روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية

كل ما كنت أريده هو أن أحميها.

لكنني بدأت أشعر أن وجودها لم يعد سرًا آمنًا كما كنت أعتقد.

في مساء اليوم نفسه، أرسل لي ياسر نسخة من المستند الذي وجده.

كان عبارة عن نتيجة طبية قديمة باسم مازن.

وقفت طويلًا وأنا أقرأها.

لم أكن أفهم كل التفاصيل الطبية، لكن جملة واحدة كانت واضحة:

النتيجة تشير إلى وجود مشكلة لدى مازن تؤثر على فرص الإنجاب.

أعدت قراءة السطر مرات.

ثم تذكرت اليوم الذي عاد فيه مازن من العيادة منذ سنوات.

أتذكر أنه دخل المنزل وهو يحمل ظرفًا بنيًا.

كنت أبكي وقتها.

سألته:

—قالوا إيه؟

جلس أمامي، ووضع الظرف على الطاولة.

ثم قال:

—الدكتور قال إن كل حاجة عندي كويسة.

—يعني المشكلة فيا أنا؟

لم يقل نعم.

لكنه لم يقل لا.

فقط نظر إليّ بطريقة جعلتني أفهم ما أراد أن يقوله.

وفي اليوم التالي بدأت رحلة طويلة من العلاج.

رحلة استمرت سنوات.

والآن، ربما لم تكن المشكلة في جسدي من الأساس.

اتصلت بي ياسر مرة أخرى.

—في حاجة أهم من التحليل.

—إيه؟

—فتشت في اسم الطبيب اللي كان بيتابع حالتك.

—دكتور حاتم راضي؟

—أيوه.

—لقيت إيه؟

—العيادة اتقفلت من سنين.

—طيب؟

—لكن الطبيب نفسه كان مستشارًا طبيًا لشركة مرتبطة بالشركة اللي بتمول زفاف مازن.

شعرت ببرودة في جسدي.

—إنت بتقول إن الطبيب اللي كان بيعالجني كان مرتبط بالشركة اللي بتدفع تكاليف فرح مازن؟

—بالضبط.

لم أجد ما أقوله.

بدأت كل الخيوط تتجمع بطريقة مخيفة.

التحاليل.

الطبيب.

الشركة.

الأموال.

والآن… ليان.

قلت:

—عايز توصل لإيه؟

أجاب ياسر:

—عايز أعرف إذا كان فيه حد تعمد يخليكي تصدقي إنك مش هتقدري تخلفي.

سكت.

ثم قلت:

—لكن لو ده صحيح… ليه؟

قال:

—لأن السبب ممكن يكون أكبر من مجرد إن مازن كان عايز يطلقك.

قبل أن أجيبه، سمعت صوت طرق على باب غرفتي.

التفت.

كان شريف الدسوقي يقف عند الباب.

هذه المرة لم يكن وحده.

كان معه رجل أكبر سنًا يرتدي بدلة رمادية.

قال شريف:

—مساء الخير يا مدام ندى.

لم أفتح الباب بالكامل.

—قلت للممرضة إني مش هقابل حد.

ابتسم الرجل الآخر.

—أنا مش جاي أعمل مشكلة.

قلت:

—مين حضرتك؟

أجاب:

—اسمي كمال البدري.

تغيرت ملامحي عندما سمعت الاسم.

كان ياسر قد ذكره قبل ذلك أثناء حديثه عن الشركة.

سألته:

—إنت رئيس مجلس إدارة شركة النخبة؟

ابتسم.

—كنت.

توقفت.

—كنت؟

—استقلت من فترة.

ثم نظر إلى داخل الغرفة.

وقعت عيناه على ليان.

لم يقل شيئًا.

لكن نظرته بقيت عليها لثوانٍ طويلة.

شعرت بغريزة الأم تتحرك بداخلي.

وقفت أمام سريرها.

قلت:

—إنت عايز إيه؟

نظر إليّ.

—جئت أحذرك.

—من مين؟

قال بهدوء:

—من مازن.

شعرت أنني لم أعد أسمع شيئًا سوى دقات قلبي.

—ليه؟

اقترب خطوة، لكنني رفعت يدي.

—خليك مكانك.

توقف.

ثم قال:

—مازن مش بيحاول يعرف الحقيقة عن الطفلة.

نظرت إليه.

—إنت عرفت منين إن فيه طفلة؟

ساد الصمت.

كانت تلك أول لحظة أدرك فيها أن السر لم يعد سرًا.

سألته:

—مين قالك عن بنتي؟

لم يجب.

ثم أخرج هاتفه وفتح صورة.

دفع الشاشة باتجاهي.

تجمدت.

كانت صورة ليان.

التقطت في المستشفى.

من زاوية بعيدة.

شعرت بالغضب والخوف في نفس اللحظة.

—إنت صورت بنتي؟

هز رأسه.

—مش أنا.

—أمال مين؟

نظر إلى شريف.

ثم عاد إليّ.

—اللي صورها كان بيدور على حاجة معينة.

—إيه؟

خفض صوته.

—كان عايز يتأكد من حاجة تخص والد الطفلة.

شعرت بقلبي يسقط.

قلت:

—والدها؟

رفع عينيه نحوي.

—أيوه.

ثم قال الجملة التي جعلتني أشعر أن كل ما حدث خلال السنوات الماضية كان مجرد بداية:

—إحنا كنا عارفين إنك حامل قبل ما إنتِ نفسك تعرفي.

لم أستطع الكلام.

لكن كمال لم يتوقف.

—والحقيقة إن ليان ما كانتش المفاجأة الوحيدة.

ثم نظر إلى الملف الموجود على الطاولة.

—فيه شخص آخر كان يعرف كل شيء من البداية.

قلت بصوت مرتجف:

—مين؟

نظر إليّ مباشرة.

—مازن.

فتحت فمي، لكن الكلمات لم تخرج.

لأن السؤال الوحيد الذي ظل يضرب في رأسي كان:

إذا كان مازن يعرف أنني حامل…

فلماذا تركني؟

ظللت أنظر إلى كمال وكأنني أحاول أن أفهم معنى كلماته.

—مازن كان عارف إني حامل؟

أومأ.

—من قبل الطلاق.

شعرت أنني فقدت القدرة على التنفس.

—مستحيل.

قال كمال بهدوء:

—للأسف، دي الحقيقة.

دخل ياسر الغرفة في تلك اللحظة، بعدما أخبرته بما حدث.

نظر إلى كمال ثم إلى شريف.

—واضح إننا وصلنا لنفس النقطة من طريقين مختلفين.

أخرج كمال ملفًا من حقيبته ووضعه أمام ياسر.

—الملف ده فيه تحويلات مالية وتقارير طبية ومراسلات داخلية.

فتح ياسر الملف.

وبعد دقائق، تغير وجهه.

قال:

—يا إلهي…

سألته:

—إيه؟

رفع ورقة أمامي.

—نتيجة التحليل القديمة بتاعت مازن كانت فعلًا تثبت إن المشكلة عنده.

ثم وضع ورقة أخرى فوقها.

—لكن فيه نسخة ثانية تم تعديلها وإرسالها إلى الطبيب.

شعرت بيدي ترتجف.

—مين عدلها؟

قال كمال:

—مازن لم يفعل ذلك وحده.

ثم كشف عن اسم ظهر في إحدى المراسلات.

كمال البدري.

نظرت إليه بدهشة.

—إنت؟

هز رأسه بسرعة.

—أنا لم أشارك في تزوير أي شيء. بالعكس، كنت أحاول إيقافهم.

—مين “هم”؟

نظر إلى ياسر.

—والد مازن.

تجمدت.

كان والد مازن، حسام الشافعي، رجل أعمال معروفًا في الإسكندرية، وكان يملك نفوذًا كبيرًا.

قال كمال:

—كان يريد حفيدًا يحمل اسم العائلة، لكنه لم يكن مستعدًا أن يقبل بأن المشكلة في ابنه.

—فقرروا يحمّلوني أنا السبب؟

—أيوه.

شعرت بدموعي تنزل دون أن أشعر.

كل السنوات التي قضيتها وأنا أكره نفسي…

كل الأطباء…

كل الأدوية…

كل لحظة بكيت فيها لأنني ظننت أنني حرمت مازن من حلم الأبوة…

كانت مبنية على كذبة.

لكن بقي سؤال واحد.

—لو كانوا عارفين إني حامل قبل الطلاق… ليه مازن اتجوز واحدة تانية؟

صمت كمال.

ثم قال:

—لأن حملك لم يكن الشيء الوحيد الذي كانوا يخافون منه.

نظر ياسر إليه.

—قول لها كل حاجة.

تنفس كمال بعمق.

—قبل طلاقكم بشهرين، اكتشفنا أن شركة حسام الشافعي كانت تستخدم اسمك في مجموعة من العقود.

شعرت بالصدمة.

—اسمي؟

—أيوه.

—ليه؟

—لأنك كنتِ الزوجة القانونية لمازن، ووجود اسمك كان يسهل تمرير بعض المعاملات.

نظر إليّ.

—لكن بعد ما بدأنا نراجع المستندات، اكتشفنا إن فيه أموال كبيرة خرجت من الشركة وتحولت إلى حسابات مرتبطة بمازن.

قال ياسر:

—والدعوة؟

ابتسم كمال بمرارة.

—الدعوة كانت غلطة.

—غلطة إزاي؟

—لأن حفل الزفاف نفسه كان جزءًا من ترتيب مالي أكبر. الشركة كانت بتدفع تكاليفه مقابل عقد جديد، والعقد ده كان ممكن ينكشف لو أي محامٍ بدأ يسأل عن مصدر الأموال.

نظرت إلى الدعوة.

فهمت فجأة لماذا كان ياسر مهتمًا بها.

ما ظننته مجرد دعوة زفاف…

كان خيطًا يقود إلى شبكة كاملة من الأسرار.

لكن كمال قال شيئًا آخر جعل الدم يتجمد في عروقي.

—مازن عرف إنك اكتشفتي الحقيقة.

—إمتى؟

—منذ يومين.

—وعرف عن ليان؟

سكت.

ثم قال:

—أيوه.

نظرت إلى سرير ابنتي.

—عشان كده بعت حد يصورها؟

—مش بالضبط.

—أمال ليه؟

أجاب:

—لأنه كان محتاج يتأكد إن الطفلة فعلًا ابنته قبل ما يعمل الخطوة الأخيرة.

—أي خطوة؟

نظر كمال إلى ياسر.

ثم قال:

—كان ناوي يطلب حضانة ليان.

ضحكت من شدة الصدمة.

—بعد ما تجاهلني سنين؟

—مش عشان يكون أب.

ثم اقترب من الطاولة.

—عشان يستخدم وجودها في القضية.

سألت:

—إزاي؟

قال ياسر:

—لو ثبت إن ليان ابنته، هيقدر يدعي إنك أخفيتِ حملك عنه عمدًا، ويحاول يقلب القضية ضدك.

شعرت بالغضب يغلي بداخلي.

—هو اللي أخفى الحقيقة عني!

—وده بالضبط اللي لازم نثبته.

فتح ياسر الملف مرة أخرى.

ثم أخرج ورقة صغيرة.

—بس عندنا مشكلة.

—إيه؟

قال:

—الوثيقة الأهم ناقصة.

—أي وثيقة؟

—التقرير الأصلي اللي يثبت إن مازن كان عارف بالحمل قبل الطلاق.

سألت:

—فين؟

أجاب كمال:

—عند الشخص الوحيد اللي يقدر يقلب القضية كلها.

نظرت إليه.

—مين؟

قال:

—لمياء.

تجمدت.

—مراته الجديدة؟

—أيوه.

—إيه علاقتها بالموضوع؟

أخرج كمال هاتفه.

كانت هناك رسالة لم تُرسل بعد.

ثم قال:

—لأن لمياء اكتشفت الحقيقة قبل الزفاف بأيام.

نظرت إلى الشاشة.

كانت الرسالة قصيرة:

“أنا مش حامل.”

رفعت عيني ببطء.

—إيه؟

قال كمال:

—الحمل اللي أعلن عنه مازن أمام الجميع…

—كان كذبة؟

أومأ.

—وكانت لمياء مستعدة للزواج منه لأنها كانت تعتقد أنه يحبها. لكن لما اكتشفت الحقيقة، بدأت تبحث وراءه.

ثم قال:

—واكتشفت أن مازن لم يكن يحاول بناء أسرة جديدة.

—أمال كان بيحاول يعمل إيه؟

نظر كمال إليّ.

—كان بيحاول الهروب من الماضي قبل ما الماضي يلحقه.

في تلك اللحظة، رن هاتف ياسر.

نظر إلى الشاشة.

ثم رفع عيني نحوي.

—دي لمياء.

ضغط على زر الرد.

جاء صوتها من الطرف الآخر، مرتجفًا:

—أنا عارفة إنكم بتدوروا على الحقيقة.

ثم سكتت لحظة.

—وعندي الدليل.

نظرت إلى ياسر.

ثم إلى ليان.

وأدركت أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد.

لأن الدليل الذي تملكه لمياء…

كان قادرًا على إسقاط مازن وعائلته بالكامل.

ظل صوت لمياء يرتجف عبر الهاتف.

—أنا مش هقدر أجيلكم بنفسي دلوقتي، لكن عندي كل حاجة.

سألها ياسر:

—إيه اللي عندك؟

قالت:

—التسجيلات والمراسلات الأصلية… وكل حاجة تثبت إن مازن كان عارف إن ندى حامل قبل الطلاق.

أغمضت عيني.

كنت أعتقد أنني سمعت أسوأ ما يمكن أن أسمعه.

لكن لمياء كانت لا تزال تخبئ شيئًا.

قالت:

—وفيه حاجة أهم.

—إيه؟

—أنا عرفت ليه مازن كان مصر يتجوزني.

ساد الصمت.

ثم قالت:

—هو ما كانش عايز طفل مني.

شعرت بقشعريرة.

—أمال كان عايز إيه؟

قالت:

—كان عايز يستخدم زواجنا كغطاء لصفقة.

فتحت عيني.

بدأت الصورة تكتمل.

الزفاف.

الشركة.

التحويلات.

العقود.

كلها كانت مرتبطة ببعضها.

أرسلت لمياء الملفات إلى ياسر.

وبعد دقائق، كان يقرأها بسرعة.

ثم قال:

—دي كفاية.

سألته:

—كفاية لإيه؟

—لإثبات إنهم زوروا معلوماتك الطبية، وإن مازن كان عارف بالحمل، وإن الأموال اللي اتدفعت للزفاف مرتبطة بتحويلات مشبوهة.

لكنني لم أشعر بالراحة.

كنت أريد شيئًا واحدًا فقط.

أن أعرف لماذا فعل مازن كل هذا بي.

بعد يومين، وصلني طلب رسمي للحضور إلى جلسة المحكمة.

كان مازن موجودًا.

دخل القاعة بثقة.

نفس الثقة التي سمعتها في صوته عندما اتصل بي وأخبرني أنه سيتزوج.

لكن هذه المرة، لم يكن وحده.

كان والده بجواره.

ولمياء جلست في الجهة المقابلة.

عندما دخلت، نظر مازن إليّ.

ثم وقعت عيناه على ليان التي كانت بين ذراعي.

اختفت ابتسامته.

لأول مرة رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.

وقف القاضي.

وبدأت الجلسة.

حاول محامي مازن أن يصور الأمر وكأنني أخفيت عنه ابنته عمدًا.

لكن ياسر لم يترك له فرصة.

قدم أول مستند.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

النتيجة الطبية الأصلية.

المراسلات.

التحويلات المالية.

ثم التسجيل الذي قدمته لمياء.

في التسجيل، كان صوت مازن واضحًا.

قال:

—لو ندى عرفت إنها حامل، كل خطتنا هتنهار.

ساد الصمت داخل القاعة.

نظرت إلى مازن.

كان وجهه شاحبًا.

لكن التسجيل لم ينتهِ.

ظهر صوت والده:

—المهم إن نتيجة التحليل تفضل بالشكل اللي يخليها تصدق إن المشكلة عندها.

وضعت يدي على فمي.

رغم أنني كنت أعرف الحقيقة بالفعل، سماعها بأصواتهم كان مختلفًا.

كان مؤلمًا.

لكن هذه المرة لم أشعر بالذنب.

شعرت بالغضب.

ثم قدم ياسر آخر مستند.

كان تقريرًا رسميًا يثبت أن ليان هي ابنة مازن.

نظر القاضي إلى مازن.

—هل لديك ما تقوله؟

ظل صامتًا.

ثم نظر إليّ.

لأول مرة منذ سنوات، لم تكن في عينيه نظرة اتهام.

كانت هناك نظرة رجل أدرك أنه خسر كل شيء.

قال بصوت منخفض:

—أنا غلطت.

لم أجيبه.

تابع:

—كنت خايف.

سأل القاضي:

—خائف من ماذا؟

خفض رأسه.

—من إن عيلتي تعرف إن المشكلة كانت عندي.

ثم نظر إليّ.

—ولما عرفت إنها حامل… خفت أكتر.

قلت لأول مرة:

—خفت مني؟

هز رأسه.

—خفت من الحقيقة.

ابتسمت بحزن.

—وأنا عشت خمس سنين بخجل من حاجة ما كانتش غلطتي.

لم يستطع الرد.

بعد الجلسة، صدر القرار.

ثبتت أبوّة مازن لليان، لكن المحكمة رفضت كل محاولاته للحصول على حضانة فورية بسبب الأدلة التي أثبتت تعمده إخفاء معلومات جوهرية ومحاولته التلاعب بالحقائق.

كما بدأت الجهات المختصة تحقيقًا في المعاملات المالية المرتبطة بالشركة.

أما زواجه من لمياء…

فلم يتم.

خرجت من المحكمة وأنا أحمل ليان بين ذراعي.

كان الجو باردًا.

نظرت إلى وجهها الصغير.

كانت نائمة بهدوء.

تذكرت اليوم الذي أخبرني فيه مازن أنني لن أستطيع أن أمنحه الأسرة التي يريدها.

وتذكرت كل مرة صدقت فيها كلامه.

ثم نظرت إلى ابنتي وابتسمت.

لم أكن فاشلة.

لم أكن ناقصة.

ولم تكن الأمومة شيئًا عجزت عن تحقيقه.

لقد كنت أمًا منذ اللحظة التي بدأت فيها أحمي هذه الطفلة، حتى قبل أن أعرف أنها ستأتي إلى حياتي.

بعد عدة أشهر، بدأت حياة جديدة.

لم أعد أعيش في الإسكندرية.

انتقلت إلى القاهرة وبدأت مشروعًا صغيرًا كنت قد حلمت به لسنوات، لكنني كنت دائمًا أؤجله لأنني كنت أعتقد أنني لا أستحق النجاح.

أما مازن، فقد خسر زواجه، وخسر ثقة عائلته، وأصبح يواجه نتائج القرارات التي اتخذها.

وفي أحد الأيام، وصلتني منه رسالة.

كانت قصيرة جدًا:

“أنا آسف.”

نظرت إليها طويلًا.

ثم أغلقت الهاتف.

لم أكن بحاجة إلى اعتذاره حتى أتعافى.

لأنني أخيرًا فهمت شيئًا كان يجب أن أعرفه منذ البداية:

أحيانًا، أكثر الأشياء التي تجعلنا نشك في أنفسنا ليست أخطاء ارتكبناها… بل أكاذيب قالها لنا أشخاص وثقنا بهم.

وضعت ليان في سريرها، وقبلت جبينها.

ثم همست:

—إنتِ مش هتكبري أبدًا وإنتِ فاكرة إنك مش كفاية.

أغلقت الأنوار.

وفي تلك اللحظة، شعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن الماضي انتهى فعلًا.

لم أربح قضية فقط.

ولم أكشف كذبة فقط.

لقد استعدت نفسي.

واستعدت الحقيقة.

والأهم…

استعدت ابنتي حقها في أن تعرف يومًا أنها لم تكن أبدًا سببًا في انهيار أي شيء.

كانت هي السبب الذي جعلني أخيرًا أجد القوة لأقف من جديد.

في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب المحامي ياسر منصور.

وضعت دعوة الزفاف أمامه دون أن أقول شيئًا.

أمسكها، قرأ الاسم، ثم رفع عينيه نحوي.

—مازن هيتجوز؟

هززت رأسي.

—أيوه.

ثم أضفت بهدوء:

—ومراته حامل.

ظل ياسر صامتًا لثوانٍ.

ثم نظر إلى الدعوة مرة أخرى.

—وإنتِ عايزة تعملي إيه؟

نظرت إلى الصورة الصغيرة الموجودة على هاتفي.

كانت ليان نائمة في سريرها داخل المستشفى.

قلت:

—مش عارفة.

ثم رفعت عيني إليه.

—بس أنا مش عايزة أتصرف بدافع الغضب.

أومأ ياسر ببطء.

—وده تصرف صح.

ثم أشار إلى الدعوة.

—لكن ليه بعتلك الدعوة أصلًا؟

لم أجب.

لأن السؤال نفسه كان يراودني منذ اللحظة التي وصلتني فيها الدعوة.

مازن لم يكن بحاجة إلى وجودي في حفل زفافه.

بل على العكس.

بعد الطلاق، لم تكن علاقتنا جيدة.

فلماذا يدعوني؟

فتح ياسر جهاز الكمبيوتر الخاص به وبدأ يبحث عن اسم الشركة الموجودة على الدعوة.

—مين متكفل بمصاريف الفرح؟

قلت:

—مازن.

ثم ترددت.

—أو على الأقل ده اللي كنت فاكرة.

أدار شاشة الكمبيوتر نحوي.

—بصي هنا.

ظهرت أمامي بيانات شركة لم أسمع بها من قبل.

شركة النخبة للاستثمارات.

قال ياسر:

—الشركة دي دفعت جزء كبير من تكاليف الزفاف.

عقدت حاجبي.

—ليه؟

—ده اللي هنحاول نعرفه.

بدأ يبحث في السجلات العامة، ثم فتح مجموعة من المستندات.

كلما مر الوقت، تغيرت ملامحه.

قلت:

—في إيه؟

لم يجب فورًا.

ظل يقرأ.

ثم قال:

—الشركة دي مرتبطة بشركة تانية.

—وإيه علاقة ده بمازن؟

رفع عيني نحوي.

—علاقة كبيرة.

ضغط على عدة صفحات.

—مازن مش مجرد موظف فيها زي ما كنتِ فاكرة.

شعرت بشيء غريب في صدري.

—أمال إيه؟

—اسمه موجود ضمن مجموعة صغيرة من المستفيدين من صندوق استثماري تابع للشركة.

تجمدت.

—مستفيدين؟

—أيوه.

ثم أضاف:

—والأغرب إن التحويلات بدأت قبل طلاقكم بفترة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى