
السر الذي أخفاه أبو ملك
بعد دخولنا قاعة الاجتماعات، طلبت من الحاضرين تركنا دقائق، وبقي معي الأستاذ فؤاد وملك ومحمود.
ملك كانت جالسة بجانبي، تحاول تدفئة يديها.
محمود اقترب منها وقال:
«ملك، تعالي يا حبيبتي لنرجع البيت».
البنت نظرت له لكنها لم تحرك ساكناً، وتراجعت للخلف مستخبة بجانبي.
قلت له:
«اتركها على راحتها يا محمود، فهي غير مستعدة للتحدث معك الآن».
رد بضيق:
«أنتِ تعلمينها الابتعاد عن أبيها».
قلت:
«لأ، أنا أساعدها لتشعر بالأمان، وهو ما كان يجب أن نوفره لها معاً».
أنزل عينيه للأرض وقال بصوت منخفض:
«أنا لم أعرف أن إيريني ستقوم بذلك».
سألته:
«وعندما علمت أنها لن تعود، لماذا لم تسأل عنها؟»
صمت لفترة طويلة ثم قال:
«كنت غاضباً، وإيريني أخبرتني أن ملك نزلت من السيارة بإرادتها».
نظرت إليه بذهول:
«حتى لو كان ذلك صحيحاً، أنت أبوها! كان يجب أن تتصل وتتأكد أنها بخير».
وضع يديه على وجهه وقال:
«أنا أخطأت».
كانت المرة الأولى التي يعترف فيها بخطئه دون تبرير.
لكن الاعتراف وحده لم يكن كافياً.
ملك رفعت عينيها وسألته:
«بابا، هل أنت فعلاً لا تريدني أن أعيش معك؟»
السؤال جعل محمود يتجمد في مكانه:
«لا يا ملك، لم أكن أقصدي ذلك».
ردت عليه:
«لكنكت كتبته لماما».
لم يستطع الرد، وأكملت الطفلة بصوت مرتعش:
«كنت خائفة جداً، وكنت أعتقد أنك ستتصل بي، لكنك لم تفعل».
ركب محمود على ركبتيه أمامها محاولة إمساك يدها، لكنها لم تقترب منه، وقالت جملة واحدة جعلت الدموع تملأ عينيه:
«أنا لم أكن بحاجة لهدايا يا بابا، أنا كنت بحاجة لأشعر أنك ستحميني».
الورقة التي لم يرغب محمود في رؤيتها
بعد دقائق، خرج محمود من القاعة لتلقي مكالمة هاتفية.
وفي هذه الأثناء، عاد الأستاذ فؤاد ومعه ملف إضافي وقال لي:
«مدام نادية، وأثناء مراجعة الأوراق، وجدنا مراسلة تستدعي المراجعة العاجلة بشأن مشروع توسعة المستودعات، والمفاجأة أن اسم الشركة الجديدة المرتبطة بالمشروع يعود لشخص تعرفينه.. محمود».
قرأت الرسالة وتأكدت من التفاصيل.
سألت الأستاذ فؤاد:
«هل هناك موافقة نهائية على العقد؟»
«لا يا فندم، الملف لا يزال تحت المراجعة».
أغلقت الملف وقلت:
«إذن لا توقيع قبل التأكد من سلامة كافة الإجراءات ومن عدم وجود تضارب مصالح».
تركت لوحدي مع ملك للحظات حتى سألتني:
«ماما، هل كان بابا يريد أخذ أموال من الشركة؟»
ضممتها إلي وقلت:
«لا نعرف بعد يا حبيبتي، الأوراق هي ما سيثبت الحقيقة».
المواجهة الأخيرة في منتصف الليل
عاد محمود للقاعة ووجهه شاحب.
أول ما رأى الملف أمامي سأل:
«ما الذي تراجعينه؟»
قلت:
«ملف مشروع التوسعة».
تغير لون وجهه:
«وما علاقة هذا بما حدث اليوم؟»
رددت:
«هو موضوع منفصل، لكنه يخص مستندات الشركة ويجب مراجعته بالطريقة الصحيحة».
اقترب وقال بصوت منخفض:
«نادية، يمكننا التحدث بعيداً عن كل هذا. أنا لا أود المشاكل».
بصّيت له وقلت:
«بالضبط، بيننا ابنة، وكنت أتمنى أن تتذكر ذلك قبل أن تتخلى عنها».
صمت للحظة ثم نظر نحو الباب حيث كانت إيريني واقفة.
قالت بحدة:
«محمود، يجب أن نمشي الآن».
لكنه لم يتحرك، ونظر لها قائلاً:
«إيريني، أريد أن أفهم شيئاً واحداً.. لماذا لم تتصلي بنادية، ولماذا تركتِ الطفلة على الطريق؟»
ردت بعصبية:
«قلت لك إنها كانت تستفزني!»
قال محمود:
«هذا ليس رداً على سؤالي».
ولأول مرة، فقدت إيريني السيطرة تماماً:
«أتوجهين اللوم لي الآن بعد كل ما فعلته من أجلك؟»
سكت محمود، وبقيت أراقب الموقف بصمت.
إيريني نظرت لي وقالت:
«أتظنين أنكِ انتصرتِ؟ أتظنّين أنكِ قادرة على تدمير حياتي هنا لمجرد أنكِ تملكين المال؟»
وقفت من مقعدي وأمسكت يد ملك:
«أنا لست هنا لتدمير حياة أحد، بل لحماية ابنتي والتأكد من أن أحداً لا يستستغل منصبه للهروب من المسؤولية».
ثم التفتُّ للأستاذ فؤاد:
«من فضلك، سجل أن المراجعة الإدارية مستمرة بدقة».
وفجأة، دخل مدير الأمن مسرعاً وبيده ظرف أبيض:
«بعد إذنك يا مدام نادية، وصل هذا الظرف من الإدارة القانونية ومكتوب عليه أنه يسلم لكِ شخصياً».
أخذت الظرف، ونظرت للاسم المكتوب عليه…
كان اسم والدي الراحل.
بدأت يداي ترتجفان، لأن والدي قبل وفاته كان هو من ساعدني في شراء حصتي الأولى في الشركة.
فتحت الظرف ببطء.
كان بداخله خطاب قديم ومستند رسمي لم أره من قبل.
قرأت السطر الأول، ثم رفعت عيني باتجاه محمود الذي كان واقفاً بوجه متغير تماماً.
سألته بهدوء:
«محمود… هل تعرف شيئاً عن هذا المستند؟»
لم يرد، لكن صمته كان بليغاً في تأكيد وجود سر آخر… سر يتعلق بمستقبل ملك نفسها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




