روايات وقصص

الجزء الثاني للاخير بقلم محمد عبده

كانت حركة صغيرة، لكنها لم تمر دون ملاحظة.
أبي تغير لون وجهه فورًا.
سأل الجنرال مرة أخرى:
«مين اللي بلغك؟»
قالت سلمى بصوت منخفض:
«المقدم شريف منصور، المسؤول عن متابعة الإجراءات في الإدارة المختصة.»
دوّن المساعد الاسم في مفكرته.
ثم طلب الجنرال منه التواصل مع الجهة المعنية والتحفظ على سجل المعاملات لحين انتهاء المراجعة.
في تلك اللحظة، حاولت أمي التدخل.
اقتربت منه بابتسامة متوترة وقالت:
«يا فندم، أكيد الموضوع كله سوء تفاهم. بنتي سلمى طول عمرها مجتهدة، ومش معقول بعد كل التعب ده يحصل لها موقف زي ده في يوم فرحتها.»
نظر إليها الجنرال باحترام رسمي، لكنه لم يتراجع عن موقفه.
«أنا لا أشكك في اجتهاد ابنتك يا مدام. لكن الاجتهاد وحده لا يعفي أي شخص من الالتزام بالإجراءات.»
ثم أضاف بوضوح:
«والتحقيق مش عقوبة. التحقيق وسيلة علشان نعرف الحقيقة، سواء كانت في صالحها أو ضدها.»
عادت أمي إلى مكانها، وقد اختفت ابتسامتها تمامًا.
أما سلمى، فكانت تنظر إليّ بنظرات لم أستطع تفسيرها. خليط من الخوف والغضب والشك.
وفجأة، قالت بصوت لم يسمعه سوى القريبين منا:
«إنتِ كنتِ عارفة إن ده هيحصل؟»
نظرت إليها باستغراب.
«قصدك إيه؟»
اقتربت مني أكثر وهمست:
«إنتِ اللي بلغتي عن الملف؟ إنتِ اللي حاولتي تبوظي ترقيتي؟»
تأملتها لثوانٍ.
ثم قلت:
«أنا راجعت الملف، ولما لقيت حاجة محتاجة مراجعة، سجلت الملاحظة في النظام الرسمي. ده شغلي يا سلمى.»
احمر وجهها.
«يعني كان لازم تعملي كده النهارده بالذات؟»
كدت أضحك من شدة المفارقة.
فهي لم تسأل نفسها لماذا ظهر التصريح في ذلك التوقيت، ولا لماذا احتاج الملف إلى مراجعة إضافية.
كل ما كان يشغلها أنني لم أختر الصمت حتى تمر المناسبة دون إزعاج.
قلت لها:
«أنا ما اخترتش توقيت الحفل، وما اخترتش توقيت إضافة المستند. أنا بس عملت شغلي.»
ثم ابتعدت عنها.
لكن قبل أن أتمكن من العودة إلى مكاني، رفع الجنرال يده طالبًا انتباه الحاضرين.
«فيه نقطة أخيرة لازم تتوضح قبل ما ننهي الكلام هنا.»
التفت الجميع إليه.
فتح الملف مرة أخرى، وأخرج منه نسخة من سجل المراجعة.
«البيانات بتوضح إن الملاحظة الأولى على الملف اتسجلت قبل إصدار التصريح الاستثنائي بساعات. وده معناه إن الجهة المسؤولة كان عندها بالفعل تنبيه بوجود نقطة غير محسومة.»
ثم توقف قليلًا.
«السؤال دلوقتي: ليه تم إصدار التصريح قبل إغلاق الملاحظة؟»
لم يجب أحد.
نظر الجنرال إلى مساعده، الذي كان يتفحص شاشة جهازه اللوحي.
وبعد لحظات، رفع المساعد رأسه وقال:
«يا فندم، وصلنا سجل التعديلات الأولي.»
مد الجهاز إلى الجنرال.
قرأ الجنرال البيانات، ثم ارتسمت على وجهه علامات جدية أكبر.
نظر إلى سلمى.
ثم إلى أبي.
وأخيرًا، التفت إليّ.
«آنسة نهى، محتاجين نتأكد من نقطة مهمة. هل سبق لأي شخص إنه طلب منك تعديل نتيجة المراجعة أو حذف الملاحظة المسجلة على الملف؟»
شعرت بانقباض خفيف في صدري.
لم يكن السؤال مفاجئًا بالنسبة إليّ، لكنني كنت أعرف أن الإجابة ستغير مسار هذه الليلة بالكامل.
نظرت إلى أبي، فوجدته يشيح بوجهه بعيدًا.
أما أمي، فكانت تحدق بي بقلق شديد، وكأنها بدأت تخشى ما قد أقوله أكثر مما تخشى نتيجة التحقيق نفسه.
أجبت الجنرال:
«أيوه يا فندم. حصل موقف مشابه من فترة، لكنني رفضت أغيّر أي بيانات من غير مستند رسمي.»
سألني:
«مين اللي طلب منك؟»
ترددت لثانية واحدة فقط.
ثم قلت الاسم.
«المقدم شريف منصور.»
تبادل الجنرال ومساعده نظرة سريعة.
وفجأة، أخرج الجنرال ورقة صغيرة من الملف، ووضعها أمامي.
«هل تعرفين المستند ده؟»
نظرت إلى الورقة.
كانت نسخة من طلب رسمي، وعليها توقيع إلكتروني ورقم معاملة أعرفه جيدًا.
لكن الشيء الذي جعل الدم يتجمد في عروقي لم يكن رقم المعاملة.
بل اسم الشخص الذي قدم الطلب.
محمود الشافعي… والدي!
رفعت عيني ببطء نحو أبي.
كان واقفًا بلا حراك، وقد اختفت كل علامات الغضب من وجهه، وحل محلها خوف لم أره عليه من قبل.
أما سلمى، فكانت تنظر إلى الورقة وكأنها تراها للمرة الأولى.
همست:
«بابا… إيه ده؟»
لم يجبها.
أعاد الجنرال وضع الورقة فوق الملف، ثم قال بنبرة حاسمة:
«واضح إن الموضوع أكبر من مجرد خطأ في إجراء إداري. وعلشان كده، مش هنقدر نكمل الاحتفال قبل ما نفهم طبيعة الطلب ده، وإيه علاقته بالتصريح اللي صدر الصبح.»
ثم التفت إلى أبي مباشرة.
«أستاذ محمود، من فضلك، محتاج أسمع تفسيرك.»
فتح أبي فمه، لكنه لم ينطق.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن السر الذي ظل مخفيًا خلف ابتسامات عائلتنا لسنوات ربما يكون على وشك الظهور أمام الجميع.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في وجود اسم أبي على المستند… بل في التاريخ المكتوب أسفل توقيعه، والذي كشف أن الطلب قُدِّم قبل موعد ترقية سلمى بأيام، وأن هناك شخصًا آخر من العائلة كان على علم بكل شيء!
يتبع في الجزء الثالث والأخير…

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى