض محددة، وفيه مستندات بتوضح إن جزءًا منها اتنقل لحسابات تانية محتاجة تفسير.»
أبويا رفع صوته:
«كل ده كلام فاضي! أنا ما أخدتش جنيه واحد لنفسي!»
جدي ضرب بعصاه على الأرض وقال:
«طيب، يبقى مفيش داعي للخوف. خلّي المستندات تتراجع، والحقيقة هتظهر.»
في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة حواليا بتتحرك بسرعة.
كنت واقفة جنب يوسف، ومش عارفة أبص لمين. جزء مني كان عايز يسمع كل كلمة، وجزء تاني كان خايف يعرف الحقيقة كاملة.
يوسف قرب مني وهمس:
«لو حابة نخرج ونسيبهم يتكلموا، أنا معاكي.»
هزيت راسي وقلت:
«لأ. المرة دي مش همشي. أنا فضلت سنين بحاول أفهم ليه بيعاملوني كده، ومن حقي أعرف.»
سمعني جدي، فبص لي بفخر، وبعدها طلب من الأستاذ سامح يبدأ كلامه.
فتح الأستاذ سامح أول ملف، وقال:
«حسب المستندات اللي وصلتنا، كان فيه مبلغ مخصص لتعليم مريم، واتسحب على مراحل خلال فترة امتدت لأكتر من سنة. بعض التحويلات اتسجلت تحت بند مصروفات عائلية، لكن المستندات المتاحة ما بتثبتش إن المبالغ دي اتصرفت فعلًا على تعليمها.»
بصيت لأبويا وقلت:
«يعني الفلوس اللي كنت بسأل عنها من سنين كانت موجودة فعلًا؟»
أبويا سكت.
كررت سؤالي، المرة دي بصوت أعلى:
«يا بابا، أنا كنت بشتغل وأنا بدرس، وكنت بحرم نفسي من حاجات كتير عشان ما أطلبش منكم فلوس. إنت كنت عارف إن فيه فلوس متخصصة لتعليمي؟»
رفع عينيه لثواني، وبعدين قال:
«الموضوع مش بالبساطة دي يا مريم.»
ضحكت بمرارة.
«طبعًا مش بسيط. لأنك كنت بتقولي إن مفيش فلوس، وإن جدو مش قادر يساعدني، وإن لازم أعتمد على نفسي. وأنا صدقتك.»
أمي تدخلت بعصبية:
«كفاية تمثيل دور الضحية! إنتِ أخدتي تعليمك، واشتغلتي، واتجوزتي راجل كويس. عايزة إيه تاني؟»
بصيت لها، ولأول مرة ما حسيتش بالخوف من رد فعلها.
قلت:
«كنت عايزة أم تحبني زي ما بتحب بناتها التانيين. كنت عايزة أبويا يفرح بنجاحي بدل ما يقلل مني. وكنت عايزة أعرف ليه كنتوا دايمًا بتعاملوني كأني عبء عليكم.»
أمي فتحت بقها عشان ترد، لكن جدي سبقها.
«لأنكم كنتوا عايزينها تفضل ضعيفة قدامكم. لكن البنت اللي قدامكم دي هي اللي قدرت توصل لحاجات أنتم ما كنتوش متخيلين إنها هتوصل لها.»
الأستاذ سامح قلب صفحة في الملف، وقال:
«فيه نقطة تانية محتاجة توضيح. بعض التحويلات خرجت لحساب شركة كانت بتتعامل مع مؤسسة خيرية مرتبطة بالعيلة.»
الضيوف بدأوا يبصوا لبعض باستغراب.
المؤسسة الخيرية دي كانت مصدر فخر أمي وأبويا. كانوا بيعلنوا عن تبرعاتهم ومساعداتهم في كل مناسبة، وبيحرصوا إن الناس تشوف صورهم وهم بيساعدوا المحتاجين.
أمي قالت بسرعة:
«الشركة دي كانت بتقدم خدمات للمؤسسة. كل حاجة كانت قانونية.»
الأستاذ سامح رد:
«ممكن تكون فيه خدمات حقيقية، وده لازم يتحدد من خلال مراجعة كاملة. لكن بعض الفواتير اللي عندنا مش متطابقة مع البيانات المتاحة، وفيه مبالغ محتاجة مستندات إضافية.»
جدي بص لأبويا وقال:
«أنا مش هسمح إن اسم المؤسسة يتستخدم لإخفاء أي تصرف غلط. لو فيه خطأ، لازم يتصلح.»
أبويا بقى بيتنفس بسرعة، وبعدها لف ناحية أمي وقال بغضب:
«إنتِ اللي قلتي لي إن الموضوع مش هيظهر!»
الجملة خرجت منه من غير ما يفكر.
والقاعة كلها سمعتها.
أمي بصت له بصدمة، وقالت:
«إنت بتقول إيه يا كمال؟!»
أما أنا، فحسيت إن فيه حاجة أكبر لسه مستخبية.
مش مجرد فلوس تعليم اتسحبت، ولا تحويلات محتاجة مراجعة.
كان فيه اتفاق بينهم، وكل واحد فيهم بيحاول يبعد المسؤولية عن نفسه.
جدي طلب من الأستاذ سامح يطلع المستند الأخير.
الراجل فتح الملف، وطلع ورقة عليها توقيع.
وقال:
«قبل ما نكمل، فيه مستند لازم مريم تشوفه بنفسها. المستند ده مرتبط بالحساب اللي اتفتح باسمها، وفيه توقيع منسوب لشخص من العيلة.»
مد إيده بالورقة ناحيتي.
مسكتها وأنا حاسة إن قلبي بيدق بسرعة.
بصيت للتوقيع.
كان مكتوب عليه اسمي بالكامل.
لكن أنا ما وقعتش الورقة دي في حياتي.
رفعت عيني ناحية أبويا، فكان باصص للأرض.
وبعدين بصيت لأمي.
كانت واقفة مكانها، ووشها فقد لونه تمامًا.
همست:
«مين اللي وقّع باسمي؟»
محدش رد.
قربت الورقة من عيني، وبدأت أراجع التاريخ والمعلومات المكتوبة فيها. وبحكم شغلي، قدرت ألاحظ إن فيه تفاصيل ما كانتش منطقية، وإن المستند محتاج فحص متخصص قبل ما حد يقدر يجزم بحقيقته.
لكن قبل ما أتكلم، جدي مد إيده وأخد الورقة مني.
وقال بصوت حاسم:
«أنا مش هتهم حد من غير دليل. لكن اللي حصل لازم يتكشف، ومش هسمح إن مريم تتحمل نتيجة حاجة ما عملتهاش.»
وبعدين لف ناحية أمي، وسألها سؤالًا واحدًا:
«منى، ليه كنتِ مصممة تقنعي مريم إن أنا اتخليت عنها؟»
أمي بدأت تعيط.
مش عياط الغضب اللي كنت متعودة أشوفه منها، لكن عياط شخص حاسس إن سرًا قديمًا قرب يظهر.
قالت:
«أنا كنت بحاول أحمي العيلة!»
جدي رد بهدوء:
«من إيه؟ من الحقيقة؟»
أمي سكتت، وبعد لحظات رفعت عينيها ناحيتي وقالت:
«فيه حاجة إنتِ ما تعرفيهاش يا مريم. واللي حصل زمان ما كانش كله بسبب الفلوس.»
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
يوسف مسك إيدي بقوة، بينما أمي قربت مني خطوة وقالت:
«إنتِ فاكرة إن جدو كان بيبعت لك جوابات كل شهر، وإننا وقفناها عنك من غير سبب؟ الحقيقة إن فيه جواب واحد وصلنا منه، وكان مكتوب فيه كلام غيّر كل حاجة.»
بصيت لجدي.
ملامحه اتبدلت، وقال بصوت منخفض:
«أي جواب يا منى؟ أنا بعت لها عشرات الجوابات، ومفيش جواب فيهم كان فيه حاجة تبرر اللي عملتوه.»
أمي فتحت شنطتها بإيد مرتعشة، وطلعت منها ظرف قديم لونه أصفر، حوافه متآكلة من الزمن.
كان مكتوب عليه اسمي.
مريم كمال الشاذلي.
وفوق الاسم، كان فيه تاريخ يرجع لتسع سنين.
مدّت أمي الظرف ناحيتي وقالت:
«اقريه بنفسك، وبعدها احكمي علينا.»
لكن جدي اتحرك بسرعة، وأمسك الظرف قبل ما يوصل لإيدي.
بص للتاريخ، وبعدها بص لأمي بنظرة عمري ما شفتها في عينيه.
وقال:
«الجواب ده مستحيل يكون وصل لك… لأنني فاكر كويس جدًا أنا كتبت فيه إيه.»
وبعدين فتح الظرف، وقرأ أول سطر.
وفجأة، رفع عينيه ناحية أبويا وقال:
«إنت كمان كنت عارف؟!»
أبويا ما ردش.




