
هادية بشكل غريب حتى بالنسبة لي.
فتحت شنطتي وطلعت موبايلي.
كان عندي رسالة واحدة من المحامي بتاعي.
“أستاذة نورا، هل ما زلتِ تريدين تنفيذ التعليمات اللي اتفقنا عليها الليلة؟”
بصيت للرسالة كام ثانية.
وبعدين كتبت:
“أيوه. نفّذ كل حاجة.”
ضغطت إرسال.
وحطيت الموبايل جنبي.
من حوالي تلات سنين، كنت أنا اللي بساعد أختي داليا في كل حاجة.
مش لأنها كانت محتاجة.
لكن لأن أبويا وأمي طول عمرهم شايفين إنها تستحق أكتر مني.
داليا كانت الأخت الكبيرة.
الأكثر اهتمامًا.
الأكثر أناقة.
الأكثر “نجاحًا” في نظرهم.
ولما فتحت شركة استيراد صغيرة، أنا كنت أول واحدة حطيت فلوس فيها.
ولما احتاجت سيولة علشان تشتري شقة جديدة، أنا ساعدتها.
ولما قررت تشتري عربية لابنتها لارا، أنا برضه ساعدتها.
حتى مصاريف المدرسة الخاصة…
والرحلات…
والتأمين…
وحاجات تانية كتير محدش في العيلة كان يعرف عنها حاجة.
لكن داليا كانت دايمًا بتقول:
“إنتِ أختي، يعني الفلوس دي بتروح لأهلك.”
وكنت بضحك.
لحد ما اكتشفت الحقيقة.
الفلوس ماكانتش بتروح لأهلي.
كانت بتروح لعيلة كاملة شايفاني مجرد بنك مفتوح.
ومن حوالي ست شهور، بدأت أراجع كل التحويلات والعقود.
وفي يوم، اكتشفت حاجة ماكانتش داليا تتخيل إني أعرفها.
الشركة اللي كانت بتدير جزء كبير من أموالها…
كان ليها ارتباط قانوني بحسابات تحت إشرافي.
مش لأنها كانت عارفة.
لكن لأنني قبل سنوات، وافقت أساعدها في تأسيس الكيان المالي اللي استخدمته في بعض استثماراتها.
وقتها كانت محتاجة اسمي وخبرتي.
وقالت لي:
“مجرد إجراءات يا نورا.”
لكن “الإجراءات” دي خلتني أمتلك صلاحيات قانونية معينة.
صلاحيات محدش في العيلة كان يعرف عنها حاجة.
ولما اكتشفت إن داليا بتستخدم جزء من الأموال بطريقة تخالف الاتفاقات المكتوبة…
ماواجهتهاش.
استنيت.
لأني كنت عايزة أعرف حاجة واحدة:
لو بطلت أديها فلوس…
هل هتفضل تعتبرني أختها؟
ولا هعتبر فجأة شخص غريب؟
واللي حصل في عيد ميلادي جاوبني.
في صباح اليوم التالي، الساعة 7:30، كنت قاعدة في مكتبي وبشرب القهوة.
الموبايل رن.
كان المحامي.
قال:
“أستاذة نورا، كل الإجراءات اتنفذت.”
سألته:
“كلها؟”
قال:
“كلها.”
قفلت المكالمة.
ماعداش عشرين دقيقة…
وموبايلي بدأ يرن بشكل متواصل.
أول مكالمة كانت من داليا.
بصيت للاسم على الشاشة.
وسبتها ترن.
المكالمة التانية.
وسبتها.
التالتة.
والرابعة.
بعدها وصلتني رسالة:
“نورا، ردي عليا فورًا. في مشكلة في الحساب.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
حساب؟
هي لسه فاكرة إن المشكلة في الحساب؟
بعد دقيقة، وصلت رسالة تانية:
“الكارت بتاعي اترفض.”
وبعدها:
“إنتِ عملتي إيه؟”
ما رديتش.
لأن في نفس الوقت تقريبًا…
كانت لارا بتصحى في بيتهم.
فتحت ستارة أوضتها، ونزلت عينيها ناحية الشارع.
العربية البيضاء اللي كانت مركونة قدام البيت…
مش موجودة.
في البداية افتكرت إنها مش شايفاها كويس.
لبست شبشبها ونزلت بسرعة.
فتحت باب البيت.
بصت مكان العربية.
مفيش.
اتصلت بوالدتها.
“ماما، العربية فين؟”
جاءها صوت داليا من الطرف التاني، متوتر:
“مش عارفة.”
لارا سكتت.
وبعدين قالت:
“إزاي مش عارفة؟”
داليا ردت:
“أنا هتصرف.”
لكن لارا ماقفلتش.
قالت:
“ماما… العربية اختفت.”
“عارفة.”
“مين أخدها؟”
صمت.
ثم قالت داليا:
“مش عارفة.”
لارا بدأت تعصب:
“يعني إيه مش عارفة؟! مفاتيحها معايا!”
في اللحظة دي، داليا كانت بتبص على موبايلها.
وصلتها رسالة جديدة.
رسالة قصيرة جدًا.
من البنك.
“تم إيقاف صلاحية استخدام المركبة المرتبطة بالحساب.”
وشها اتغير.
لأنها بدأت تفهم.
العربية ما اتسرقتش.
حد سحبها رسميًا.
وفي نفس اللحظة، رن هاتفها.
رقم المحامي.
ردت بسرعة:
“ألو؟”
جاءها صوت هادي:
“صباح الخير يا مدام داليا.”
قالت بعصبية:
“إنتوا وقفتوا حساباتي؟”
“تم تنفيذ تعليمات قانونية محددة.”
مين أصدرها؟”
سكت المحامي لحظة.
ثم قال:
“أعتقد إن حضرتك عارفة.”
داليا ما ردتش.
لكن لارا كانت واقفة جنبها.
سمعت كل كلمة.
وقالت:
“ماما… هو بيتكلم عن خالتي نورا؟”
داليا بصت لها.
ولأول مرة من سنين…
ماعرفتش تقول لها كذبة مقنعة.
أما أنا…
فكنت لسه قاعدة في مكتبي.
وبصيت للساعة.
كانت 7:50 بالضبط.
فتحت الكمبيوتر.
قدامي ملف واحد.
عنوانه:
“داليا عبد الرحمن – المرحلة الثانية.”
ضغطت عليه.
لكن قبل ما أفتحه…
وصلتني رسالة من رقم غريب.
رسالة واحدة فقط:
“إنتِ فاكرة إن داليا هي الوحيدة اللي كانت بتستغلّك؟”
فضلت باصة للشاشة.
لأول مرة من وقت ما بدأت خطتي…
قلبي دق بسرعة.
لأن الرسالة دي معناها حاجة واحدة.
إن حد تاني كان بيراقب كل اللي بيحصل.
وحد تاني…
كان عارف السر اللي خبّيته عن عيلتي سنين.
يتبع…
فضلت باصة للرسالة الغريبة على شاشة موبايلي.
“إنتِ فاكرة إن داليا هي الوحيدة اللي كانت بتستغلّك؟”
قرأتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
مين صاحب الرقم؟
وإزاي عرف إني بدأت أراجع حسابات داليا؟
والأهم…
إزاي عرف إن عندي خطة؟
كتبت:
“إنت مين؟”
الرسالة اتشافِت فورًا.
لكن مفيش رد.
استنيت دقيقة.
اتنين.
خمسة.
ولا حاجة.
قفلت الموبايل، لكن عقلي ماكانش قادر يقفل الموضوع.
في اللحظة دي، دخل مساعدي ياسر مكتبي.
قال:
“مدام نورا، في حد مستني حضرتك تحت.”
رفعت عيني له.
“مين؟”
قال:
“راجل كبير في السن، وبيقول إنه لازم يقابلك شخصيًا.”
“اسمه إيه؟”
ياسر اتردد.
“قال إنك أول ما تشوفيه هتعرفيه.”
قلبي دق.
نزلت معاه.
وأول ما دخلت صالة الاستقبال، شفته.
كان راجل في أواخر الستينات، لابس بدلة رمادي غامق، وماسك ملف بني قديم.
أول ما عيني جت في عينه…
عرفته.
عم جلال.
المحاسب القديم اللي كان بيشتغل مع أبويا زمان.
قبل ما أقدر أتكلم، قال:
“كبرتي يا نورا.”
وقفت قدامه مذهولة.
“إنت اختفيت فين؟”
ابتسم بحزن.
“أنا ما اختفيتش. أنا بس اتطلب مني أبعد.”
“مين طلب منك؟”
بص حواليه.
وبعدين قال:
“أبوك.”
اتجمدت مكاني.
“أبويا؟”
هز راسه.
“أبوك قبل ما يموت بشهور، سلّمني الملف ده.”
ومد إيده بالملف.
ماخدتوش.
سألته:
“إيه اللي جواه؟”
قال:
“الحقيقة اللي كان المفروض تعرفيها من زمان.”
“عن إيه؟”
بصلي مباشرة.
“عن أختك.”
اتنفست ببطء.
“داليا؟”
قال:
“داليا مش المشكلة الوحيدة.”
رجعت خطوة.
نفس الجملة.
نفس المعنى.
الرسالة اللي وصلتني من شوية…
نفس الكلام.
قلت له:
“مين بعتلي الرسالة؟”
رفع حاجبه.
“أي رسالة؟”
طلعت موبايلي ووريته.
أول ما قرأها، وشه اتغير.
“يبقى هو بدأ.”
سألته بسرعة:
“مين؟”
لكن قبل ما يرد، موبايله رن.
بص للشاشة.
وقف المكالمة.
وقال:
“لازم أمشي.”
مسكت دراعه.
“استنى! إنت جاي تقولي الحقيقة وتمشي؟”
قال بهدوء:
“هتعرفي كل حاجة.”
“إمتى؟”
“لما تفتحي الملف.”
وساب الملف في إيدي ومشي.
طلعت مكتبي وقفلت الباب.
حطيت الملف قدامي.




