روايات وقصص

الجزء الثاني للاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثالث والأخير: الحقيقة اللي كشفت سر العائلة وغيّرت كل شيء
ظل أبي واقفًا في منتصف القاعة، عاجزًا عن إخراج كلمة واحدة من فمه.
كانت كل العيون موجهة إليه، والورقة التي يحملها الجنرال أصبحت محور اهتمام أكثر من مئة شخص حضروا للاحتفال بترقية سلمى.
أما أمي، فاقتربت من أبي وهمست بارتباك:
«محمود, إيه اللي بيحصل؟ إنت قدمت طلب إيه من غير ما تقولنا؟»
لم ينظر إليها.
ظل يحدق في الورقة، ثم رفع رأسه أخيرًا وقال:
«أنا مش فاهم إيه المشكلة. أنا قدمت استفسارًا إداريًا بخصوص ملف بنتي، وده حقي كأي مواطن.»
أجابه الجنرال بهدوء:
«تقديم الاستفسار مش هو المشكلة يا أستاذ محمود. المشكلة إن الطلب المرفق هنا يتضمن طلبًا لتجاوز مرحلة مراجعة لم تكن قد اكتملت، وإن سجل النظام يشير إلى أن التصريح الاستثنائي صدر بعد ذلك بوقت قصير.»
ثم أضاف:
«إحنا مش بنوجه اتهامًا لحد في القاعة. لكن لازم نعرف إذا كان فيه تدخل غير رسمي في الإجراءات، ومين المسؤول عنه.»
تدخلت سلمى بسرعة، وقد بدأ القلق يسيطر عليها.
«يا فندم، أنا والله ما كنت أعرف إن بابا قدم الطلب ده. كل اللي أعرفه إن الإدارة أبلغتني إن ملفي اكتمل.»
نظر إليها الجنرال طويلًا، ثم قال:
«وده شيء لازم نتحقق منه. لو كنتِ غير عالمة بأي مخالفة، فالمراجعة هتوضح ده. لكن في الوقت الحالي، مش هنقدر نتعامل مع التصريح على إنه اعتماد نهائي قبل التأكد من سلامة الإجراءات.»
وضعت سلمى يدها على فمها.
كان الحفل الذي تخيلت أنها ستخرج منه بطلة أمام الجميع يتحول إلى أكثر ليلة محرجة في حياتها.
لكنني لم أشعر بالانتصار.
كنت أنظر إلى أبي، وأتساءل كيف وصلنا إلى هذه اللحظة.
لماذا احتاج إلى التدخل في ملف سلمى؟
ولماذا كان مستعدًا للمخاطرة بإجراءات رسمية بدلًا من ترك الأمور تسير في مسارها الطبيعي؟
اقترب مني الجنرال قليلًا وقال:
«آنسة نهى، محتاج أسمع منك التفاصيل كاملة. لكن مش هنا وسط الحضور. هنستكمل مراجعة الموضوع في المكان المختص، بحضور المسؤولين المعنيين.»
أومأت برأسي.
«تحت أمرك يا فندم.»
وقبل أن يغادر، التفت إلى الحاضرين وقال:
«أرجو من الجميع عدم تداول استنتاجات أو اتهامات قبل انتهاء المراجعة. اللي حصل النهارده مش مناسبة لإدانة أي شخص، لكنه تذكير مهم بأن الإجراءات الرسمية لازم تكون واحدة على الجميع.»
ثم غادر مع مساعده وعدد من الضباط.
وبمجرد أن أُغلق باب القاعة خلفهم، انفجرت الهمسات في كل مكان.
بعض الضيوف انشغلوا بمغادرة الحفل، وآخرون بدأوا يتساءلون عن حقيقة ما حدث، بينما حاول منظمو المناسبة استعادة النظام.
أما أمي، فلم تنتظر لحظة واحدة.
جاءت نحوي وأمسكت بذراعي بقوة.
«إنتِ مبسوطة دلوقتي؟!»
نظرت إليها بذهول.
«مبسوطة بإيه يا ماما؟»
قالت بصوت مرتجف من الغضب:
«إنك فضحتِ أختك قدام الناس كلها! كان ممكن تستني لبكرة، أو تتكلمي معانا في البيت بدل ما يحصل كل ده في حفلها!»
سحبت ذراعي برفق.
«أنا ما فضحتش حد. الجنرال هو اللي سألني، وأنا جاوبت بصدق.»
صرخت:
«كان ممكن تختاري كلامك!»
نظرت إليها مباشرة وقلت:
«يعني كنتِ عايزاني أكذب علشان الحفلة تخلص من غير مشاكل؟»
صمتت لحظة.
ثم قالت الجملة التي كشفت لي، أكثر من أي شيء آخر، كيف كانت تفكر طوال السنوات الماضية:
«كان ممكن تسكتي مرة واحدة في حياتك وتسيبي أختك تفرح!»
شعرت بألم عميق في صدري.
لم يكن بسبب كلماتها وحدها، بل لأنها كانت لا تزال ترى أن المشكلة في وجودي، لا في الوقائع التي ظهرت أمام الجميع.
قلت لها بهدوء:
«يا ماما، أنا سكت سنين طويلة. سكت لما كنتِ بتقدمي سلمى على إنها البنت الوحيدة اللي تستحق الفخر. وسكت لما كنتِ بتقولي للناس إني مجرد موظفة مكتبية، من غير ما تعرفي طبيعة شغلي أصلًا.»
تراجعت أمي خطوة.
وتابعت:
«أنا عمري ما طلبت منك تعمليلي حفلة، ولا تتباهَي بيا قدام الناس. كل اللي كنت محتاجاه إنك تحترميني زي ما بتحترميها.»
لم ترد.
أما سلمى، فكانت تقف على مسافة قصيرة منا، وقد سمعت كل كلمة.
اقتربت مني، وقالت بصوت منخفض:
«نهى، أنا عايزة أتكلم معاكي.»
نظرت إليها.
«اتفضلي.»
ترددت، ثم قالت:
«أنا فعلًا ما كنتش أعرف إن بابا قدم الطلب ده. أنا قدمت أوراقي، واستنيت الرد الرسمي. لما قالولي إن فيه موافقة، افتكرت إن كل حاجة خلصت.»
سألتها:
«هل حد طلب منك توقعي على أي مستند إضافي، أو قالك إن فيه حاجة ناقصة في الملف؟»
هزت رَأسها.
«لا. بس قبل الحفل بكام يوم، بابا قال لي إنه بيتابع الموضوع مع معارفه، وإنه عايز يضمن إن كل حاجة تمشي بسرعة.»
ثم خفضت عينيها وأضافت:
«أنا افتكرت إنه بيسأل عن موعد صدور القرار بس.»
تنهدت.
«لو ده اللي حصل فعلًا، يبقى لازم تقولي كل التفاصيل للمسؤولين. مش علشاني، ولا علشانك، لكن علشان الحقيقة تظهر.»
أومأت برأسها، ثم ابتعدت وجلست وحدها على إحدى الطاولات.
لأول مرة في حياتها، لم يكن حولها أحد يهنئها أو يلتقط الصور معها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى