روايات وقصص

الجزء الاول بقلم محمد عبده

كان عليه اسمي بخط أبويا.

“إلى نورا فقط.”

إيدي ارتعشت.

فتحت أول ورقة.

كانت صورة لعقد قديم.

العقد كان باسم داليا.

لكن تحت الاسم كان فيه توقيع…

توقيعي أنا.

فضلت أبص للتوقيع.

كنت فاكرة إني عمري ما وقعت على العقد ده.

قلبت الصفحة.

ثم صفحة تانية.

وبدأت أفهم.

من سنين، داليا كانت بتطلب مني أوقع أوراق على أساس إنها تخص استثمارات عائلية.

لكن بعض الأوراق كانت بتديها صلاحيات أكبر بكتير مما كنت أعرف.

والأسوأ…

إن فيه حسابات مالية اتفتحت باسمي، واتحركت من خلالها مبالغ ضخمة.

مبالغ أنا عمري ما شوفتها.

عمري ما طلبتها.

وعمري ما استفدت منها.

فتحت آخر جزء من الملف.

لقيت ورقة مكتوب عليها:

“لو نورا قرأت ده، يبقى داليا حاولت تخفي الحقيقة.”

وتحتها جملة قصيرة:

“اسألي أمك عن شقة الزمالك.”

وقفت.

شقة الزمالك؟

أنا أعرف الشقة دي.

كانت شقة قديمة جدًا تخص أبويا.

بعد وفاته، أمي قالت إنها اتباعت، وإن الفلوس اتوزعت.

أنا ما سألتش وقتها.

لأنها كانت فترة صعبة.

لكن فجأة…

كل حاجة بدأت تركب مع بعض.

اتصلت بأمي.

ردت بعد تالت رنة.

“ألو يا نورا؟”

قلت:

“ماما، شقة الزمالك راحت فين؟”

سكتت.

السكون اللي حصل كان أطول من اللازم.

قلت:

“ماما؟”

ردت بصوت متوتر:

“إنتِ ليه بتسألي السؤال ده؟”

“علشان عايزة أعرف.”

“الشقة اتباعِت.”

“مين اشتراها؟”

سكتت تاني.

قلت:

“داليا؟”

ما ردتش.

وده كان كفاية.

قفلت المكالمة.

وبعد ثواني، اتصلت بيا داليا.

المرة دي رديت.

قالت بصوت منفعل:

“إنتِ عملتي إيه في حساباتي؟”

قلت:

“أنا؟”

“العربية اتسحبت! الكروت اترفضت! البنك وقف كل حاجة!”

“وأنا مالي؟”

صرخت:

“إنتِ عارفة كويس!”

سكت لحظة.

وبعدين قلت:

“داليا… إنتِ فاكرة إن العربية والحسابات هما مشكلتك؟”

سكتت.

قلت:

“المشكلة الحقيقية لسه هتعرفيها.”

قالت:

“إنتِ بتهدديني؟”

“لأ.”

بصيت للملف قدامي.

وقلت:

“أنا بس بدأت أقرأ.”

الصمت اللي جه بعدها كان مرعب.

لأن داليا فهمت.

فهمت إني عرفت إن فيه حاجة مستخبية.

قالت بصوت منخفض:

“نورا… اسمعيني.”

“اتفضلي.”

“اللي في الملف ده مش كامل.”

قلبي وقف لحظة.

“يعني إيه؟”

قالت:

“أبوك ماكانش بيحاول يحميكي مني.”

سكتت.

ثم قالت:

“كان بيحاول يحميكي من أمي.”

تجمدت.

“من ماما؟”

قالت:

“أيوه.”

وقبل ما أسألها أي سؤال…

سمعت صوتها وهي بتقول:

“نورا، لو فتحتي الصفحة الأخيرة في الملف…”

وبعدين سكتت.

قلت:

“إيه؟”

همست:

“هتعرفي ليه أبوكي مات وهو فاكر إنك هتكرهيه.”

وقبل ما أقدر أستوعب كلامها…

قفلت المكالمة.

بصيت للملف.

كان لسه فيه صفحة واحدة مقفولة.

صفحة ما فتحتهاش.

حطيت إيدي عليها.

وببطء…

فتحتها.

وفي أول سطر قرأت:

“نورا ليست ابنتي البيولوجية.”

اتسمرت مكاني.

والعالم كله حواليّ كأنه اختفى.

لكن أسوأ حاجة…

إن تحت الجملة كان فيه اسم.

اسم الشخص اللي كتب أبوه إنه يعرف الحقيقة كلها.

سميحة عبد الرحمن… أمي.

يتبع…

فضلت واقفة قدام الورقة وأنا مش قادرة أتحرك.

“نورا ليست ابنتي البيولوجية.”

الجملة كانت واضحة.

مفيهاش أي مجال لسوء الفهم.

لكن عقلي كان بيرفض يصدق.

قعدت على الكرسي، وحطيت الورقة قدامي.

رجعت أقرأها مرة تانية.

وبعدين قلبت باقي الصفحات.

كان فيه تقرير قديم من مستشفى.

وتاريخ ميلاد.

واسم أمي.

لكن اسم الأب كان مختلف.

جلال منصور.

مش اسم أبويا.

حسيت إن نفسي اتقطع.

مين جلال منصور؟

وليه اسمه موجود في شهادة الميلاد القديمة؟

فتحت الملف أكتر.

لقيت صورة قديمة.

صورة لامرأة شابة شايلة طفلة رضيعة.

المرأة مش أمي.

وفي ظهر الصورة مكتوب:

“نورا، عمرها 11 يومًا.”

وتحتها:

“لازم تفضل بعيدة عن الحقيقة لحد ما تكبر.”

إيدي بدأت ترتعش.

في اللحظة دي، موبايلي رن.

كانت أمي.

بصيت للاسم.

ما رديتش.

رن تاني.

وبرضه ما رديتش.

التالتة…

رديت.

“ألو.”

جاء صوتها متوتر:

“نورا، إنتِ فتحتي الملف؟”

ما جاوبتش.

قالت:

“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”

سألتها:

“مين جلال منصور؟”

سكتت.

وبعدين قالت:

“أبوك الحقيقي.”

قفلت عيني.

كل حاجة جوايا كانت بتصرخ.

“إنتِ كنتِ عارفة؟”

“أيوه.”

“وأبويا كان عارف؟”

“أيوه.”

“وداليا؟”

سكتت فترة أطول.

وبعدين قالت:

“داليا عرفت من كام سنة.”

ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.

“يعني كل السنين دي… كانت عارفة إني مش أختها؟”

قالت:

“هي ماكانتْش عارفة من البداية.”

“إمتى عرفت؟”

“بعد وفاة أبوكي.”

“ومين قال لها؟”

ما ردتش.

لكن أنا فهمت.

“إنتِ.”

قالت بصوت ضعيف:

“كان لازم تعرف.”

“ليه؟”

“علشان أحمي العيلة.”

صوتي ارتفع لأول مرة:

“تحموا العيلة من إيه؟ مني؟”

سكتت.

قلت:

“ولا من الحقيقة؟”

وفجأة سمعت صوت داليا من جنبها.

واضح إنها كانت موجودة عند أمي.

قالت:

“نورا… كفاية.”

قلت:

“إنتِ عارفة من إمتى؟”

ردت:

“من حوالي أربع سنين.”

“وأربع سنين وإنتِ بتاخدي فلوسي؟”

“أنا ما أخدتش فلوسك.”

ضحكت بمرارة.

“العربية، الحسابات، الشقة، الاستثمارات… وكل ده إيه؟”

قالت:

“فلوس العيلة.”

“أنا اللي اشتغلت وجبت الفلوس دي.”

قالت:

“أبوك كان شايف إن الفلوس لازم تفضل في العيلة.”

سألت:

“أي عيلة؟”

سكتت.

قلت:

“عيلة جلال منصور؟”

الصمت كان الإجابة.

قفلت المكالمة.

وبعدها مباشرة، اتصلت بالمحامي.

قلت له:

“عايزة كل حاجة.”

سألني:

“كل حاجة إيه؟”

“كل المستندات المتعلقة بأبويا الحقيقي. وكل الحسابات اللي اتفتحت باسمي. وكل العقود اللي داليا وقعتها.”

قال:

“حاضر.”

وبعد ساعتين، كنت قاعدة في مكتبي قدام جبل من الأوراق.

لكن كان فيه مستند واحد شد انتباهي.

عقد بيع شقة الزمالك.

اسم البائع:

سميحة عبد الرحمن.

اسم المشتري:

داليا عبد الرحمن.

الثمن المكتوب في العقد كان أقل من قيمة الشقة الحقيقية بكتير.

وفي آخر الصفحة…

كان فيه توقيع شاهد.

جلال منصور.

اتجمدت.

جلال منصور كان عايش.

أبويا الحقيقي كان عايش.

وأمي أخفت عني الحقيقة.

وأبويا اللي رباني مات من غير ما يقول لي.

لكن ليه؟

السؤال ده كان أهم من كل حاجة.

في المساء، خرجت من مكتبي واتجهت للعنوان الموجود في آخر مستند.

كان فيلا قديمة في أطراف الإسكندرية.

وصلت الساعة 8:15.

نزلت من العربية.

وقفت قدام البوابة.

قبل ما أخبط، الباب اتفتح.

ورجل كبير ظهر قدامي.

شعره أبيض.

وشه مرهق.

لكنه أول ما شافني…

بصلي كأنه كان مستنيني من سنين.

قال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى