روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

ثم أضاف:

“وتوقفي عن متابعة حسابات الشركة.”

لم أستطع الكلام.

كل الألم الذي عشته بعد الانفصال…

كل الليالي التي قضيتها وأنا ألوم نفسي…

كل مرة سألت فيها نفسي لماذا لم أكن كافية…

ربما لم يكن الأمر متعلقًا بي أصلًا.

كان مخططًا.

لكن كان هناك شيء لم أفهمه.

قلت:

“طيب لو كان الهدف إني أبعد… ليه استخدم بطاقتي؟”

هنا فتح عماد الملف.

أخرج مجموعة من المستندات.

وقال:

“لأن البطاقة كانت المفتاح.”

نظر إلى ياسر.

“كان بيحوّل أموال من حسابات الشركة إلى شركات وسيطة، وبعدها يستخدم بطاقتك في مشتريات كبيرة عشان يخلي العمليات تبدو كأنها مصاريف شخصية.”

قال المحامي:

“وبالتالي كان يقدر يخفي التحويلات الحقيقية وسط مئات المعاملات.”

أومأ عماد.

“بالضبط.”

داليا بدأت تبكي.

“يعني حتى الفلوس اللي صرفناها على الفرح…”

قال عماد:

“جزء منها كان من أموال الشركة.”

ثم نظر إليها.

“والجزء الآخر من بطاقة مريم.”

داليا نظرت إلى ياسر باحتقار.

“إنت دمرتني.”

رد:

“أنا كنت بحاول أحميك.”

ضحكت.

“تحميني؟”

ثم رفعت خاتم الخطوبة.

“إنت كنت بتبني حياتنا بأموال واحدة تانية!”

في تلك اللحظة، اقترب أحد الضيوف من الباب وقال:

“لو سمحتوا… في ناس برا بتسأل إذا الحفل اتلغى.”

لم يجب أحد.

كان واضحًا أن الخبر بدأ ينتشر.

المئات الذين حضروا للاحتفال بدأوا يدركون أن شيئًا كبيرًا يحدث.

أما أنا…

فكنت أريد إجابة أخيرة.

نظرت إلى عماد.

“إنت قلت إن ياسر مش لوحده.”

أومأ.

“مين الشخص الثالث؟”

تبادل نظرة سريعة مع المحامي.

ثم قال:

“أنا كنت عايز أقولك في مكان بعيد عن الناس.”

قلت:

“قول هنا.”

نظر إلى ياسر.

ياسر خفض رأسه.

ثم قال عماد:

“الشخص الثالث هو…”

وقبل أن يكمل، انفتح باب القاعة بقوة.

دخلت امرأة مسنة ترتدي ملابس أنيقة، وبيدها حقيبة جلدية.

توقف الجميع عن الكلام.

كانت تعرفني.

وأنا كنت أعرفها.

إنها والدة ياسر.

لكنها لم تنظر إلى ابنها.

لم تنظر إلى داليا.

بل توجهت إليّ مباشرة.

وقفت أمامي، ثم وضعت الحقيبة على الطاولة.

وقالت:

“مريم… أنا عارفة إنك تستحقي تعرفي الحقيقة.”

فتحت الحقيبة.

وفي داخلها كان هناك صندوق صغير.

ثم قالت الجملة التي جعلتني أشعر بأن كل شيء سيتغير:

“ابني ما سرقش فلوسك لوحده.”

“أنا اللي طلبت منه يبدأ الخطة.”

تجمدت القاعة كلها.

حتى ياسر رفع رأسه فجأة.

وقال:

“أمي…!”

لكنها رفعت يدها وأسكتته.

ثم نظرت إليّ.

“لأن الشركة دي…”

وأشارت إلى ملفي.

“…كانت في الأصل ملك عيلتنا.”

فتحت الصندوق.

وكان بداخله مستند قديم يحمل اسم والدي.

عندها فقط فهمت…

أن قصة بطاقتي السوداء لم تكن بداية الحكاية.

كانت مجرد آخر حلقة فيها.
ظللت أحدق في المستند القديم وكأنني أحاول قراءة حياتي كلها من خلاله.

كان يحمل اسم والدي.

لكن التوقيع الموجود أسفله لم يكن توقيعه.

رفعت رأسي نحو والدة ياسر.

وقلت:

“إيه ده؟”

أجابت بهدوء:

“الحقيقة اللي اتدفنت من سنين.”

تدخل ياسر بسرعة:

“أمي، كفاية.”

لكنها لم تلتفت إليه.

قالت:

“والدكِ لم يؤسس الشركة وحده يا مريم.”

شعرت بصدمة.

“يعني إيه؟”

قالت:

“والدي كان شريكًا في بدايتها.”

ثم أشارت إلى المستند.

“كان فيه اتفاق شراكة قديم بين عائلتي وعائلتك.”

أخذ المحامي الورقة وفحصها بعناية.

وبعد ثوانٍ قال:

“المستند ده مهم جدًا.”

نظرت إليه.

“مهم إزاي؟”

قال:

“لو ثبتت صحته، فده معناه إن نقل ملكية بعض الأصول اللي حصل من سنين محتاج مراجعة قانونية.”

نظرت إلى والدة ياسر.

“بس ليه ما حدش قال لي؟”

تنهدت.

“لأن والدكِ أخفى الحقيقة.”

قلت بغضب:

“والدي مات من سنين!”

قالت:

“وعشان كده الموضوع كان أسهل في الإخفاء.”

ثم أضافت:

“بعد وفاته، عائلتي حاولت تسترد حقها.”

ضحكت بمرارة.

“فقررتوا تستخدموا ياسر عشاني؟”

هزت رأسها.

“في البداية… نعم.”

نظر ياسر إلى أمه.

“إنتِ وعدتيني إن الموضوع هيخلص من غير ما تتأذى.”

ردت:

“وأنت خربت كل حاجة.”

هنا فهمت شيئًا.

ياسر لم يكن العقل الوحيد وراء ما حدث.

كانت أمه تعرف.

وعماد كان يعرف.

وربما داليا دخلت القصة من غير أن تعرف الحقيقة كاملة.

لكن بقي سؤال واحد.

قلت:

“طيب… لو عائلتكم عندها حق قديم، ليه سرقتوا أموالي؟”

صمتت والدة ياسر.

ثم قالت:

“لأننا لم نكن نعرف أن الأموال التي استخدمها ياسر ستأتي من حساباتك الشخصية.”

التفتُّ إلى ياسر.

“يعني إنت تجاوزت حتى الخطة اللي أمك حطتها؟”

لم يرد.

قال عماد:

“هو بدأ يحوّل أموالًا أكثر مما كان مسموحًا له.”

ثم وضع أمامي ملفًا آخر.

“وده السبب الحقيقي اللي خلاني أختفي.”

فتحت الملف.

كان يحتوي على تحويلات مالية وتواريخ وأسماء شركات.

كلها مرتبطة بياسر.

لكن كانت هناك مفاجأة أكبر.

بعض التحويلات تمت بعد انفصالي عنه.

قلت:

“إنت كنت بتستخدم حساباتي حتى بعد ما سيبتك؟”

قال ياسر:

“كنت محتاج وقت.”

“وقت لإيه؟”

لم يرد.

فتح المحامي صفحة أخرى.

ثم قال:

“مريم… في حاجة لازم تعرفيها.”

نظر إليّ.

“قبل أسبوعين من انفصالك عنه، ياسر حاول نقل ملكية جزء من أسهم الشركة إلى شركة وسيطة.”

تجمدت.

“من غير علمي؟”

“أيوه.”

ثم أضاف:

“لكن العملية فشلت.”

نظرت إلى ياسر.

“ليه؟”

قال المحامي:

“لأن توقيعك الإلكتروني لم يتطابق.”

فهمت فجأة.

التوقيع الإلكتروني المزيف الذي وجدناه لم يكن أول محاولة.

كان آخر محاولة.

قالت والدة ياسر بصوت منخفض:

“كان لازم ينجح قبل ما تعرفي.”

نظرت إليها.

“وإنتِ كنتِ موافقة؟”

لم تجب.

كانت إجابة صمتها أوضح من أي كلام.

ثم حدث شيء لم أتوقعه.

داليا تقدمت نحوي.

كانت قد توقفت عن البكاء.

وقالت:

“مريم… أنا عايزة أقولك حاجة.”

نظرت إليها.

“اتفضلي.”

قالت:

“أنا ما كنتش أعرف كل ده.”

ثم أخرجت هاتفها.

“لكن عندي رسائل تثبت إن ياسر كان بيطلب مني أرسل له بيانات معينة.”

فتحت المحادثة أمامي.

كانت هناك رسائل بينهما.

تواريخ.

أوامر.

تحويلات.

وأسماء حسابات.

ثم ظهرت رسالة واحدة جعلت يدي تتجمد.

كان ياسر قد كتب لها قبل انفصاله عني بأسبوع:

“لو حصل أي شيء، خلي مريم تفتكر إنك السبب.”

رفعت عيني إليه.

“كنت عايز تخليني أكرهها؟”

قال بصوت ضعيف:

“كنت خايف.”

“من إيه؟”

“إنك تكتشفي الحقيقة.”

في تلك اللحظة، وصل إشعار جديد إلى هاتف المحامي.

قرأه.

ثم رفع عينيه إليّ.

“البنك خلص المراجعة الأولية.”

سألته:

“والنتيجة؟”

قال:

“في عمليات أخرى.”

“قد إيه؟”

سكت لحظة.

ثم قال:

“حوالي مليون وستمائة ألف دولار.”

ساد الصمت.

نظرت إلى ياسر.

كان وجهه قد فقد كل ألوانه.

قلت:

“يعني الـ347 ألف دولار اللي صرفتهم على الزفاف…”

“كانوا مجرد جزء صغير.”

أومأ المحامي.

“بالضبط.”

ثم أضاف:

“وفي حاجة أخطر.”

قلت:

“إيه؟”

أشار إلى آخر صفحة.

“جزء من الأموال اتنقل إلى حساب خارج مصر.”

نظرت إلى ياسر.

“مين صاحب الحساب؟”

فتح المحامي الصفحة.

ثم قال:

“الحساب باسم شخص واحد.”

اقتربت منه.

قرأت الاسم.

وتوقفت.

لأن الاسم لم يكن ياسر.

ولم يكن داليا.

ولم يكن عماد.

كان اسم شخص أعرفه منذ طفولتي.

أخي.

رفعت رأسي ببطء.

ولأول مرة في تلك الليلة…

شعرت أنني لم أكن أتعامل مع خيانة ياسر وحده.

كنت أتعامل مع سر عائلي أكبر بكثير.

ثم رن هاتفي.

رقم مجهول.

رددت.

وجاءني صوت رجل هادئ:

“مريم… لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن والدك، لازم تيجي للمكان اللي بدأ منه كل شيء.”

سألته:

“مين حضرتك؟”

قال:

“الشخص الوحيد اللي عنده النسخة الأصلية من العقد.”

ثم أغلق الهاتف.

نظرت إلى المحامي.

ثم إلى عماد.

وأخيرًا إلى ياسر.

وفي تلك اللحظة أدركت…

أن حفل الزفاف الذي جئت لأكشف فيه خيانة ياسر لم يكن سوى باب.

والحقيقة التي تنتظرني خلف هذا الباب…

قد تغيّر كل شيء أعرفه عن عائلتي.
نكمّل بالنهاية، ونكشف صاحب المكالمة والحقيقة الكاملة وراء العقد والأموال.

لم أتحرك لعدة ثوانٍ بعد انتهاء المكالمة.

كان المكان كله يعج بالأصوات، لكنني لم أعد أسمع شيئًا.

كل ما كان يدور في رأسي هو اسم أخي.

التفتُّ إلى المحامي وقلت:

“عايز أعرف كل حاجة.”

أومأ.

“وهنعرفها.”

لكن قبل أن نتحرك، تقدمت والدة ياسر نحوي.

كان وجهها مختلفًا هذه المرة.

لم تعد المرأة الواثقة التي دخلت القاعة وهي تحمل أسرارًا قديمة.

قالت:

“مريم… أنا مدينة لكِ باعتذار.”

نظرت إليها دون كلام.

قالت:

“كان عندي مستند قديم، وكنت أعتقد أن عائلتك أخذت حق عائلتي.”

ثم نظرت إلى ياسر.

“لكن ابني استغل غضبي.”

خفض ياسر رأسه.

وأكملت:

“حوّل الخلاف القديم إلى خطة للسيطرة على أموالك.”

ثم قالت جملة لم أتوقعها:

“وأنا ساعدته.”

ساد الصمت.

قالت:

“أنا آسفة.”

لم أقل إنني سامحتها.

ولم أقل إنني لن أسامحها.

كل ما قلته:

“الحقيقة هتظهر.”

غادرت القاعة مع المحامي وعماد.

أما ياسر فبقي واقفًا وسط المكان الذي كان من المفترض أن يكون أسعد يوم في حياته.

وبعد ساعات قليلة، بدأت الإجراءات الرسمية.

تم إيقاف البطاقات المرتبطة بالعمليات المشبوهة.

وأُرسلت المستندات إلى الجهات المختصة.

كما بدأت مراجعة كاملة لحسابات الشركة.

لكنني لم أنسَ المكالمة.

في اليوم التالي، توجهت إلى العنوان الذي أعطاني إياه الرجل.

كان منزلًا قديمًا في إحدى ضواحي الإسكندرية.

فتح لنا الباب رجل مسن.

بمجرد أن رأيته، عرفت أنه ليس غريبًا.

كان أحد أصدقاء والدي القدامى.

قال:

“كنت مستني اليوم ده من سنين.”

سألته:

“إيه اللي حصل بين أبويا وعائلة ياسر؟”

أخرج ملفًا قديمًا.

وقال:

“والدك لم يسرق شيئًا.”

فتحت عيني بدهشة.

“إيه؟”

قال:

“العقد اللي كانت عائلة ياسر بتتكلم عنه كان اتفاق شراكة مؤقت.”

ثم أخرج الورقة الأصلية.

“لكن بعد انتهاء الاتفاق، والد ياسر وقّع على التنازل عن نصيبه.”

ناولني المستند.

وكان التوقيع واضحًا.

والأهم…

كان هناك ختم رسمي يثبت انتقال الملكية.

شعرت بأنني لا أستطيع التنفس.

قال الرجل:

“عائلتك كانت تملك الشركة بشكل قانوني.”

“وعائلة ياسر كانت تعرف ده.”

نظرت إلى المحامي.

فقال:

“المستند ده يغيّر كل شيء.”

ثم سألته:

“طيب ليه أخويا؟”

تنهد الرجل.

“أخوكِ كان يعرف بالحقيقة.”

شعرت بصدمة جديدة.

“يعني هو كان معاهم؟”

قال:

“هو لم يكن يريد سرقة الشركة.”

“كان يريد جزءًا منها.”

ثم كشف الحقيقة الأخيرة.

قبل سنوات، كان أخي قد دخل في مشروع خاسر، وتراكمت عليه ديون كبيرة.

وعندما علمت عائلة ياسر بذلك، عرضوا عليه صفقة.

يساعدهم في الوصول إلى بعض معلومات الشركة…

وفي المقابل يحصل على المال.

لكن الصفقة خرجت عن السيطرة.

وعندما حاول أخي التراجع، أصبح ياسر يعرف أسراره.

ولهذا استمر في التعاون معه.

عدت إلى القاهرة في نفس اليوم.

وعندما واجهت أخي، لم ينكر.

قال:

“أنا غلطت.”

قلت:

“غلطت؟”

ثم وضعت العقد أمامه.

“كنت هتخليهم ياخدوا كل حاجة.”

قال:

“أنا كنت غرقان.”

قلت:

“وأنا كنت إيه؟”

صمت.

“كنت أختك.”

انخفض رأسه.

لأول مرة رأيته عاجزًا عن تبرير نفسه.

مرت أسابيع طويلة.

انتهت التحقيقات الأولية.

استعدت الشركة السيطرة على حساباتها.

تمت مراجعة كل العمليات التي تمت باستخدام بطاقتي.

والأموال التي أمكن استردادها عادت إلى حساباتي.

أما ياسر…

فلم يعد يملك الصورة التي صنعها عن نفسه.

لا الزفاف الفخم.

ولا السيارة.

ولا الشقة.

ولا الحياة المثالية التي كان يعرضها أمام الناس.

حتى داليا أنهت علاقتها به تمامًا، وبدأت تتعاون مع التحقيقات لكشف ما تعرفه.

أما أنا…

فلم أعد تلك المرأة التي تجلس وحدها وتسأل نفسها:

“ليه ما كنتش كفاية؟”

أصبحت أعرف الحقيقة.

المشكلة لم تكن فيَّ.

ولم تكن لأن شخصًا آخر كان أجمل أو أفضل.

كنت فقط محاطة بأشخاص ظننت أنهم يحبونني…

بينما كانوا يرون ما أملك قبل أن يروا من أنا.

وبعد عدة أشهر، عدت إلى مكتبي.

جلست في نفس غرفة الاجتماعات التي بدأت فيها القصة.

وضعت أمامي البطاقة السوداء القديمة.

ثم أخذتها وأغلقتها داخل درج.

لم أعد أحتاج إليها.

لأنني تعلمت درسًا لن أنساه:

المال يمكن أن يشتري حفلًا فخمًا… لكنه لا يستطيع شراء الحقيقة.

وفي النهاية، لم أخسر الرجل الذي أحببته.

لأنني اكتشفت أنه لم يكن الرجل الذي أحببته من الأساس.

أما الشيء الذي كسبته…

فكان أغلى من كل الأموال التي حاولوا سرقتها مني.

حياتي من جديد.
تمت
حكايات محمد عبده

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى